akdak

المقالات

قسم الفكر الاسلامي

هَل فِي السَّماءِ مَخلوُقات

26

لبيب بيضون

لقد ذرأ الله في هذا الكون الرحيب أصنافاً من خلوقاته، وبثّ فيها أنواعاً من كائناته، فهو وإن كان في الظاهر كوناً واحداً إلّا أنه يتألف من عوالم مختلفة وكائنات متميزة ،فمن عالم الملائكة  إلى عالم الإنس إلى عالم الجن، والله سبحانه خالق كل العوالم، ربُّ العالمين.

الله رب العالمين:

1 ـ فأما الملائكة فقد خلقهم الله من طاقة غير مادية مشتقة من النور، وبالتعبير الأدق انهم مخلوقون من طاقةضوئية الأدق انهم مخلوقون من طاقة ضوئية اهتزازية غير مرئية، وهم مخلوقات عاقلة تشترك مع الإنسان في خاصة العقل، ولكنها تختلف عنه في أنها لا إرادة لها، فالملائكة يعبدون الله دون سأم أوملل، ويفعلون ما يؤمرون دون اعتراض أو استنكاف.

يقول الإمام علي× في الخطبة الأولى من نهج البلاغة:

وثمفتق ما بين السماوات العلا، فملأهنّ أطواراً من ملائكته،منهم سجودٌ لا يركعون،وركوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون، ومُسَبّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العين، ولا سهوُ العقول، ولا فترةُ الأبدان، ولا غفلة النسيان».

2 ـ وأما الجن فقد خلقهم الله من طاقة حرارية غير مادية مشتقة من النار، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾.

وهم مخلوقات عاقلة إرادية مكلّفة كالإنسان، منهم المؤمن ومنهم العاصي، وهم يتزاوجون بطريقتهم الخاصة.

ومن خصائص الملائكة والجن أن أحدهم يمكن أن يتمثل للإنسان بالصورة التي يريدها، كأن يتمثل بصورة حيوان أو إنسان، ويكلّم كلَّ امرئ بلغته.

3 ـ وأما الإنسان فقد كان خَلْقه متأخراً بعد النوعين السابقين، وقد فضّلهن الله على كثير من مخلوقاته، بما آتاه من مُقَوّمات ونِعَم لم تكن لغيره.

ومن هذا التفضيل أن جعل النبوة في جنسه، فكانت نبوة سيدنا محمد| عامة شاملة لكل المكلفين في الوجود، ومنهم الجن مثلاً.

وإن هدفي من هذا البحث ليس إثبات وجود الكائنات غير البشرية في الكون، فهذا شيء مفروغ منه، وإنّما هدفي البحث عن وجود كائنات راشدة مكلفة.

المقصود بالأرض:

قال تعالى جل من قائل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (سورة الطلاق: 12)، فما من سماء من السماوات السبع إلّا ولها أرض. وهذه الأرض لها ظروف مادية ومناخية شبيهة بظروف كرتنا الأرضية. فما يمنع أن يكون فيها خَلْق بشري على شاكلتنا؟!

ومن جهة أخرى أن لفظة(الأرض) تطلق فقط على الكوكب المسكون الذي فيه النبات والحيوان والإنسان، فالأرض سمُيت كذلك لأن الإنسان أصلحها ورعاها لتصبح مؤهلة لحياته، ولأن النبات مدّ جذوره فيها واستقر فيها،ولو كان معنى الأرض غير ذلك فلماذا قال: سبع أرضين، مع أن المجموعة الشمسية تحوي ثمانية كواكب صلبة مثل الأرض، والمجرات تحوي آلاف الكواكب الباردة غير الملتهبة، ومع ذلك فهي لا تسمى(أرض).

وسواء نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر دينية، أو من وجهة نظر مادية، نجد أن أصحاب النظريتين لا ينفيان احتمال وجود مخلوقات في السموات.

