akdak

المقالات

القسم الولائي

في رحاب ( بصائر الدرجات )

21

الشیخ ریاض الاسدي

تعتمد الاُمم في تمييز تاريخها وإعطائه ملامحه الواقعيّة ، على دراسة ما تمّ إبداعه في المرحلة التاريخية المعنيّة ، بالرجوع إلى المصادر المدوّنة ، أو إلى الآثار الباقية على وجه الأرض من تلک المرحلة .

ومن الأولى أن يتمّ الرجوع في قضايا التراث الديني إلى المصادر الموثوقة التي اُلّفت في عصر النصوص ، وإلّا فإنّ تأثير العناصر المشوّشة للحقائق أمر مؤكّد كلّما ابتعد المؤلّف عن عصر النصّ .

وفي تراثنا الموروث عن آل محمّد  9 عدد من المصادر (الاُصول ) المهمّة ، منها كتاب (بصائر الدرجات ) للشيخ الجليل محمّد بن الحسن الصفّار، وأهمّية هذا الكتاب ترجع إلى أنّ مؤلّفه قد عاصر النصّ ؛ فهو من أصحاب الإمام الحسن العسكري  7، كما تؤكّد ذلک معاجم رجال الحديث ، ولا يبعد أن يكون معاصرآ أيضآ للإمام الهادي  7 أو الإمام الجواد  7، أو لكليهما؛ ذلک أنّه (رض ) توفّي عام 290 للهجرة ، ومعلوم أنّ الإمام العسكري  7 قد استشهد عام  260 للهجرة ، فالفاصل الزمني بين وفاتيهما ثلاثون عامآ، فوفاته حدثت في عصر الغيبة الصغرى بلا شکّ .

فالصفّار من القلائل الذين عاصروا النصّ ، وتركوا لنا تراثآ مدوّنآ غنيّآ، وكتابه (بصائر الدرجات ) يشكّل رؤية واقعية للإسلام من وجهة نظر الأئمة المعصومين  :، وهذا ما نحن بحاجة ماسّة إليه .

وقد ركّز الصفّار على نقل الروايات التي تؤكّد فضل آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين ، وتوضح مكانتهم ، ولعلّ هذا أهمّ سبب في الهجمة على الكتاب ومؤلفه من قبل عدد ممّن ينتمون إلى المدرسة الغربيّة ، أو المتأثّرين بها.

وعلى الرغم من أنّ الطبعة المحقّقة لهذا الكتاب ليست بالمستوى المطلوب ، إلّا أنّ القارئ الذي يمتلک ثقافة متوسّطة ، يمكنه أن يقوّم الخلل الموجود جرّاء عدم دقّة التحقيق .

يحتوي الكتاب المفاصل المهمّة والرئيسة لمنهج أهل البيت  : سواء على مستوى الاُصول أو الفروع ، فهو يبدأ بالكلام على العلم والعالم ومعرفة طرق العلم المطلوب من قبل الشارع ، والعلم هنا يراد به علوم الدين خاصّة .

ويمكننا القول : إنّ أوّليّات ومبادئ اُصول الفقه ، التي يؤكّد عليها الأئمة  : يمكن استخراجها ومنهجتها بسهولة من خلال هذا الكتاب الجليل ، فإنّه بعد أن يؤكّد أهمّية العلم ، يذكر مقام آل محمّد ومكانتهم ، ويبيّن حقائقهم ـبمقدار ما نفهمه طبعآـ ولعلّ هذا المورد هو ما حدا بالبعض إلى إلصاق وصمة الغلوّ بالكاتب ، لأنّهم يرون أنّ الحقائق الغيبيّة وعلاقة الأئمة المعصومين بالسماء، اُمور مبالغ فيها، وهم ينطلقون في ذلک من الرؤية المادّية التي هي من تأثيرات الفكر الغربي ، الذي يقيّم كلّ شيء على أساس الإحساس والتجربة ، وهم بذلک لا يعترضون على كتاب بصائر الدرجات فقط ، بل يسري احتجاجهم إلى القرآن الكريم ، وإلى جميع الكتب السماوية والأديان أيضآ، وإنّهم يعمدون أحيانآ إلى قولبة ما جاء من قضايا الغيب بقالب تأويلي ، يجعل الغيبيّات من قبيل الإيماء والرمز، وأنّ القرآن خاطب الناس بمقدار معلوماتهم ، فالمعجزات التي أتى بها الأنبياء السابقون ، ليست في نظر هؤلاء سوى أشياء لا وجود لها إلّا في أذهان الناس الذين تأخّروا في وجودهم ، عن زمان اُولئک الأنبياء، والقرآن إنّما تماشى معهم ، لأنّ هذه المسألة لا يضرّ البقاء عليها كما هي ، إذن لا توجد معجزات ، وكلّ ما حدث هو إسقاطات بعديّة على تاريخ سابق ، وهم بهذا يدخلون التشكيک على القرآن ذاته ، ويوحون بأنّ كلّ ما جاء في القرآن الكريم لم يحدث واقعآ، وهم بصراحة يريدون أن يقولوا : إنّ القرآن من صنع محمّد، ولكنّهم لا يجرؤون على التصريح بذلک في هذه الفترة على الأقلّ ، ولأجل ذلک يمهّدون بهذه المزاعم لما ينوون فعله في المستقبل .

