akdak

المقالات

القسم الولائي

من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره

361

---------

وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام ، أوصى ولده الحسن ، فقال : «يا بني ، احرزحظك من الأدب وفرغ له قلبك ، فإنه أعظم من أن تخالطه (1) دنس ، واعلم أنك إن أعوزت غنيت به ، وإن اغتربت كان لك الصاحب الذي لاوحشة معه ، الأدب هو لقاح العقل ، وذكاء القلب ، وزينة اللسان ، ودليل الرجل على مكارم الأخلاق ، وما الإنسان لولا الأدب إلا بهيمة مهملة، للّه درّ الأدب ! إنه يسود غير السيد، فاطلبه واكسبه تكتسب القدروالمال ، من طلبه صال به ، ومن تركه صيل عليه ، يلزمه اللّه السعداء، ويحرمه الأشقياء، والدنيا طوران : فمنهما لك ، ومنهما عليك ، فما كان منهما لك أتاك على ضعفك ، وما كان منهما عليك لم تدفعه بقوتك ».
وقال عليه السلام : « قيمة كل امرىء ما يحسن ، والناس أبناء ما يحسنون ».
وقال عليه السلام : «المرء مخبوء تحت لسانه ».
وقال عليه السلام : «العلم وراثة مستفادة، ورأس العلم الرفق ، وآفته الخرق ، والجاهل صغير وإن كان شيخاً ، والعالم كبير وإن كان حدثاً ، والأدب يغني عن الحسب ، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالهيبة والوقار، والعلم مع الصغركالنقش في الحجر، وزلّة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق ، والآداب تلقيح الأفهام ومفتاح (2) الأذهان » .
وقال : «وتحزم ، فإذا استوضحت فاعزم ، ولوسكت من لا يعلم سقط الإختلاف ، ومن جالس العلماء وقّر، ومن خالط الأنذال حقّر، لاتحتقرن عبداَ اتاه اللّه الحكمة والعلم ، فإن اللّه تعالى لم يحقّره حيث اتاه إيّاه ، والمودة أَشبك الأنساب ، لاتسترذلنّ حسب ذي العلم فإن اللّه تعالى لم يحقره حيث اتاه أشرف الأحساب ، ولا كنزأنفع من العالم ، ولا قرح سوء شرّ من الجهل ، والعلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والعلم يزكوعلى الانفاق ، والمال (تنقصه النفقة)(3)، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، فعليكم بطلب العلم ، فإن طلبه فريضة، وهو صلة بين الإخوان ، ودال على المروّة، وتحفة في المجالس ،
صاحب في السفر، واُنس في الغربة، ومن عرف الحكمة لم يصبرعن الازدياد منها، والشريف من شرَّفه علمه ، والرفيع من رفعته الطاعة، والعزيزمن أعزته التقوى»(4).
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه واله : «لا قول إلاّ بعمل ، ولا قول ولاعمل إلاّ بنيّة، ولا قول وعمل ونية إلاّ بإصابة السنة».
وما نقلته من نهج البلاغة تصنيف السيد الرضي الموسوي رضي اللّه عنه .
قال : كميل بن زياد: أخذ بيدي أميرالمؤمنين عليه السلام فأخرجني إلى الجبانة(5)، فلما أصحرتنفس الصُّعَداء، ثم قال : «يا كميل ، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك ، الناس ثلاثة: عالم رباني ، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنورالعلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق .
يا كميل ، العلم خيرمن المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكوعلى الانفاق ، وصنيع المال يزول بزواله .
يا كميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به ، ويكسب صاحبه الطاعة في حال حياته ، وحسن الأحدوثة بعد وفاته ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، هلك خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة .
ها! إن هاهنا علماً جمّاً، لوأصيب له حملة- وأشارإلى صدره - بلى أصيب له لقناً غيرمأمون عليه ، مستعملاً الة ألدين للدنيا، ومستظهراً بنعم اللّه على عباده ، وبحججه على أوليائه ، أو منقادأَ(6) لحملة الحق ، لابصيرة له في أحنائه (7)، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة،ألا لا ذا ولا ذاك ! أومنهوماً باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرماً بالجمع والإدّخار، ليسا من رعاة الدين في شيء ،أقرب شيء
شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه .
اللهم بلى، لاتخلوالأرض من حجة قائم للّه بحجته ، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو .خائفاً مغموراً كي لاتبطل حجج اللّه وبيّناته ، وكم ذا وأين اولئك !؟ اولئك - واللّه - الأقلّون عدداً، والأعظمون [عندالله ](8) قدراً، يحفظ الله حججه وبيّناته بهم حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشر روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى ، اُولئك خلفاء اللّه في أرضه ، والدعاة إلى دينه سراً وجهرا ، آه آه ! شوقاً إلى رؤيتهم »(9)