فأما الماديون الذين أنكروا وجود الصانع وقدرته، وقالوا بنظرية الاصطفاء الذاتي، متمسكين بقواعد الاحتمال وتطبيقها على ملايينالسنين، فكما أنه جاز عندهم تشكل الإنسان على هذه الأرض، فإنّه يجوزذلك عندهم في أية ظروف مشابهة.

وأما من خلال الأدلة الدينية، فالدين الإسلامي لا ينكر وجود كائنات عاقلة في السماء، بل يقرر ذلك. وسوف نذكر بعض الأحاديث في هذا الخصوص، ثم نناقش الأدلة القرآنية.

الأحاديث النبوية تؤيد الفكرة:

في تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال الإمام الطبري: وخلق من الأرض مثلهن لما في كل أرض منهن مثل ما في السموات من الخَلْق.

وقال ابن عباس في تفسير الآية: في كل أرض مثل إبراهيم.

وقال قتادة: خلق سبع سموات وسبع أرضيين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه، خلقٌ من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.

الأدلة القرآنية:

ليس هناك دلالة حرفية في القرآن على وجود مخلوقات بشرية أوغير بشرية في السموات، ولكن القرآن ترك المجال مفتوحاً للقول بوجود كائنات حية في السموات.

وسوف نعتمد بشكل أساسي في بحثنا على آية من سورة النمل وأخرى من سورة الشورى، وعلىآيتين من سورة النحل وأُخرى من سورة الرعد.وهي التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النمل: 25).

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29).

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 48 ـ 49).

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (الرعد: 15).

وسوف نشرح مدلول هذه الآيات فيما يلي، وأنها تدل على وجود النبات والحيوان والإنسان في السموات والكون.

وجود النبات:

فأول الآيات أشار إلى وجود نباتات في السماء، وهي قوله تعالى ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾فالخَبْء هو كل مخبوء يخرجه الله من مخبئه وقدرته، ومنه النبات، ويعبّر عنه بالخبء لأن الحبة تكون مخبوءة في الأرض، ثم يخرجها الله نبتاً بقدرته.

وجود الحيوان:

وهناك آيات أشارت صراحة إلى وجود حيوانات في السموات، عبّر عنها القرآن (بالدابّة)، وهي كل ما يَدُبّ على الأرض، وتشمل الإنسان.يقول سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.

وفي قوله ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ يعني ما نشر في السموات والأرض من مخلوقات تدبّ وتمشي عليهما.

يقول الزمخشري في تفسيره للآية السابقة: ولا يبعد أن يخلق الله في السموات حيوانات تمشي فيها كما يمشي الناس على الأرض، كما ينبئ قوله تعالى ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.

وأما قوله ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ يحتمل أن يكون مقصوده جمعهم يوم القيامة، كما يمكن أن يكون في الدنيا، وقد ذهب السيد محمد علي حسن الحلي إلى المقصود الأخير، فقال: وهذا تصريح واضح عن إمكانية إجتماع سكان الكواكب بأهل الأرض في الحياة الدنيا، وليس في القيامة. إذ لو كان قصده سبحانه الجمع يوم القيامة لما قرنه بالمشيئة فقال (اذا يشاء) بل لجاءت الآية بصيغة التأكيد والتقرير والجزم.

وإذا صح هذا التأويل فإنّ الآية تتضمن أيضاً المخلوقات العاقلة.

المقصود بالدابة:

ورد ذكر (الدابة) في القرآن 14 مرة.وهي اسم لكل حيوان ذكراً كان أو أنثى، عاقلاًَ أو غير عاقل. فإذا ذكر الإنسان معها دلت على غير العاقل، وإن كانت مطلقة فهي تشمل الإنسان أيضاً، وبما أنّ الملائكة والجن ليس لهم أيدٍ ولا أرجل لأنهم يسعون في الفضاء، كانت الدابة تطلق على وجه التخصيص على كل مخلوق له أطراف يدبّ على الأرض، كالإنسان والحيوان.ومن جهة أخرى إذا ذكرت (منْ) الموصولة مع الدابة، وكان الحديث عن الأرض والسموات دلت على الإنسان والمخلوقات العاقلة الشبيهة بالإنسان، وإذا ذكرت معها (ما) الموصولة دلت على المخلوقات العاقلة وغير العاقلة معا.

