akdak

المقالات

قسم علم النفس

ازدواج الشخصية

37

سمير مرتضى الغرابي

قال تعالى:((كبُر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون)) ان المعنى الظاهر للآية الكريمة يشير الى ان الانسان يقول ما لا يفعل او يقول شيئاً ويفعل شيئاً اخر بخلاف له وهذه ظاهرة اجتماعية حقيقة وموجودة، وهي برهان واضح لمفهوم الازدواج بالشخصية البشرية.

تعد ظاهرة ازدواج الشخصية ظاهرة خطيرة وهي موجودة في كثير من المجتمعات البشرية، وسببها هو وقوع المجتمع تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم، فيضطر الافراد من جراء ذلك الى الاندفاع وراء احد النظامين تارة، ووراء الاخر تارة اخرى، فهم يناقضون انفسهم دون اكتراث ظاهر، ولعلي اذكر مثالاً تاريخياً قرأته في احد الكتب، لوجود هذه الظاهرة في مجتمعنا العراقي القديم «ان من الخصائص التي تميز بها المجتمع العراقي القديم في صدر الاسلام هو انه كان المواطن الذي قضى فيه الإمام علي ابن ابي طالب عليه السلام ((عليه السلام)) معظم ايام خلافته، وهذا الامام كان في خلافته، كما هو معروف، مثالاً رائعاً للزهد والعدل والتقوى ولكن اهل العراق لم يفهموا كنهه في حياته و لم يقدروه حق تقديره، فقد كان في اواخر ايامه يشكو منهم مر الشكوى، وقال عنهم انهم (ملأو قلبه قيحاً).
وبعدما مات سرعان ما ندموا على ما فعلوه معه، وادركوا انهم فقدوا به اماماً قلما يجود الدهر بمثله، وعندئذ اخذوا ينثالون على تقديسه وتمجيده ويغالون في ذكر مناقبه «وللأسف مازال افراد مجتمعنا الى هذا اليوم يسيطر عليهم هذا الازدواج، فقبل مدة من الزمن ليست بالبعيدة، لي صديق كان يستمع الى الاغاني لغرض ما، وقد يكون عاطفياً، وبعدها بأيام كنت جالس مع مجموعة اصدقاء بمعيته وكان محور نقاشنا حول حرمة استماع الاغاني، فأنتفض صديقي المعني يقول: «ان الأغاني محرمة وانا لا استمع اليها» فأيقنت ان ازدواج الشخصية ما زال مهيمن على المجتمع العراقي، ومثل هذا كثير، فنرى بعضهم هو من اكثر الناس هياماً بالمثل العليا ودعوة اليها في خطاباته ومجادلاته ولكنه في الوقت نفسه هو من اكثر الناس انجرافاً عنها في واقع حياته . فقد يكون في احياناً كثيرة يغالط نفسه حتى يظهر امام الناس بصورة مقبولة ومرموقة في المجتمع.
ان الاطباء النفسيين والأساتذة المختصين في (علم النفس) البشرية يشيرون الى خطورة هذه الظاهرة وما وراءها من اضرار على الشخص نفسه من ناحية وعلى المجتمع من ناحية اخرى، فأن التناقض الذي يعيشه الفرد بينه وبين نفسه هو بحد ذاته كذب والكذب هو مقتاً كبير عند الله وهذا بأم عينه معنى ايذاء للنفس، ولو فرضنا ان احد هؤلاء الذين تسيطر عليهم هذه الظاهرة وهو في الوقت نفسه قد يتحكم بمجموعات من الافراد، فنرى هذه المجموعات يكون مسارهم يمين وفجأة يتحول الى اليسار بسبب من هو حاكم عليهم وبالتالي تصور معي حجم الكارثة التي تأتي جراء ذلك، وهذا حقيقي وموجود في ايامنا هذه وبكثرة.
اثبت العلماء المختصين ان التخلص من هذه الظاهرة الخطيرة غاية في السهولة وحلها يكمن في باطن الفرد نفسه، ما عليه سوى ان يوافق بين وبين ذاته، بمعنى ان يقول ما يفعل.
فلو تمعنا سوياً الى هذا الحل البسيط الذي قد لا يكلفنا سوى الاختلاء بأنفسنا لدقائق قليلة لأصبحت حياتنا الاجتماعية افضل ويعم الخير على المجتمع بشكل عام. وعلى انفسنا بشكل خاص.
وهذا ما يأمرنا به سبحانه وتعالى بقوله: ((يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون )).

نشرت في الولاية العدد 115