akdak

المقالات

القسم الولائي

الامام علي(ع) مخطط الفتح الاسلامي

25

واثق زبيبة الموسوي

كان النبي(صلى الله عليه وآله) يدعو الناس في مكة الى الإسلام، ويخبرهم بأن الله تعالى وعده أن يورث أمته ملك كسرى وقيصر، وكل من قرأ سيرته(صلى الله عليه وآله) يجد أن فتح فارس والروم كانا وعداً نبوياً منذ أول إعلان الدعوة.
وكان المشركون يسخرون من ذلك، ففي الكافي روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) انه قال: (لما حفر رسول الله(صلى الله عليه وآله) الخندق مروا بكدية، فتناول رسول الله(صلى الله عليه واله) المعول من يد أمير المؤمنين(عليه السلام) – أو من يد سلمان رضي الله عنه- فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق، فقال رسول الله(صلى الله عليه واله): لقد فتح عَلَيّ في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر…) (1) وهذا يدل على أن الاتجاه الى الفتوحات خطة نبوية وعقيدة معروفة عند المسلمين.

فرسان الإمام في الفتوحات:
وبعد انتهاء ما يسمى بحروب الردة، أشار الإمام علي(عليه السلام) على الخليفة بفتح البلدان شرقا وغربا، وكان لتلامذته الفرسان قصب السبق, إذ كانوا القادة الميدانيين الذين خاضوا غمار المعارك وحققوا الانتصارات الواسعة، ومنهم حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وأخواه أبان وعمرو، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المعروف بالمرقال وأولاده خاصة عبد الله وعتبة وبريدة الأسلمي وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وعثمان بن حنيف وإخوته وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري، ومالك بن الحارث الأشتر وإخوته، وعدد من القادة النخعيين معه، وصعصعة بن صوحان العبدي وإخوته والأحنف بن قيس وحجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأبو الهيثم بن التيهان وجعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين(عليه السلام)، والنعمان بن مقرن وبديل بن ورقاء الخزاعي ومحمد بن أبي حذيفة الأنصاري وأبو رافع وأولاده، والمقداد بن عمرو وواثلة بن الأسقع الكناني والبراء بن عازب وأبو أيوب الأنصاري وبلال بن رباح مؤذن النبي(صلى الله عليه وآله)، وعبد الله بن خليفة البجلي وعدي ابن حاتم الطائي وأبو عبيد بن مسعود الثقفي وأبو الدرداء، ويليهم: جارية بن قدامة السعدي وأبو الأسود الدؤلي ومحمد بن أبي بكر والمهاجر بن خالد بن الوليد وغيرهم من القادة الميدانيين.
ولكل واحد من هؤلاء الأبطال أدوار مهمة، عتَّم عليها اكثر المؤرخين، وقام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهمته العظيمة في التخطيط والتوجيه وغرس الثقة والقوة في نفوس القادة والجنود، حتى امتدت الدولة الإسلامية فشملت فارس وبلاد الشام ومصر وغيرها.
دور الإمام بعد معركة الجسر:
لكن الدور الفعلي والاساسي للامام علي(عليه السلام) وتلامذته كان بعد هزيمة المسلمين في (معركة الجسر) مع الفرس، إذ اعطى عمر بن الخطاب الامام علياً(عليه السلام) الدور الأساسي في إدارة الفتوحات، فقد روى ابن الأعثم في الفتوح ان عمار بن ياسر كتب إلى عمر بن الخطاب يخبره باجتماع اهل فارس لحرب المسلمين في مئة وخمسين ألفا، وأنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على أن يخرجوا المسلمين من أرضهم ويغزوهم في بلادهم، وأخبره انهم قد قتلوا كل مسلم في مدنهم، وتقاربوا مما فتحته الجيوش الاسلامية، وعزموا أن يقصدوا المدائن ويصيروا منها إلى الكوفة(2)، فاستشار عمر بن الخطاب أصحابه، فأشاروا عليه ان يمضي بنفسه لحرب الفرس، فلم يأخذ برأيهم والتفت إلى الامام علي(عليه السلام) فقال: (يا أبا الحسن، لم لا تشير بشيء كما أشار غيرك؟).