ومن هنا سيكون منطلق بحثنا لإثبات وجود المخلوقات العاقلة الشبيهة بالإنسان في غير كوكب الأرض من الكون الرحيب.

وجود الكائنات العاقلة:

وهناك آيات كثيرة تدل على وجود كائنات عاقلة في السموات، وهي التي عبّر عنها بكلمة (مَنْ) بمعنى الذي، التي تأتي للعاقل. وهذه الكائنات قد يكون المقصود بها الملائكة أو الجن أو الإنس، ولنفي أن يكون المقصود بها الملائكة أو الجن، عبّر عنها في بعض الآيات بكلمة (دابة)، وفي آية اخرى فصل بينها وبين الملائكة، وذلك في الآية الثانية من قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.

يقول سيد قطب في تفسيره لهذه الآية.

«مشهد الأشياء التي يمتد ظلها إلى اليمين تارة وإلى الشمال مذعنة لله خاضعة له، مشهدٌ موحٍ بالإيمان لمن يفتح قلبه، ويوقظ حِسّه، ويتجاوب مع الكون حوله، والسياق القرآني يعبّر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود، وهو أقصى مظاهر الخضوع، فهو (في الآية الأولى) يرسم المخلوقات الجامدة  داخرة، أي خاضعةٌ خاشعة طائعة صاغرة، ثم يضم إليها (في الآية الثانية) ما في السموات وما في الأرض من دابة، ويضيف إلى الحشد الكوني الملائكة، فإذا مشهدٌ عجيب من الأشياء والدوابّ والملائكة، في مقام عبادة وخشوع، وسجود وخضوع، لا يستكبرون عن عبادة الله ولا يخالفون عن أمره. وإذا المنكرون المستكبرون من بني الإنسان، هم وحدهم الشواذّ في هذا المقام العجيب».

ويقول الشيخ محمد جواد مغنية:والغرض من ذكر الدابة والملائكة بعد ذكر ما في السموات وما في الأرض، هو بيان الشمول لجميع المخلوقات، بشتى أنواعها.

الظلال:

وأمّاقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (الرعد: 15).

فإنّ قوله (مَنْ) يعني العاقل، والمعنى: أنّ (مَنْ) في السموات والأرض من مخلوقات يسجد لله، وكذلك ظلالهم تسجد له، وقد خصّ الله سبحانه بالذكر (الغداة والأصيل) لأن الظل في هذين الوقتين يطول ويمتد بشكل كبير ملحوظ، وبما أن الملائكة والجن ليس لهم ظل، فالمقصود بهم المخلوقات البشرية وشبه البشرية، فأمّا السجود طوعا فهو من المؤمنين، وأمّا السجود كَرْهاً فهو من الكافرين، والمقصود بالسجود هنا الخضوع.

وذهب الصوفية إلى أنّ المراد بـ ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أجسامهم المادية، وبـ (الظلال) أرواحهم.

المقصود بالسموات:

وإذا قال قائل: إنّ المقصود بالسموات في قوله تعالى: (في السموات والأرض) الطبقات الغازية المحيطة بالأرض، نقول: أنّ هذه ليست سموات، وإنّما طبقات غازية عبّر عنها القرآن بـ (جّو السماء) في قوله تعالى﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ وهي أربع طبقات وليست سبعة ، ولو كانت هذه الطبقات هي السموات السبع، لكنت الطبقة الأولى منها التي تطير فيها كل الطيور هي السماء الأولى، وهي السماء الدنيا، ولكان يجب أن يقول في الآية السابقة (مسخرات في السماء) وليس في جو السماء مما يدل على أنّ (جو السماء) وجزء من السماء الدنيا وليس هو السماء نفسها ومن جهة  أخرى فإذا كانت الطبقة الأولى هي السماء الدنيا، فأين المصابيح التي تزينها مصداقا لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (الملك: 5) مما يدل على أنّ السماء الدنيا التي فيها المصابيح (وهي النجوم الملتهبة) هي مجموعة النجوم والمجرات التي نراها من الأرض. أمّا الطبقات الغازيّة السابقة فليست هي سموات ولا سماء، إنّما هي جزء من اسماء الدنيا

