akdak

المقالات

القسم العقائدي

تمهيد

187

---------

 

إنّ طائفة الإماميّة ـ بعد رفض نظريّة الأشاعرة([1]) في أفعال العباد ونقدها صريحاً ، ورفض نظريّة المعتزلة فيها([2]) ، ونقدها كذلك ـ اختارت نظرية ثالثة فيها ، وهي : (الأمر بين الأمرين) ، وهي نظريّة وسطى لا  إفراط فيها ولاتفريط([3]) .

] وبعبارة اُخرى : [ إنّ الأفعال الصادرة من العبد صادرة منه بإرداته وإختياره ، لا بالإرادة الأزليّة الموجبة لاضطراره كي يثبت مذهب الجبر ، ولكّنها لا تصدر منه بالاستقلال والاستغناء عنه تعالى كي يثبت مذهب التفويض ، بل بإفاضة الوجود والشعور والقدرة منه تعالى في كلّ آن من الآنات إلى تمام العمل ، بحيث لو انقطع الفيض منه تعالى في آن لما تمكّن العبد من الفعل من حينه .

فتحصّل أنّ الأفعال الصادرة من العبد بما أنّها تصدر منه بإرادته وإختياره ، فهو المختار فيهما ، من دون أن يكون هناك شائبة القهر والإجبار .

وبما أنّ فيض الوجود والقدرة وغيرهما من مقدّمات الفعل يجري عليه من قبل الله تعالى آناً فآناً ، بحيث لو انقطع الفيض منه آناً واحداً لما تمكّن العبد فيه من الفعل لا تكون خارجة عن سلطنة الله سبحانه وتعالى ، بحيث يكون العبد مستقلاًّ في فعله غنيّاً عنه تعالى فصحّ إسنادها إلى العبد من جهة ، وإليه تعالى من جهة ]اُخرى[ . أمّا وجه الإسناد إلى العبد فهو أنّه صادر منه بإرادته وإختياره بلا إكراه وإجبار ، وأمّا وجه الإسناد إليه تعالى فهو أنّ صدوره من العبد إنّما هو بإعطاء القدرة منه تعالى آناً فآناً إلى إتمام العمل([4]) .

]فـ [ ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره)([5]) في تصوير الأمر بين الأمرين وكشف الغطاء عمّا دلّت عليه الروايات الواردة عن المعصومين(عليهم السلام) ]كما سيأتي [هو محض الحق الذي لا  ريب فيه ، بداهة أنّ الفعل الاختياري بعد تعلّق الشوق به لا  يخرج عن كونه تحت اختيار المكلّف وسلطانه ، بل هو على ما كان عليه من أنّه إذا شاء فعله وإذا لم يشأ لم يفعله ، ولكنّه مع ذلك لا  مانع من استناده إلى الله تعالى بوجه من جهة عدم استقلال العبد في إيجاده ، فإنّ وجود الفعل يتوقّف على أن يفيض الله تعالى الوجود والقدرة وغيرهما من مبادئ الفعل على العبد آناً فآناً على ما هو الصحيح من أنّ الممكن لا يستغني في بقائه عن المؤثّر . . .

فالأفعال الصادرة من المخلوقين بما أنّها تصدر منهم بالإرادة والاختيار فهم مختارون في أفعالهم من دون أن يكون هناك شائبة القهر والاجبار ، وبما أنّ فيض الوجود والقدرة والشعور وغيرها من مبادئ الفعل يجري عليهم من قبل الله تعالى آناً فآناً بحيث لو انقطع عنهم الفيض آناً واحداً لما تمكّن العبد فيه من فعل ابداً ، فالأفعال الاختياريّة بين الجبر والتفويض ، ومنتسبة إلى المخلوقين من جهة ، وإلى الخالق من جهة اُخرى ، فافهم ذلك واغتنمه([6]) .

]وبذلك ظهر أنّ[ الفرقة المحقّة تلتزم بأنّ كلّ ممكن ـ كما يحتاج في حدوثه إلى علّة تقتضيه كذلك ـ يحتاج في بقائه إلى علّة ، فالممكن في آنات البقاء يفتقر إلى علّة و سبب .

وبعبارة اُخرى : بقاء كلّ ممكن بعد حدوثه لمّا كان متساوي الطرفين من حيث الوجود والعدم كان ترجيح أحدهما على الآخر مفتقراً إلى سبب خارجي ، فلو وجدت علّة الحدوث كانت مرحلة البقاء مفتقرة إلى العلّة أيضاً ، فكلّ فعل يصدر من الشخص اختياراً إنّما هو ممكن محتاج إلى العلّة . وقد أوجد الله تعالى قدرة كاملة في العبد ـ بعد أن افاض الوجود عليه ـ حدوثها لا يكفي في بقائها ، بل لابدّ فيه من إفاضة القدرة آناً فاناً ، فمتى انقطعت انعدمت القدرة بنفسها .

وعلى هذا فالفعل الخارجي يستند إلى العبد ; لأنّه فاعله باختياره وإرادته ، ويستند إلى الله تعالى نظراً إلى إفاضة القدرة على الفعل للعبد آناً فآناً ، ولولاهما لما تمكّن العبد من الاختيار فصحّ إسناد الفعل إلى كليهما([7]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] إنّ الأشاعرة تدّعي أنّ أفعال العباد من قبيل الأوّل ]أي[ إنّها لم تصدر عنهم باختيارهم وإرادتهم بل هي جميعاً بإرادة الله تعالى التي لا تتخلّف عنها ، وهم قد أصبحوا مضطرين إليها ومجبورين في حركاتهم وسكناتهم كالميّت في يد الغسّال . ومن هنا قلنا إنّ في ذلك القضاء الحاسم على عدالته سبحانه وتعالى ، هذا من ناحية . ومن ناحية اُخرى قد تقدّم نقد هذه النظرية بشكل موسّع وجداناً وبرهاناً . وقد أثبتنا أنّ تلك النظرية لا تتعدّى عن مجرّد الافتراض بدون أن يكون لها واقع موضوعي ، المحاضرات 2 : 89 .

[2] والمعتزلة تدّعي أنّ أفعال العباد من قبيل الثاني ]أي[ إنّهم مستقلون في حركاتهم وسكناتهم ، وإنّما يفتقرون إلى إفاضة الحياة والقدرة من الله تعالى حدوثاً فحسب ، ولا  يفتقرون إلى علّة جديدة بقاءً . بل العلّة الاُولى كافية في بقاء القدرة والاختيار لهم إلى نهاية المطاف ، ومن هنا قلنا أنّ هذه النظرية قد أسرفت في تحديد سلطنة الباري سبحانه وتعالى ، هذا من ناحية .

            ومن ناحية اُخرى قد سبق أنّ تلك النظرية تقوم على أساس نظرية الحدوث ، وهي النظرية القائلة بأنّ سرّ حاجة الأشياء إلى أسبابها هو حدوثها ، ولكن قد أثبتنا آنفاً خطأ تلك النظرية بشكل واضح ، وأنّ سرّ حاجة الأشياء إلى أسبابها هو إمكانها الوجودي لا  حدوثها ، ولا  فرق فيه بين الحدوث والبقاء ، المحاضرات 2 : 89 .

[3] المحاضرات 2 : 83 .

[4] مصباح الاُصول ج1 / القسم 1 : 273 - 274 .

[5] هو الشيخ محمد حسين الغروي النائيني قدس سره .

[6] أجود التقريرات 1 : 136 ، 137 .

[7] مصابيح الاُصول : 199 ـ 200 .