akdak

المقالات

قسم الرجال والحديث

هانئ بن عروة ... صحابي يقتل يوم التروية

398

أ . بدر الشبيب

في كل آن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بحسن العاقبة وخواتيم الخير، وذلك أن أصعب الأمور هو دوام الاستقامة، ولذا روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال: شيبتني سورة هود. حيث تحتوي السورة على الآية الكريمة ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (112) سورة هود

وكلما طال بالإنسان العمر كلما تعرض لمزيد من الفتن والابتلاءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ومن هنا تأتي عظمة الرجال الصحابة الذين استشهدوا في سبيل الحسين ، حيث ضرستهم الفتن وطحنتهم الابتلاءات، وخرجوا بعد ذلك منها منتصرين إذ كانوا من القلة المذكورة في كلمة الإمام : قل الديانون.

كيف لإنسان أن يجتاز كل تلك الاختبارات الصعبة من عهد النبي  إلى عهد الإمام الحسين  ليستلم في نهاية المطاف شهادة الشهادة. لا بد أنه مر بفتن كقطع الليل المظلم، ولا بد أنه تعرض لكل أنواع الضغوط لزحزحته عن انتمائه المبدئي، ولكنه لم يفعل.

للأسف التاريخ لم يحفظ لنا من سير هؤلاء النبلاء إلا النزر اليسير، وربما الخاتمة فقط. يا لسوء حظ هذه الأمة التي تمتلئ بطون كتب تاريخها بأدق التفاصيل عن حياة المغنيات والوصيفات والموائد الآثمة ولا تكاد تجد فيها شيئا يسد الرمق عن أئمة الأمة وأشرافها وعلمائها وأحرارها.

كم صفحة في كل كتب تاريخنا عن الصحابة الأجلاء الذين نالوا شرف الشهادة في درب الحسين ؟! هانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وحبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة وأنس بن الحارث الكاهلي.

هل مرت هذه الأسماء في إعلامنا؟ أليسو صحابة رسول الله ؟ فأين المدافعون عن الصحابة؟!
سنتحدث هنا عن واحد منهم وهو هانئ بن عروة المرادي.

فهذا الصحابي العملاق الذي شهد مع الإمام علي  حروبه الثلاثة، كان قد تجاوز التسعين من عمره الشريف عندما حل عليه سفير الإمام الحسين  مسلم بن عقيل ضيفا سريا في أحلك الظروف وأقساها، لتصبح داره مقر القيادة العامة للمعارضة في الكوفة، ففيها تعد الخطط وتجمع الأموال لشراء السلاح والمؤن. وعندما علم ابن زياد - عن طريق المخبر السري ( معقل)  الذي تصنع دور الموالي لأهل البيت واطلع على أسرار الثورة-  بالدور الذي يقوم به هانئ في إيواء مسلم  ومساندة حركته لم يجرؤ على الهجوم على داره لمعرفته بمكانته الاجتماعية فهو زعيم قبيلة ( مذحج )التي كانت تضم أربعة آلاف مقاتل. وسلك ابن زياد سبيلا آخر حيث أوفد إليه حسان بن أسماء بن خارجة زعيم فزارة ومحمد بن الأشعث زعيم كندة وعمرو بن الحجاج وهو أخو زوجة هانئ ليقنعوه برغبة ابن زياد الملحة في زيارته، وعندما استجاب لهم هانئ وقدم لزيارة ابن زياد حدث ما كان يخشاه هانئ، حيث تم اعتقاله والتحقيق معه في شأن إيوائه مسلم بن عقيل، فأنكر في البداية ذلك، ولكنه عندما ووجه بالجاسوس الخبيث ( معقل )، لم يجد للإنكار سبيلا، ولكنه قاوم أمر ابن زياد بإحضار مسلم حيث قال له بلغة واثقة: والله لا آتيك بضيفي أبدا.

حاولوا إقناعه فلم يقتنع وظل على موقفه الصلب الصامد. وعندما يئس ابن زياد منه هدده قائلا: أتأتيني به أو لأضربن عنقك. فلم يعبأ به هانئ وقال: إذن تكثر البارقة  حولك. فثار الطاغية وقال: " والهفا عليك، أبالبارقة تخوفني" وأخذ ابن زياد القضيب فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته وتحطم القضيب وسالت الدماء على ثيابه، وحاول هانئ خطف سيف شرطي بجانبه ليدافع به عن نفسه فلم يستطع.

ولما انتهى خبر اعتقاله وما جرى عليه إلى قبيلته اندفعت بتثاقل يقودها الانتهازي عمرو بن الحجاج، فقام ابن زياد عن طريق شريح القاضي بإخبارهم أن هانئا حي لم يقتل، فبادر زعيمهم بالقول: إذا لم يقتل فالحمد لله. وهذا يكشف تواطؤ عمرو بن الحجاج مع ابن زياد. لقد تنكرت مذحج لزعيمها وأسلمته للموت، وهكذا كان.

فبعد مقتل مسلم بن عقيل أخرج هانئ إلى السوق وهو مكتوف فجعل يصيح: وامذحجاه وأين مني مذحج، ولما رأى أن أحدا لا ينصره جذب يده ونزعها من الكتاف وقال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه.

ووثبوا عليه وأوثقوه كتافا وقالوا له: مدَ عنقك، فقال في رباطة جأش: ما أنا بها بسخي وما أنا معينكم على نفسي، فضربه بالسيف مولى لعبيد الله بن زياد فلم يصنع شيئا، فقال هانئ: إلى الله المعاد، اللهم إلى رحمتك ورضوانك. ثم ضربه أخرى فخر شهيدا، وكن ذلك في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 هـ.

ولم يكتف ابن زياد بقتله بل أمر بسحبه ومسلم بالحبال من أرجلهما في الأسواق وصلبهما بالكناسة منكوسين، وبعث الرأسين الشريفين إلى يزيد فنصبهما في درب من دمشق.
إن هذه الحادثة تحفل بالعديد من الصور المعبرة والتي يمكن أن تتوقف عندها كاميرا القلم لتلتقطها وتقدمها للأجيال لكي تأخذ منها الدروس العميقة، فهناك صورة الرجل التسعيني الصلب الثابت على مواقفه ومبادئه والصابر في البأساء والضراء وحين البأس، وهناك صورة الوالي الطاغية الذي لا يراعي لشيء حرمة أبدا، وهناك صورة الانتهازيين وبائعي الذمم والضمائر من الجاسوس والزعماء والقاضي، وهناك صورة الخذلان والانهزامية التي تمثلت في قبيلته مذحج، وهناك، وهناك، وهناك....
فهل تعيد هذه الأمة قراءة تاريخ أبطالها الحقيقيين، أم سيبقون يصرخون: وامذحجاه، وأين منا مذحج؟