نستنتج من هذا أن قوله ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ ...﴾ ليس المقصود فيها من (الدابة) الطيور، إذ هي لا توجد في السموات، بل توجد في جو السماء الدنيا.

والذي يؤكد أيضاً أن المقصود بالدابة ليس الطيور قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (النور: 41) ، فهو قد أخرج الطير من الذين عناهم بالوجود في السموات.

آيات عامة:

وأمّا الآيات التي يمكن أن تشمل الإنسان مع غيره من المخلوقات كالجن والملائكة، فهي كثيرة نعدّ منها: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83) ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ (يونس: 66).

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44).

﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (سورة الإسراء: 55).

﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ (مريم: 93 ـ 95).

﴿ أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾(الحج: 18).

﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: 71).

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (النمل: 65). ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (النمل: 87) ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (الروم: 26).

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29).

المعطيات العلمية:

أما من الناحية العلمية، فلا يُنْكِر العلمُ وجود مخلوقات بشرية في الكواكب، لكنه حتى الآن لم يستطع الجزم في ذلك.

بدأت الدراسات العلمية لهذا الأمر ضمن نطاق المجموعة الشمسية، التي تضم تسعة كواكب سيارة، وهي حسب ترتيب بُعدها عن الشمس: عُطارد ـ الزُهرة ـ الأرض ـ المّريخ ـ المشتري ـ زُحَل ـ اورانوس ـ نَبتون ـ بلوتو. فالمرشح لوجود  الحياة عليه أما الزهرة أو المريخ لقربهما من الأرض.

وقد أورد الدكتور عبد الرزاق نوفل في كتابه (الله والعلم الحديث) ص243 ـ 248 تحت عنوان «سُكْنى الكواكب» عدة حوادث أراد أن يبرهن بها على وجود مخلوقات مفكرة في هذين الكوكبين، وأنهم وصلوا في حضارتهم إلى مراحل متقدمة جداً من حضارة الإنسان على الأرض. نذكر منها:

1 ـ سقوط نيزك في سيبريا:

فالحادثة الأولى هي سقوط نيزك كبير في سيبريا عام 1908. ولما درس الپروفسور الروسي ليابونوف هذا الأثر مدة 45 عاماً، صرّح عام 1953 بأنه ليس نيزكا وإنما سفينة فضائية آتية من كوكب آخر، وارتطمت بالأرض وتفتت. ثم أذاعت الجهات العلمية في روسيا عام 1959 أن الحادث هو سفينة قادمة من كوكب بعيد.

2 ـ كرة من الكوبلت:

ثم يذكر الدكتور نوفل حادثة أخرى، وهي أنه في عام 1953 وجدت في الولايات المتحدة الأمريكية كرة معدنية غريبة التركيب، قطرها متر، وبداخلها اسطوانة تدور بسرعة كبيرة ولدى تحليل معدن الكرة وجد أن المعدن كان من الكوبلت الخالص، وبما أنّ الكوبلت الخالص لا وجود له على الكرة الأرضية، لذلك فإنّ الكرة لابدّ أنها جاءت من كوكب آخر.

3 ـ أجسام طائرة:

في عام 1957 صرّح الاميرال بلمر المسؤول عن القذائف الموجهة بأمريكا في حديث له بأنه شاهد أجساماً طائرة مجهولة، يبدو أنها موجهة بفعل كائنات مفكرة تخترق طبقات الجو، وأنّ هذه الأجسام تطير بسرعة مذهبة لا يمكن للعقل البشري أن يتصورها، ومشاهدة مثل هذه الأطباق الطائرة أصبح متواتراً في أنحاء متفرقة من الأرض.

