akdak

المقالات

قسم الأدب

الاصمعيات المفهوم والمضمون

46

د. عصام كاظم الغالبي

الأصمعيّات إحدى المُختارات الشعريّة الّتي جمعها العُلماءُ واختاروها، فهي مجموعة القصائد الّتي اختارها أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيْب الأصمعيّ (ت 216هـ) للمهديّ العبّاسيّ، وتضمُّ اثنتَين وتسعين قصيدةً ومُقطَّعةً، ويبلُغُ عددُ شعرائِها سبعينَ شاعرًا، أغلبُهم جاهليُّون، وقليلٌ منهم المُخَضرَمُون والإسلاميُّون والأمويُّون، أمَّا عددُ أبياتها فيبلغ (1439) بيتًا، وقد سُمِّيَتْ (الأصمعيّات) نسبةً إلى جامعها الأصمعيّ، كما سُمِّيَتْ المُفضّليّات نسبةً إلى جامعها المُفَضَّل الضبِّيّ (ت 278هـ).

بين الإيجاب والسلب:
وتمتاز أغلبُ قصائد الأصمعيّات ومُقطَّعاتها بلغتِها العالية فضلاً عن شاعريّة قائليها وتعدُّد موضوعاتها، فقد قِيلَتْ في الفخر والحماسة والرثاء والغزل والوصف والعتب وغيرها، لذا كان الأصمعيُّ مُوفَّقًا في اختيارها.
وقد كانت هذه القصائد والمُقطَّعات مُختصَرَةَ الرواية، لذا لم تكن مرغوبًا فيها عند العلماء، فقد ذكر ابنُ النديم (ت 385هـ) الأصمعيّات في كتابه دون تسميتها قائلاً: « وعَمِلَ الأصمعيُّ قطعةً كبيرةً من أشعار العرب، ليستْ بالمَرضِيَّةِ عند العلماء؛ لِقلَّةِ غريبِها واختِصارِ روايتِها»
وتحدَّث المُستشرِقُ كارل بروكلمان عنها وعن جامعها قائلاً: « وقِيلَ إنَّ الأصمعيّات لم تلقَ ما لَقِيَتْهُ المُفضّليّات وغيرُها من الانتشار والقَبول؛ لأنَّها أقلُّ اشتمالاً على غريب العربيّة، ولأنَّ الأصمعيَّ عَمَدَ فيها إلى اختصار الرواية …، والأصمعيُّ، الأديب المشهور، الّذي غالَى المُترجِمون في الثناء عليه، كعادتهم، فزعموا أنَّه كان يروي، على رَوِيِّ كلِّ حرف من حروف المُعجَم، مئة قصيدة، لم يجدْ إلَا نخبةً مُتواضِعةً من القصائد حين أراد جمعَ اختياراته … «.
ولعلَّ السببَ في عدم رضا هؤلاء العلماء عن الأصمعيّات أنَّهم قاسُوها بحجم الاختيارات الأخرى كالمُفضّليّات الّتي تضمُّ مئةً وثلاثين قصيدةً من شعر الجاهليِّين وعددٍ من المُخضرَمين، ويبلغ عددُ أبياتها (2727) بيتًا، وكجمهرة أشعار العرب لأبي زيد محمّد بن أبي الخطّاب القُرَشيّ (من علماء القرن الخامس الهجريّ) الّتي بلغ عددُ أبياتها (2681) بيتًا وغيرهما.
أمّا زَعمُهم أنَّها أقلُّ اشتمالاً على غريب اللغة فلا صحَّةَ له؛ لأنَّ الأصمعيّات مليئةٌ بالألفاظ الغريبة الّتي لا تُوجَد حتّى في مُعجَمات اللغة، وخيرُ شاهدٍ على ذلك أنَّ مُحقِّقَيها الأستاذَين أحمد محمّد شاكر وعبد السلام هارون عَمِلا فهرسًا للألفاظ الّتي وردت فيها ولم تُذكَر في مُعجَمات اللغة .
