akdak

المقالات

قسم القرآن الكريم

لغة القران والأخذ بالظواهر بين السائل والمجيب

276

الشيخ عبد الحكيم الخُزاعي

قال السائل:

سلام عليكم 

لماذا لا أفهم لغة القرآن بما عبر هو نفسه حيث أثبت مادية الله مثل قوله يد الله وأيضا عصمة الأنبياء حيث عبر عنهم يعصون أليس هذا الفهم أولى من التأويل ومن توصل آلى هذا الفهم معذورا خصوصا صعوبة التأويل لأنه يحتاج عقولا كبيرة

 

جواب الشيخ عبد الحكيم الخُزاعي:

عليكم السلام و رحمة الله 

تفكيرك هذا  لا ضير فيه ما دامه يتحرى الحقيقة ويطلب الدليل ولا يسلم بنتائج مباشرة دون أن يريد البرهان الذي دل على وجوبه العقل والقرآن قال تعالى  ( قال هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين )

لكن اسمح لنا أن نكتب لك هذه الأسطر علها تنفعك 

 

أولا ً: لاشك أن حديثنا في نظام اللغة العربية إذ القرآن الكريم لم يستخدم طريقة أخرى مغايرة لها ولكن بطريقة اعجازية ، لذا علماء اللغة والأدب منذ القدم استخرجوا لنا هذه الأساليب الأدبية الكثيرة مثل المطلق والمقيد والعام والخاص والحقيقة والمجاز وغيرها من المباحث المهمة ، فإذا سلمنا بهذه النقطة الأساسية نقول أن هناك نتائج مهمة تترتب على ذلك منها أن الاستخدام أعم من الحقيقة وعليها أن نراجع المقيدات اللفظية واللبية اي العقلية التي قد تصرف الكلام من الحقيقة إلى المجاز ، وفي مقامنا الحالي توجد هذه المقيدات سواء نفس اللفظ القرآني الذي قال ( ليس كمثله شيء ) حول قضية جسمانية الله ، أو قال ( إن الله إصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ) في قضية عصمة الأنبياء ، أو نعود للمقيدات اللبية العقلية التي توجبها ضرورة التحاور بما انه نحن عقلاء والنص يخاطب العقل مباشرة ، فنقول لا يمكن أن يكون الله جسما لأن الجسم والجسماني من خصائص الممكن إذ لو كان جسما لتركب فاحتاج وقد ثبت أن الله واجب الوجود هو الغني المطلق الغير محتاج ( يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد )فهذه الطريقة العقلائية هي التي أوجبت صرف النص عن ظاهره ، كما لو أنني خاطبت وقلت لك لقد حرقت قلبي ، فلا شك أن تفهم انها الحرقة المعنوية وليست المادية ، إذ لو كانت مادية لمت مباشرة ؟

 

ثانيا ً: علينا أن نفهم حقيقة كلية تدخل في باب فهم القرآن الكريم بل عموم النص الديني الا وهي ان اللغة قاصرة بما هي نظام وضعه البشر للاجتماع الإنساني والتواصل من خلالها إلى حاجتهم الأساسية وأغلبها مادية ، وقصورها هذا سبب كبير في عدم إمكان التعبير عن الحقائق المجردة بشكل كامل إلا عبر قضية ( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يعقلون  )  فالوصول إلى العقل المجرد يمر عبر هذه الأمثال وهي تقريب المجرد بالمحسوس ، الا ترى أن الله لما جاء إلى حقيقة نوره استخدم نفس كلمة نور وهي لدينا نورا حسيا ولكنه أراد حقيقة أخرى وهي مسألة أن النور مظهر للأشياء ، فكذلك الله هو مظهر الأشياء من العدم ،  وهكذا لما أراد توضيح نوره مرة اخرى استخدم أدوات مادية من قبل المشكاة والزيتونة والمصباح والزيت ، فهذه كلها أشياء مادية لكنها تنير وتظهر الأشياء ولكن بسبب قصور اللغة عبر الله لنا عن حقائقه بما نفهم لأنه قال (وما أرسلنا من نبي إلا بلسان قومه ليبين لهم ) 

هكذا يجب أن نفهم النص الديني في تعابيره عن الحقائق ، وطريقة المحسوس والمعقول ليست كلية مطردة في الكتاب بل هناك أشياء حقيقية مباشرة مثل حديثه عن التأريخ أو عن العبادات والشريعة ، لذا يجب أن نفهم القرآن في هذا الإطار 

 

ثالثاً: علينا أن نعرف كما قيل في علوم اللغة أن الحاجة إلى المجاز والاستعارة والكناية موجودة بكثرة فكما الإنسان يحتاج الحقيقة يحتاج المجاز أيضا ، ( فرب تلميح أبلغ من تصريح  ) فليس الإنسان محصورا في إطار المعاني المباشرة بل أيضا لديه الخيال الخصب الذي يجعله يذهب إلى هذه الأساليب ، واللغة الدينية أيضا استخدمت هذا الخيال الخصب حتى ترتقي بالإنسان إلى ملكة التعقل والترقي به إلى مجالات عظيمة ، فعلى هذا نقول إن القرآن الكريم لما استخدمت هذه الأساليب علينا أن نفهمها في هذا الإطار .

 

رابعا ً: نقول أن الله أراد أن نعتقد به أفضل اعتقاد وأيضا نعتقد بأنبياءه هذا الاعتقاد لأنهم رسله وسفرائه إلى خلقه ، لذا لا يمكن التناقض بين أهدافه وغاياته ، وبين خطابه الديني في القرآن ، فكيف يتناقض لذا بحث العلماء وتوصلوا إلى نتائج تحفظ العقيدة الصحيحة ، وتحفظ مركزية الخطاب الديني في النصوص ، وفهموها في هذه الأساليب وهي عربية صحيحة وهذا انسجام تام بين العقل والنصوص لأن النص خاطب العقل السليم ، بينما الوصول إلى الجسمية أو عدم عصمة الأنبياء يشكل علامة استفهام واضحة وتناقض واضح بين النص الديني وبين الأهداف الإلهية ، فكيف نريد مجتمعا موحدا وليس وثنيا ينزل الآله الى مستوى الصنم أو الإنسان ونحن نقول له أن معنى ( يد الله فوق ايديهم ) هي يد حسية ، أليس له بعد ذلك أن يصور الآله بما صورنا له ، وكيف نريد منه أن يلتزم ويكون طاهرا نقيا ونحن مثلا نقول له أن يوسف عليه السلام هم بزليخا( ولقد همت به وهم بها ) بينما الصحيح هو معصوم ولم يهم مطلقا بالزنا. .

 كل هذه الملاحظات تشكل لنا علامات استفهام حول الفهم المادي للاله أو عدم عصمة الأنبياء بالتالي نقول أن الفهم الذي توصل إلى ذلك لم يكن فهما صحيحا وعليه أن يراجع نفسه كثيرا ؟