4 ـ اكتشاف آثار للحياة في بعض النيازك:

وذكر ابن خليفة عليوي في كتابه (سبعون برهاناً علمياً على وجود الذات الإلهية) ص140 قال:

لدى دراسة مجموعات من النيازك المتساقطة من الكواكب الأخرى على الأرض، عثر العلماء على آثار للحياة فيها، فقد وجدوا في داخلها (أحافير) لمخلوقات متناهية في الصغر، تشبه أشكال الخلايا الموجودة على الأرض، ومنها شكل سداسي تحيطبه هالة بيضاء، ومنها كرة تشبه النبات اكتشفت في نيزك سقط في تنجانيقا عام 1936، وبعد تكبيرها اتضح أن لها حزمة من حول وسطها تغطيها أهداب تشبه الأشواك، على غرار العديد من طحالب الأرض.

وهذه الوقائع وغيرها تدل على وجود كائنات حية في الكواكب الأخرى.

احتمال الحياة في المجموعة الشمسية:

وندرس الآنإحتمال الحياة في كواكب المجموعة الشمسية:

إنّ إحتمال الحياة على أي كوكب منوط بأمرين: الأول وجود سائل حيوي مثل الماء، وغاز تبادلي مثل الأوكسجين والأمر الثاني أن يكون طقسه مقارباً لمناخ الأرض. لذلك سنبحث عن إحتمال الحياة في أقرب الكواكب من الأرضوهي: الزُّهْرة والمريخ.

احتمال الحياة على كوكب الزهرة:

أكدت الأبحاث العلمية أن جوّ الزهرة مُلَبّد بالسحب الكثيفة المكوَّنة من ثاني أكسيد الفحم الذي يحتوي على قليل من الماء.أمّا الاكسجين الحر اللازم للحياة فلا وجود له. ولكنهم يؤكدون أن جميع ملامح الزهرة تشبه ملامح الأرض. تبلغ كتلة الزهرة  81/0 من كتلة الأرض. وحجمها 88/0 من حجم الأرض، وكثافتها 93/0 من كثافةالأرض، وغلافها الجوي متماسك كغلاف الأرض، وسحبها كالحاف لونها أبيض يميل إلى الصفرة.

وحتى الآن لم يعلم السوفييت عن دلالة الصورة التي أخذت عن سطح الزهرة مباشرة، ولعل ذلك لأنّ فيها سِرّاً.

احتمال الحياة على المريخ:

يقول الدكتور عبد الرزاق نوفل:أنّ المريخ مكون بمخلوقات ذات ذكاء، وقد أيد ذلك بعدة وقائع منها

1 ـ حدوث إنفجار على سطح المريخ عام 1949 ، ويقولأحد العلماء اليابانيين: إنّ هذا الإنفجار حدث بواسطة مخلوقات على درجة عالية من الذكاء، فإمّا أن سكانالمريخ هم الذين أحدثوا الإنفجار، أو أن مخلوقات أخرى جاءت من كوكب آخر وأحدثت الإنفجار على سطح المريخ.

2 ـ أعلن العالم الفلكي الدكتور (أ.س.سيلفر) أن المناطق المعتمة من سطح المريخ تعود لنبات حي، وأنّ الظلمة التي تخيم على بعض أجزاء المريخ هي بسبب نمو الحياة النباتية فيها.

3 ـ ذكر العلماء الذين يدرسون المريخ من مراصدهم، أنّه يوجد على المريخ نحو من خُمْس مساحة اليابسة ماء، وأنّ قطبيه مغطيان بطبقة من الثلج والجليد، وأنه يوجد على سطح المريخ خطوط مستوية منتظمة، عُرف أنها قنوات لتوزيع الماء .كما أنه قد أنشئ في المريخ جسر طويل طوله مئات الكليومترات.