والواقع أنّنا أمام نوعين من التشيّع  :

الأوّل : هو المأخوذ من النصوص .

والثاني : من صياغة العقل والرأي .

ونجد ملامح التشيّع الأوّل في أمثال كتابنا (بصائر الدرجات ) من مؤلّفات المعاصرين للنصّ والغيبة الصغرى ، والمستفاد من أحاديث أئمة الهدى  :، إذ نجد في هذه الأحاديث ما يدلّ بما لا يقبل الشکّ على أنّ أهل البيت  : هم الوجودات المتّصلة بالسماء بنحوٍ مستمرّ لا ينقطع ، وإنّهم أسّسوا القواعد التي لا بدّ من السير عليها لمن كان يريد الآخرة ، أو معرفة الإسلام الحقيقي ، بلا نقصان أو تحريف ، ونجد فيها بوضوح أنّ الأئمة  : يستشهدون على مرادهم بآيات كثيرة من القرآن الكريم ، ويتكلّمون بمضامين القرآن ، ويعطون آياته التفسير أو التأويل الذي لا يجد القارئ فيه أيّ خلل ، وهذا يثبت أنّهم القرآن الناطق ، وأنّهم الجانب الثاني في حديث الثقلين (وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض )، فهم  : والقرآن شيء واحد، من حيث أنّهم لا ينطقون عن الهوى ، وكلّ هذه المضامين العميقة نجدها في بصائر الدرجات ، مع تفصيل رائع ، وعرض لأحداث تاريخية واجتماعية مهمّة .

وأمّا التشيّع الثاني ، فهو المأخوذ من العقل والرأي ، والذي تأثّر بالفكر الآخر، وهو محاولة لإرضاء الآخرين بالتنازل عن أركان واُسس التشيّع الحقيقي ، وجعل العقل بمستوى التشريع من حيث إدراكه ملاكات الأحكام أو مصالحها ومفاسدها الواقعيّة ، وتطوّر حتّى بلغ درجة اللهاث وراء الأفكار الحديثة ، والمحاولات التعسّفيّة في إثبات أنّ النصّ يتوافق مع الفكر البشري الحديث !

وقد زرّقت الكثير من هذه الأفكار المنحرفة إلى أذهان أبناء الاُمّة ، منذ القرن المنصرم خاصّة إلى يومنا هذا. وإنّ محاولات التملّق الفكري على حساب النصّ هي التي أدّت وتؤدّي إلى الانسحاب عن الإسلام الأصيل بالتدريج ، وآخرها ما يذكره البعض من أنّ الكفر ليس بعيبٍ ، وإنّما هو وجهة نظر، من باب «لا إكراه في الدين »! وغيره ممّا سوف يتحفنا به أتباع التغريب الفكري .

إنّ كتاب (بصائر الدرجات ) لمحمّد بن الحسن الصفّار، هو أحد المصادر الإسلامية الأصيلة ، ولا يوجد في هذا الكتاب أيّ تهافت ، بل هو نسيج متكامل متناسق ، وهو جدير بأن يُقرأ قراءةً متأنيةً متمعّنة ، وأن يبذل العلماء مزيد الاهتمام بدراسته وشرحه وتحقيقه ، والله المستعان .