الطبعة الأوروبية:
وهي أوَّل طبعة للأصمعيّات، وقد طُبِعت ضمن الجزء الأوّل من (مجموع أشعار العرب)، وقد عُنِي بتصحيحِها المُستشرِق وليم بن الورد، وطُبِعَتْ في مدينة ليبزج بألمانيا سنة 1902م، ثمّ أعادت طبعَها منشورات دار الآفاق سنة 1981م باسم (الأصمعيّات وبعض قصائد لُغويّة) بِمُراجَعة لجنة إحياء التراث.
طبعة دار المعارف:
حقّقها المرحومان أحمد محمّد شاكر وعبد السلام هارون، وقد بيَّنا كثيرًا من الأغلاط الّتي وقعت في الطبعة الأوروبيّة، وزَعَمَا أنَّهما أوّلُ من أخرجها مُوثَّقةً مُحقَّقةً، وكان ذلك في الرابع والعشرين من صفر سنة 1375هـ المُوافِق الحادي عشر من تشرين الأوّل سنة 1955م، وقد أُعِيدَ طبعُها عام 1964م بعد أن زاد الأستاذ عبد السلام هارون على فهارسها فهرسًا مُهمًّا وجده لا مندوحة عنه في عمل فهارس دواوين الشعر، وهو فهرس الألفاظ اللغويّة الواردة في الشعر .
طبعة مؤسسة النور للمطبوعات:
وقد سُمِّيَتْ (ديوان الأصمعيّات)، شرحه وضبطه، وقدّم له إبراهيم شمس الدين، وقد أفاد كثيرًا من طبعة دار المعارف، ومن يُطالعُ هذه الطبعة لا يجدُ اختلافًا كبيرًا بينها وبين الطبعة السابقة إلاّ في المُقدّمة، فإنَّ الشارح قدَّم لها بالكلام على المجموعات الشعريّة وأهمِّيَّتِها، وقد أحصى أغلبها، وصدرتْ هذه الطبعة سنة 1422هـ -2001م.
طبعة دار صادر:
وسُمِّيَتْ (ديوان الأصمعيّات) أيضًا، حقَّقها وشرحها الدكتور محمّد نبيل طريفي، وقد صدرت سنة 1423هـ – 2002م، استهلَّها مُحقِّقُها بمُقدّمة طويلة ذكر فيها، من ضمن ما ذكر، مآخِذَه على طبعة دار المعارف، وقد حذَفَ في طبعته هذه عددًا من القصائد بحُجَّة أنَّها من المُفضّليّات، وزاد في أبيات قصائد أخرى بالرجوع إلى المصادر الشعريّة الموثوق بها فضلاً عن التعريف بأغلب الشعراء الواردة أسماؤهم في الأصمعيّات .
الاختلاف بين الفريقين:
اُختُلِفَ في عدد شعراء الأصمعيّات وقصائدها وأبياتها على فريقَين، يرى الأوّلُ منهما أنَّها تضمُّ اثنتَين وتسعين قصيدةً لسبعينَ شاعرًا، ويبلغ عددُ أبياتِها الكلِّيُّ (1439) بيتًا، في حين يرى الآخَرُ أنَّها تضمُّ اثنتَين وسبعين قصيدةً لواحدٍ وستِّين شاعرًا، ويبلغ عددُ أبياتها الكلِّيُّ (1163) بيتًا.
ولعلَّ هذا الاختلاف يرجِعُ إلى وجود تسعَ عشرةَ قصيدةً موجودةً في المُفضّليّات والأصمعيّات مع الاختلاف في عدد الأبيات والرواية في كلٍّ منهما فضلاً عن أنَّ الأصمعيَّ قسَّم إحدى القصائد على قسمَين، ثمَّ نسَبَهما إلى شاعرَين مُختلفَين، وبضمِّ هذه القصيدة الزائدة إلى القصائد التسعَ عشرةَ يُصبِحُ الفارقُ عشرين قصيدةً .

نشرت في الولاية العدد 112