هذا وقد ذكر كتاب أمريكي أن مركبة أمريكية أرسلت حوالي عام 1975 إلى المريخ وأخذت صوراً له. وبعد تحليل الصورة وجدوا عند المدار الشمالي مرتفعاً جبليا طوله 2 كم وعرضه 900 متر يعطي ظلالا عندما تشرق عليه الشمس كأنها صورة وجه إنسان ، وقد وجهوا انتباههم إلى هذا الجزء من المريخ، فأرسلوا مركبة أخرى صوّرت المكان بدقة فوجدوا هناك جداراً مبنياً بشكل منتظم وخلفه ثلاثة أهرامات ضخمة، ويظهر أنها مبنيّة بناء. مما يدل على أنّ حضارة كانت موجودة، زالت بنزول نيزك منذ 70 ألف سنة. وهذه الحضارة مجمّعة في النصف الناعم من الكوكب، وليس على النصف المبقّع الذي تنزل عليه النيازك بكثرة.

ولسوء الحظ فإنّ المركبات الحديثة (فوياجير 2) التي مرت قريبا من المريخ عام 1977 قد صوّرت القسم الاجرد المبقّع من المريخ، وليس القسم الموسوم بآثار الحضارة، الذي كان غائبا عن منظور المركبة.

أمّا ابنخليفة عليوي فيقول في كتابه (سبعون برهاناً علمياً) ص141: كان اعتقاد الناس من غابر الأزمان أن الحياة أول ما ظهرت ظهرت على سطح المريخ. إلّا أنّ فلكيي عصرنا هذا لم يجزموا بصحة  ذلك الاعتقاد حتى اليوم. وإذا ثبت وجود الحياة على هذا الكوكب، فإنّ إحتمال وجودها على غيره من الكواكب يصبح أمراً ضمنياً.

وقد أشارت المركبة الأمريكية إلى إحتمال وجود الحياة فوق سطح المريخ، فقد دلت الدراسات التي قام بها (كوبير) عام 1956 على أنّ المريخ غير مأهول بالسكان كالأرض، إلّا أنّ فيه نباتات من نوع بدائي جداً.وقد أعلن الأمريكيون بتاريخ 3 تموز1976 أنّ السفينة الفضائية (بايكنك) اكتشفت أنّ أرض المريخ صحراء ملونة بتربة حمراء صدئة بسبب تراكم مركبات الحديد عليها، ومن أهم عناصرها: الحديد والكالسيوم والالمنيوم وعلى هذا الأساس قالوا: لا يستبعد وجود الحياة على سطح المريخ.

ثم يقول ابن خليفة: ومن خلال دراستي للمريخ علمتُ أن غلافه الجوي أقل كثافة من غلاف الأرض بنحو مئة مرة، وتكثر فيه زوابع الغبار والضباب، وقد أوضحت الصورة الحديثة التنوعات التي تطرأ على سطحه، والتي تشبه تغيرات الفصول الأربعة على الأرض. وهو يبدو في قطبيه وقد لبس عمامتين من الثلوج. وقد أدت دراسات مارينر (5) إلى وجود غاز ثاني أكسيد الفحم المتجمد، وتظهر في بعض مناطق سطحه الأخرى على مدى أربعة أشهر تغيرات في الألوان، من الأسمر المائل إلى الصفرة الخفيفة حتى الأزرق المائل إلى خضرة الداكنة، ولكن هل هذه نباتات وأشجار، أم هي مجرد تفاعلات كيميائية؟!

وفي كتاب (قصة السموات والأرض) للدكتور محمد جمال الفندي ص9 قال رُصدتْ درجات الحرارة على سطح المريخ بدقة، ووجد أنها لا تختلف كثيرا عن نظائرها على سطح الأرض. ويمكن حصر الإختلاف في حدود 30ْ تحت أو فوق درجات الحرارة على الأرض.

