akdak

المقالات

قسم الأدب

مداليل الجمل الخبريّة والإنشائيّة

149

---------

 

]وقع البحث حول مداليل الجمل الخبريّة والإنشائيّة ، وهل أنّها من الاُمور القائمة بالنفس لتكون من الكلام النفسي أو لا ؟[ .

الف ـ مداليل الجمل الخبريّة :

حقّقنا في بحث الإنشاء والإخبار أنّ الجمل الخبريّة موضوعة للدلالة على قصد المتكلّم الحكاية والإخبار عن الثبوت ، أو النفي في الواقع ، هذا بناءً على نظريتنا .

وأمّا بناءً على نظرية المشهور ; فلأنـّها موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه ، ومن الطبيعي أنّ مدلولها على ضوء كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام ليقال إنّه كلام نفسي ; ضرورة أنّ الكلام النفسي عند القائلين به وإن كان موجوداً نفسانيّاً إلاّ أن كلّ موجود نفساني ليس بكلام نفسي ، بل لابدّ أن يكون سنخ وجوده سنخ وجود الكلام ، لفرض أنـّه ليس من سنخ وجود الصفات المعروفة الموجودة في النفس ، ومن المعلوم أنّ قصد الحكاية على رأينا وثبوت النسبة على رأي المشهور ليس من ذلك .

وبكلمة واضحة : إذا حلّلنا الجمل الخبريّة تحليلاً موضوعياً وفحصنا مداليلها في إطاراتها الخاصّة فلا نجد فيها سوى عدّة اُمور :

الأول : تصوّر معاني مفرداتها بموادها وهيئاتها .

الثاني : تصوّر معاني هيئاتها التركيبية .

الثالث : تصوّر مفردات الجملة .

الرابع : تصوّر هيئاتها .

الخامس : تصوّر مجموع الجملة .

السادس : تصوّر معنى الجملة .

السابع : التصديق بمطابقتها للواقع أو بعدم مطابقتها له .

الثامن : إرادة ايجادها في الخارج .

التاسع : الشك في ذلك .

وبعد ذلك نقول : إنّ شيئاً من هذه الاُمور ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به .

أمّا الأوّل فواضح ; إذ الكلام النفسي عند القائلين به ليس من سنخ المعنى أولاً على ما سيأتي بيانه ، وليس من سنخ المعنى المفرد ثانياً .

وأمّا الثاني فلأنّ الكلام النفسي ـ كما ذكروه ـ صفة قائمة بالنفس كسائر الصفات النفسانيّة ، ومن الطبيعي أنّ المعنى ليس كذلك ، فإنّه مع قطع النظر عن وجوده وتحقّقه في الذهن ليس قائماً بها ، ومع لحاظ وجوده وتحقّقه فيه وإن كان قائماً بها ، إلاّ أنّه بهذا اللّحاظ علم ، وليس بكلام نفسي على الفرض .

وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال جميع الأُمور الباقية ، فإنّ الثالث والرابع والخامس والسادس والتاسع من مقولة العلم التصوّري ، والسابع من مقولة العلم التصديقي ، والثامن من مقولة الإرادة .

فالنتيجة أنّ الكلام النفسي بهذا الاطار الخاص عند القائلين به غير متصوّر في موارد الجمل الخبريّة ، وحينئذ فلا يخرج عن مجرّد افتراض ولقلقة لسان ، بلا واقع موضوعي له([1]) .

ب ـ مداليل الجمل الإنشائيّة :

وأمّا الجمل الإنشائيّة فقد سبق الكلام فيها بشكل مفصّل ، وقلنا هناك أنّ نظريّتنا فيها تختلف عن نظرية المشهور ، حيث إنّ المشهور قد فسّروا الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ .

ولكن قد حقّقنا هناك أنّا لا نعقل لذلك معنىً صحيحاً معقولاً ، والسبب في ذلك هو أنّهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني ، كإيجاد الجوهر والعرض فبطلانه من البديهيات التي لا تقبل الشك ; ضرورة أنّ الموجودات الخارجيّة ـ بشتّى أشكالها وأنواعها ـ ليست ممّا توجد بالألفاظ ، كيف والألفاظ ليست واقعة في سلسلة عللها وأسبابها كي توجد بها ، وإن أرادوا به الايجاد الاعتباري كايجاد الوجوب والحرمة أو الملكيّة والزوجيّة وغير ذلك فيردّه أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم به ; ضرورة أنّ اللفظ في الجملة الإنشائيّة لا  يكون علّة لإيجاد الأمر الاعتباري ، ولا واقعاً في سلسلة علّته ; لوضوح أنّه يتحقّق بنفس اعتبار المعتبر في اُفق النفس ، سواء أكان هناك لفظ يتلفّظ به أم لم يكن .