فقال علي(عليه السلام): (..إن سرت بنفسك مع أهل مكة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة، ثم قصدت بهم قصد عدوك، انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها، حتى إنك تريد بأن يكون من خلفته وراءك أهم إليك مما تريد أن تقصده، ولا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم، ولا كهف يلجؤون إليه، وليس بعدك مرجع ولا موئل إذ كنت أنت الغاية والمفزع والملجأ، فأقم بالمدينة ولاتبرحها، فإنه أهيب لك في عدوك وأرعب لقلوبهم، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض: إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلة أتباعه وأنصاره، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وعلى المسلمين، فأقم بمكانك الذي أنت فيه، وابعث من يكفيك هذا الأمر والسلام).
فقال عمر: (نعم ما قلت يا أبا الحسن، ولكني أحببت أن يكون أهل البصرة وأهل الكوفة هم الذين يتولون حرب هؤلاء الأعاجم، فإنهم قد ذاقوا حربهم وجربوهم ومارسوهم في غير موطن) فقال الإمام(عليه السلام): (إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم فيكونوا حرساً لهم يدفعون عن حريمهم، والفرقة الثانية يقيمون في المساجد يعمرونها بالأذان والصلاة لكي لا تعطل الصلاة ويأخذون الجزية من أهل العهد لكيلا ينتقضوا عليك، والفرقة الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة، ويصنع أهل الكوفة أيضاً كصنع أهل البصرة، ثم يجتمعون ويسيرون إلى عدوهم..)، فلما سمع عمر مقالة الامام(عليه السلام) ومشورته أقبل على الناس وقال: (ويحكم، عجزتم كلكم عن آخركم أن تقولوا كما قال أبو الحسن..) ثم أقبل عليه فقال: (يا أبا الحسن، فأشر عليَّ الآن برجل ترتضيه ويرتضيه المسلمون أجعله أميراً، وأستكفيه من هؤلاء الفرس)، فقال علي(عليه السلام): (قد أصبته) قال عمر: (ومن هو؟) قال: (النعمان بن مقرن المزني) فقال عمر وجميع المسلمين: (أصبت يا أبا الحسن، وما لها من سواه). (3)
وبعد تولي الإمام علي(عليه السلام) الخلافة، استكمل الفتوحات بالرغم من ثلاث حروب داخلية فتحوها عليه، وقد سجل التاريخ منها قسما من فارس كان مستعصياً، وقسماً من الهند، وورد في تاريخ اليعقوبي: (ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي(4) إلى خراسان) (5)، وقال الطبري في تاريخه: (فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على علي فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو) (6). وقال ابن خياط في تاريخه، في حوادث سنة36: (وفيها ندب الحارث بن مرة العبدي (من اهل البحرين) الناس إلى غزو الهند، فجاوز مكران إلى بلاد قندابيل ووغل في جبال القيقان..) (7) وفي فتوح البلدان للبلاذري: (فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، توجه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي (ع)، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً، وقسم في يوم واحد ألف رأس) (8).
فتوحات تلامذة الامام:
وهذه نماذج من تلاميذ علي(عليه السلام) في الفتوحات، سلمان في فتح الأهواز، وفتح المدائن، وبقية إيران، وحجر بن عدي في القادسية والمدائن وجلولاء وأرمينية ومرج عذراء وبيروت، وعمار بن ياسر في فتح العراق وفارس، وهاشم المرقال في القادسية وجلولاء وخانقين وغيرها، وخالد بن سعيد بن العاص وإخوته في فتح الشام، والأشتر في القادسية واليرموك، وأبو ذر في فتح الشام وقبرص ومصر، وحذيفة في القادسية وفتوح العراق وفارس وأرمينية، ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة في معركة ذات الصواري مع الروم.

——————-
الهوامش:
1 –
الكافي:8/ 216, سيرة ابن هشام:2/ 365. سنن البيهقي:7/ 283
2 –
الفتوح:2/ 290, تاريخ الطبري:3/ 209
3 –
الفتوح:2/ 291 نهج البلاغة:2/ 29
4 –
هبيرة بن أبي وهب، كان من الفرسان المذكورين، وابنه جعدة بن هبيرة، وهو ابن أخت علي بن أبي طالب، أمه أم هاني بنت أبي طالب، وابنه عبد الله بن جعدة ابن هبيرة، هو الذي فتح القهندر وكثيراً من خراسان، فقال فيه الشاعر: … لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندركم ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور.
5 –
تاريخ اليعقوبي:2/ 183
6 –
تاريخ الطبري:4/ 46
7 –
تاريخ ابن خياط ص143
8 –
فتوح البلدان:3/ 531

نشرت في الولاية العدد 78