akdak

المقالات

قسم الأدب

الشعر صناعة لا يتقنها إلا المبدعون

45

محمد الخالدي

سألني أحد الأصدقاء قبل أيام عدّة عن الشعر.. هل هو صناعة يمكن تعلمها, واتقانها من خلال الدربة والممارسة ؟ أم هل هو استجلاء للغيب ونبوءة لا تتأتى إلا للمبدعين؟
فقلت : نعم .. يمكن تعلم الشعر عن طريق الدربة والممارسة, فالشعر هو فن كباقي الفنون يمكن التعرّف على حيثياته وتفاصيله, ومن ثم النظم فيه بعد الاطلاع على عروضه وبحوره وأوزانه الشائعة لدى الشعراء وغيرهم, واستشهدتُ له بما ورد في القرآن الكريم في سورة (يس / الآية 69),إذ قال تعالى : (( وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو إلا ذكر وقرآن مبين)), واعتقد أنّ في هذه الآية جوابا كافيا للاستدلال على أنّ الشعر يمكن تعلمه كغيره من الصناعات الأخرى.
ولكن هل هذا يعني أنّ صناعة الشعر يسيرة وسهلة ومرنة, بحيث يتمكن منها أيّ إنسان, فيجيد فيها ؟
بالطبع, هذا غير ممكن, فللشعر قواعد ذكرها الأقدمون منها : الرغبة والرهبة والطرب والغضب, ولو كان الشعر يسيرا لتمكن من قوله الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان محبّا له, ولكنه لم يتمكن من قوله, وقد أشار الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى ذلك بالقول : (( كان الشعر أحبّ إلى رسول الله من كثير الكلام, ولكن لا يتأتى له))، وقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ).
من هنا يتبين أن الشعر يمكن للإنسان تعلمه, إذ توافرت لديه الرغبة الحقيقة والقدرة (الموهبة) على محاكاة الآخرين في ما نظموه من شعر وما اتبعوه من سبل وطرائق فيه.
فالشعر في طبيعته صناعة وثقافة وتفنن, وقد أكد ذلك ابن سلام الجمحي بقوله: « وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر العلم والصناعات». كما وردت عبارة (صناعة الشعر) على لسان الجاحظ في قوله: « من صنع شعرا, أو وضع كتابا فقد استهدف», وكذلك وردت هذه اللفظة (أي صناعة الشعر) في بعض أسماء كتب العروض والنقد منها: ( العمدة في صناعة الشعر ونقده) لابن رشيق القيرواني ,و (ميزان الذهب في صناعة شعر العرب)للسيد أحمد الهاشمي وغيرهما, وهذا كلّه يؤكد على حقيقة لا مفرّ ولا مناص منها, هي أنّ الشعر صناعة.
وربّ قائل يقول أين يكمن الإبداع في هذه الصناعة ؟ وهل كل من تعلمها سيكون مبدعا؟
وجواب على ذلك نقول: إنّ تعلم الشعر شيء, والإبداع فيه شيء آخر, فليس كل من كتب الشعر شاعرا, وعلينا التمييز بين (الشاعر الحقيقي) وبين (الشاعر المزيف), كما علينا التمييز بين الشعر والنظم, فهناك عدد لا بأس به من الكتب والمؤلفات التي اعتمدت على النظم لأهداف تعليمية, كألفية ابن مالك وغيرها.
وبما أن الإلهام والإبداع خصيصة متميزة من خصائص الشعر, تحتاج إلى استجلاء الغيب وقراءة مكنوناته, فلابد أن يكون الشاعر إنسانا ذا نبوءة وعبقرية فذّة ,أو كما قال افلاطون : (( الشاعر كائن أثيري مقدّس ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن يلهم ويفقد في هذا الإلهام إحساسه وعقله, وإذا لم يصل إلى هذه الحالة فإنه يظل غير قادر على نظم الشعر واستجلاء الغيب)).
من كل ما تقدم يتوضح أنّ الشعر صناعة مادتها العاطفة والخيال, ولحمتها ونسيجها الثقافة والمهارة, وقوامها اللغة الشاعرة, وأدواتها ولوازمها الفن.

نشرت في الولاية العدد 97