ودعوى أنّ مرادهم بذلك الايجاد التنزيلي ـ ببيان أنّ وجود اللفظ في الخارج وجود للمعنى فيه تنزيلاً ، ومن هنا يسري إليه قبح المعنى وحسنه ، وعلى هذا صحّ أن يفسّروا الإنشاء بإيجاد المعنى ـ خاطئة جداً ; وذلك لأنّ تماميّة هذه الدعوى ترتكز على نظرية من يرى كون الوضع عبارة عن الهوهوية ، وجعل وجود اللفظ وجوداً تنزيليّاً للمعنى ، ولكن قد ذكرنا في محلّه أنّ هذه النظرية باطلة ، وقلنا هناك أنّ حقيقة الوضع عبارة عن التعهّد والالتزام النفساني ، وعليه فلا اتّحاد بينهما لا حقيقة وواقعاً ولا عناية ومجازاً ، ليكون وجود اللفظ وجوداً تنزيليّاً له .

وأمّا مسألة سراية القبح والحسن فهي لا ترتكز على النظرية المزبورة ، بل هي من ناحية كون اللفظ كاشفاً عنه ودالاًّ عليه ، ومن الطبيعي أنّه يكفي لذلك وجود العلاقة الكاشفيّة بينهما ، ولا فرق في وجود هذه العلاقة بين نظرية دون اُخرى في مسألة الوضع .

وبعد ذلك نقول : إنّ مدلول الجمل الإنشائيّة على كلتا النظريّتين ليس من سنخ الكلام النفسي عند القائلين به ، أمّا على نظريّة المشهور فواضح ; لما عرفت من أنّ الكلام النفسي عندهم عبارة عن صفة قائمة بالنفس في مقابل سائر الصفات النفسانيّة ، وقديم كغيرها من الصفات الأزليّة ، وبطبيعة الحال أنّ إيجاد المعنى باللفظ فاقد لهاتين الركيزتين معاً . أمّا الركيزة الاُولى فلأنّه ليس من الاُمور النفسانية ، ليكون قائماً بها . وأمّا الثانية فلفرض أنّه حادث بحدوث اللفظ ، وليس بقديم ، وأمّا على نظريّتنا فأيضاً الأمر كذلك ، فإنّ إبراز الأمر الاعتباري ليس من الاُمور النفسانيّة أيضاً .

فالنتيجة لحدّ الآن أنّه لا يعقل في موارد الجمل الخبريّة والإنشائيّة ما يصلح أن يكون من سنخ الكلام النفسي ، ومن هنا قلنا أنّه لا يخرج عن مجرّد وهم وخيال ، فلا واقع موضوعي له([2]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] المحاضرات 2 : 20 ـ 23 . وفي دراسات في علم الاُصول 1 : 151 ما نصّه : « إنّه بالوجدان نرى أنّه ليس في اللفظ إلاّ اُمور سبعة : الأول : الألفاظ المفردة ... وليس شيء منها كلاماً نفسياً كما هو ظاهر غير محتاج إلى التطويل . ويؤيّد ما ذكر أنّ غير الأشعري ممّن سبقه ولحقه يستعملون الكلام اللفظي من غير أن ينتقلوا إلى الكلام النفسي أصلاً ، فنحن لا نتصوّر للكلام النفسي معنى معقولاً حتّى نبحث عنه » .

[2] المحاضرات 2 :22 ـ 23 ، وفي مصباح الاُصول ج1 / القسم 1 : 257 ـ 258 ، ما نصّه : « إنّ الجمل الخبريّة موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة أو نفيها على المختار ، وموضوعة للدلالة على ثبوت النسبة أو نفيها على المشهور . ومن الواضح أنّ قصد الحكاية عن الثبوت أو نفس الثبوت ليس من سنخ الكلام ليكون كلاماً نفسيّاً . وكذا الحال في الجمل الإنشائيّة فانّ مدلولها الإيجاد على المشهور والابراز عندنا ، وكلاهما من الأفعال الحادثة بحدوث الألفاظ ، فلا يعقل كونهما من الصفات القائمة بالنفس قبالاً لسائر الصفات النفسانيّة من العلم والإرادة فلم يبق شيء نسمّيه كلاماً نفسيّاً قديماً قائماً بذاته الواجب قبالاً لسائر صفاته الأزليّة» .

