akdak

المقالات

قسم الشعائر الدينية

الصوم والجوع ضيافة الأرواح

201

رحيم شاهر الابراهيمي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين واكمل الصلاة واتم التسليم على محمد وآله الطيبين الطاهرين الاخيار الابرار المصطفين.

      أما بعد:

         معلوم ان الصوم هو الامتناع عن الأكل والشرب، فهذا صومٌ مادي؛ واما الصوم المعنوي هو صوم الجوارح بأجمعها، فقد ذكره بن عباد في المحيط فقال: "الصوم: تركُ الأكلِ والكلامِ، وقوله عَزَّ وجَل: ( إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمنِ صَوْماً ) أي صمتاً.(1)

فالصوم بالمعنى العرفي هنا الامتناع عن الأكل، والكلام، وبالمفهوم القرآني(الصمت)

    وذكره بن دريد فقال: "الصّوم: الإمساك عن المأكل والمشرب، وكل شيء سكنت حركته فقد صام،(2)والواضح من المفهوم اللغوي ان الصوم امساك، يتبعه سكونٌ، وهدوء

  وفي المصطلح: "الامساك عن أشياء خاصة نهى عنها الشرع، كالأكل، والشرب والجماع، في زمن مخصوص، ويبدأ بطلوع الفجر، وينتهي بالغروب، بنية التقرب إلى الله وطاعته وامتثال أمره."(3)

    فالصوم هو امساكٌ عن اللذائذ بزمن محدد، والتزاماً من العبد الصائم امتثالاً لأمر الله، وهو تهذيب للنفس وترويضها على الصبر، والتحمل لفترة معينة، واحساسها بالجوع والعطش، وكفها عن الأذى، والانجرار الى الرغبات، وحبسها عن فعل المحرمات، مع الامتناع عن مساحة كبيرة من الملذات المحللة، والمباحة لترتقي هذه النفس لتكون طوع خالقها، لامتثال أمره ونهيه.

    والالتزام بالصوم كونه فريضةٌ الهية، وسنة نبوية، لا يكفي دون ان يحوله الانسان الصالح الى سنة إنسانية فعلية تنسجم مع فطرة الانسان السليم لكي يتحسس معاناة بني جنسه، ممن لا يملك قوت يومه، فيواسيه بالمعاناة، ومصارعة الجوع والعطش، والحرمان من نعم الله التي جعلها لجميع خلقه لتسموا نفسه، وروحه نحو الكمال، والاكتمال، ليخصص شيئاً مما انعم الله عليه للسائل والمحروم.

    ولقد أوجب الله تعالى على المسلمين من جملة فرائضه صوم شهر رمضان، وخصه بالرحمة، والبركة، والرضوان، وجعل زمنه فرصة ذهبية لمراجعة النفس، وتهذيبها وتشذيبها من كل التبعات وتنقيتها من اللمم، والزلات الهينات.

  ورمضان قد اتحف بالبركة، وحُفَّ بالرحمة ووفور النعمة، فالخير فيه مضمون، والشيطان في طول لياليه وايامه مسجون.

     وبما أنَّ رمضان منعوت بأنه ربيع القرآن فهنا تكون فرصة المتقي العارف، لينال من تلاوة كتاب الله المغنم، ومن التفكر، والتدبر في آياته فيض النعم، الذي لا يقوم قارئه من مائدته الا بزيادة، أو نقصان، كما وصفه امير البلاغة علي (عليه السلام) حيثُ قال: (و اعلموا أن هذا  القرآن  هو الناصح الذي لا يغش و الهادي الذي لا يضل و المحدث الذي لا يكذب و ما جالس هذا  القرآن  أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى أو نقصان من عمى).

     ولعل الدعاء من فيض نعم الله في شهره الكريم فأبواب الجنان فيه مفتوحة، وسفن النجاة اليها مشرعة، فليقف العارف في باب الكريم لينال من عطاءه، وليغترف من بحر جوده، وكرمه، وليلوذ تحت ضلال رحمته مما اخفى من كبائر، وصغار ذنوبه، لتمطره سحائب الرحمة، ولتُحيطَ به نسائم الرأفة، وليشم عبق عفو الجليل ليعتق رقبته من ذل العصيان، وعبودية النفس الامارة بالسوء، وليخلصه من تبعات الهوى، وغبار الضلال، وعتمة العمى، وليسلك به سبيل النجاة الى شواطئ الأمن، والأيمان؛ فإنه نعم الرب الرؤف الرحيم المنان.

     

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد، وآله الطيبين الطاهرين.

 

 (1)الصاحب بن عباد: المحيط في اللغة،2/237.

(2) ابن دريد: جمهرة اللغة،2/4.

(3) الدكتور: احمد فتح الله: معجم الفاظ الفقه الجعفري،1/258.