كما قُدّر أن نحو ثلث سطح المريخ تغطيه المياه، وينتشر في جوّه بخار الماء وثاني أكسيد الفحم، على  غرار جو الأرض، إلّا أن الضغط الجوي عند السطح لا يتعدى تُسع قيمة الضغط الجوي عند سطح الأرض.

وقد شوهد أنّ هناك ما يشبه القنوات المنظمة وعمليات الزرع والحصاد التي تنتشر تدريجياً على طول خطوط عرض الكوكب بانتظام، من خط الاستواء إلى القطبين، عند حلول فصل الصيف.

ولهذا كله قطع العلماء بوجود حياة من نوع ما على المريخ، ولكن لم يثبت بعد وجود كائن مفكّر عليه يناظر الإنسان.

شروط نشوء الحياة دقيقة:

هذا وقد اطلع أحد زملائي في جامعة دمشق على كتاب أمريكي موضوعه مبادئ الفلك، وقد ناقش فيه الكاتب موضوع احتمال وجود الحياة على كواكب المجموعة الشمسية قال: مما يشجع على القول بعدم وجود كائنات حية حيوانية في المجموعة الشمسية أنّ العلماء حين درسوا  وجود الكائنات في الأرض، وجدوا أنه في القطبين لا توجد حياة ألا في النادر، وهي عبارة عن عدة أنواع من البكتريا فقط وكذلك الأمر في المناطق الصحراوية فلا توجد فيها كائنات حية لشدة الحرارة وقلة الماء، في الوقت الذي نجد في المناطق المعتدلة من الأرض أنه توجد آلاف الانواع من الكائنات الحية.

فإذا كان هذا هو الأمر في الأرض بين وسطها وطرفيها، فكيف الأمر في الكواكب السيارة الأخرى، التي تختلف حرارتها وظروفها بشكل كبير عن كوكب الأرض؟ إنّ إحتمال وجود الحياة عليها قليل بالنسبة للنبات، ومنعدم بالنسبة للحيوانات والإنسان

إحتمال الحياة خارج المجموعة الشمسية:

مع تعدد المجرات في الكون وهي تعدّ بالملايين، وفي كل مجرة آلاف المجموعات الشمسية والكواكب، تكون الفرصة كبيرة لوجود كواكب ظروفها شبيهة بظروف الأرض. ولعل هذه هو المقصود من الرواية التي تقول بأنهتوجد في كل سماء أرض تشبه أرضنا، وفيها خَلْق مثل خلقنا.

هذا وإنّ إنتفاء وجود الحياة البشرية في المريخ والزهرةوبقية كواكب المجموعة الشمسية ـ أن ثبت ـ لا يقطع الأمل بوجودها خارج المجموعة. لا سيما ما تحقق علمياً من نزول صحون طائرة غريبة على الأرض، قد تكون آنية من أجرام سماوية بعيدة، مما يدل على أن سكانها قد سبقونا في علومهم وقدراتهم إذ جُلّ ما استطاع الإنسان الأرضي تحقيقه حتى الآن هو النزول على أقرب جُرم من الأرض، وهو تابعه القمر.

خاتمة:

وفي هذا المجال يمكن لخيالنا أن يشطّ في تصور تلك المخلوقات العاقلة التي ذرأها الله في أطراف الكون، فهموإن كانوا مركّبِين من نفس العناصر الكيميائية المعروفة،إلّا أن شكلهم قد يختلف عنّا، كما أن آلية عمل أجسامهم قد تفترق عنا.

ويمكن لهذه المخلوقات العاقلة أن يكون لها حواس مثل حواسنا أو غيرها، ويمكن أن يكون السائل اللازم لحياتها هو غير الماء، كما يمكن أن يكون العنصر الأساسي الداخل في مركباتها هو السيليسيوم Si مثلا، عوضاً عن الكربون C الذي يؤلف العنصر الأساسي لكل المركبات العضوية الموجودة في جسمالإنسان. وصدق سبحانه حيث قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.