            وفي مصابيح الاُصول : 181 ـ 182 ، ما نصّه : «المعروف بين العلماء القول بأنّ الجمل الخبريّة تدلّ على ثبوت النسبة أو عدمها . وقد عبّر بعضهم عن ذلك بالنسبة الثبوتيّة أو السلبيّة . وأمّا الجمل الإنشائيّة فإنّها تدلّ على إيجاد المعنى في الخارج ، وقد سبق أن ذكرنا هذا القول والإشكالات عليه وانتهينا إلى أنّ الجمل الخبريّة إنّما تدلّ على قصد المتكلّم الحكاية عن ثبوت النسبة أو عدم ثبوتها . وليس الثبوت وعدمه من مداليل الجملة أصلاً ، فإنّ حالة السامع قبل الإخبار وبعده على حد سواء ، وغاية ما يحصل في ذهن السامع نسبة القيام إلى زيد إذا قيل ـ مثلاً ـ زيد قائم ـ ولكنها نسبة تصوريّة ، وليست بتصوريّة . . . وهذا وسابقه من الاُمور النفسية ; لأنّ قصد الحكاية أو أمر آخر ثابت في اُفق النفس من الاُمور القائمة بالنفس ، فكان على هذا  كلّ من مدلول الجملتين أمراً نفسيّاً قائماً بالنفس» .

            وفي الهداية في الاُصول 1 : 202 ـ 204 ، ما لفظه : «المعروف بينهم ـ كما في الكفاية ـ أنّ الجُمل الخبريّة دالّة على تحقّق النسبة وثبوتها في الخارج ، كالطلب والترجّي والتمنّي وغير ذلك .

            لكنّ التحقيق ـ كما ذكرنا في بحث المشتقّ ـ أنّ الخبر بما هو خبر ليس له دلالة على وقوع النسبة أولا وقوعها ، وهو أجنبيّ عن مدلول الخبر ، بداهة أنّ «الأربعة فرد» خبر لا  يدلّ على ثبوت النسبة في الخارج ، بل مدلول الخبر هو الحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج ، واحتمال الصدق والكذب ناش عن توافق الحكاية مع المحكيّ عنه وتطابقهما ; وذلك لما عرفت في الوضع أنّ حقيقة الوضع وما اُسِّس بنيانه عليه هو التعهّد بأن يلتزم الواضع بأنّه متى ما أراد الحكاية عن ثبوت القيام لزيد في الخارج مثلاً جَعَل مُبرزها ومعرِّفها «زيد قائم» وهو بمنزلة تحريك الرأس في جواب مَن قال : «أزيد قائم ؟» والصدق والكذب ليس باعتبار مدلول الخبر الذي هو هذه الحكاية ، كما أنّهما ليس من ناحية الموضوع والمحمول ، بل هما من ناحية مطابقة هذه الحكاية مع ما في الخارج وعدمها ، ومن هنا قيل : «الخبر ما يحتمل الصدق والكذب» وإلاّ لا يكون معنى لهذا الاحتمال ، كما لا  معنى له في المفردات ، بل ما يلزم فيه وفي المفردات في صورة عدم المطابقة ليس إلاّ خلاف الالتزام والتعهّد ، لا الكذب إذا علم المتكلّم بالحال ، وهكذا في صورة عدم معلوميّة المطابقة ، وعدمها ليس إلاّ احتمال خلاف الالتزام والتعهّد بالنسبة إلى مدلول الخبر ومفرداته ، لا احتمال الصدق والكذب .

            ومن ذلك ظهر أنّ مدلول الجمل الإنشائيّة ليس إنشاء معانيها في الخارج ، كما في الكفاية ، ولا جعل المكلّف في الكلفة ، كما أفاده شيخنا الاُستاذ ، ولا إنشاء البعث والزجر ، كما أفاده بعض مشايخناقدس سره ، ولا الإلزام بالفعل أو الترك ، كما عن غيرهم ، بل هذه عناوين تُنتزع من إظهار المولى شوقه وما في نفسه بلفظ أو إشارة أو كتابة أو غير ذلك ممّا يكون مبرزاً لما في النفس من شوق أو غيره ، فالبعث ينتزع باعتبار أنّ المولى يوجّه عبده نحو المراد ، وعنوان التكليف ينتزع بلحاظ إيقاعه وجعله في الكلفة ، والإلزام باعتبار جعل المأمور به لازماً عليه وعلى عهدته ، وهكذا سائر العناوين كلٌّ ينتزع عنه باعتبار ، وشيء من ذلك لا ربط له بمدلول الأمر ، بل مدلوله كما عرفت هو إبراز المولى شوقه بفعل لعبده بمبرز وهو صيغة «تعال» تارة ، والإشارة اُخرى ، والكتابة ثالثة ، وهكذا ، إذ ذلك مقتضى تعهّد الواضع بأنّ متى ما اشتقت إلى مجيئك إيّاي جعلت مبرزه ومعرّفه هذا اللفظ ، وليس لمدلوله خارج حتى يحتمل مطابقته له أو عدمها ، كما في الخبر ، كما أنّه ليس لتحريك اليد مقام قول المتكلّم : «تعال» خارج ولا واقع يطابقه ، وهذا واضح جدّاً» .