وقال أيضا لكميل بن زياد: «تبذل ولا تشهر، ووار شخصك ولا تذكر، وتعلّم واعمل ، واسكت تسلم ، تسرّ الأبرار، وتغيض الفجار فلا عليك إذا علّمك الله معالم دينه ، ألاّ تعرف الناس ولا يعرفوك ».
** وبعد فقد جمع اللّه - جل جلاله - معاني ماقلناه وزيادة في كتابه العزيز، بقوله سبحانه : (هل يستوى الذين يعلمون والذين لايعلمون )(10) .
وفي قوله تعالى:( انّما يخشى اللهّ من عباده العلماءُ)(11).
وفي قوله : ( كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) (12).
وفي قوله : (شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم) (13) فقرن شهادته بشهادتهم وشهادة ملائكته ، وهذا يدل على عظيم منزلتهم ، ورفيع مكانتهم ، وعلو درجتهم .
وقال سبحانه : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )
وقال سبحانه وتعالى، حكاية عن يوسف عليه السلام : ( ذلكما مما علمني ربي)(14).
وقال : ( ففهمناها سليمان)(15).
وقال تعالى : ( وعلّم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين)(16) فرفعه عليهم بفضيلة العلم ، وأسجدهم له .
وقال سبحانه : ( قال الذي عنده علم من الكتاب)(17).
وقال تعالى : ( كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)(18) في كل ذلك يستشهد أهل العلم ، لايشيرإلا اليهم ، ولايعتد إلا بهم ، وكفى بذلك فضيلة وفضلاً بالعلم وأهله .
ولقد أحسن الخليل بن أحمد - رحمه اللّه - في قوله لولده : يا بني ، تعلّم العلم ، فإنه يقوّمك ويسددك صغيراً ويقدمك ويسودك كبيراً .
وقال الصادق عليه السلام لأصحابه : «احسنوا النظرفيما لايسعكم جهله ، وانصحوا لأنفسكم أ فيما لأيسعكم جهله ، ومعرفة مالا عذر لكم في تركه ، فإن للدين أركاناً لاينفع من جهلها شدة اجتهاده في ظاهرعبادته ، ولايضرمن عرفها فدان بها حسن اقتصاده» .
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام : «العاقل يعمل بالدرايات ، والجاهل يعمل بالروايات » .
وقال عليه السلام : « كونوا درّائين ، ولا تكونوا روّائين» .
وقال عليه السلا م: «همة العاقل الدراية، وهمة الجاهل الرواية» .
ولقد صدق - صلى اللّه عليه - فإن الدراية هي العلم القطعي الذي تبرأ به الذمة على اليقين به ، وصاحب الرواية على خطر، لإقدامه على أمر لم يعرف صحة الدليل على العمل به أو الترك له ، ومن هاهنا امتنع كثيرمن أصحابنا- رحمهم اللّه - عن العمل بالخبرالواحد، المتجرّد من قرينة تعضده .
وقد أشارمولانا الصادق عليه السلام إلى العمل على اليقين، والحث على العلم ، المقطوع به في المعارف الدينية، عقيب ذكره المعارف العقلية، بقوله عليه السلام : «وجدت علم الناس في أربع : أحدها : أن تعرف ربك ، والثاني : ان تعرف ما أراد منك ، والثالث: أن تعرف ما صنع بك ، والرابع : أن تعرف ما يخرجك من دينك»(19).
** وقيل لبعض الحكماء(20) : العلم أفضل أو المال ؟ فقال : العلم ، فقيل له : فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء، ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء؟ فقال : ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال ، وجهل الأغنياء بفضل العالم (21) .
ولقد أحسن الشاعرفي قوله :
العلم زين وتشريف لصاحبهِ * فاطلب - هديتَ - فنون العلم والادبا
لاخير فيمن له أصلٌ بلا أدب * حتى يكونَ على من زانه حدبا
كم من نجيب (22)أخي غيٍّ وطمطمةٍ(23) * فدمٍ (24) لدى القوم معروفٍ إذا انتسبا
وخاملٍ مقرفِ الآباءِ ذي أدبٍ * نال المعالي به والمالَ والنشبا
المقرف : الذي تكون اُمه كريمة وأبوه غيركريم .
ياطالب العلم نعم الشيء تطلبه * لا تعدلنَّ به ورقا ولاذهبا
فالعلم كنز وذخرلانفاد له * نعم القرين إذاما عاقلاً صحبا(25)
وروي عن لقمان أنه قال :
العلم زينٌ والسكوت سلامة * فإذا نطقَت فلا تكن مكثارا
ما إن ندمت على سكوت مرةً * ولقدندمتُ على الكلامِ مرارا
وقال آخر:
تَعَلَّمْ فليس المرءُ خلق عالماً * وليس أخوعلم كمن هوجاهلُ
وان عزيزَالقوم لاعلمَ عندَهُ * ذليلٌ إذا انضمت عليه المحافل
و قال آخر:
لاتيأسَنَّ اذا ما كنتَ ذا أدب * على خمولك أَن ترقى إلى الفلك
بينا ترى الذهبَ الابريز مُطَّرحَاً * في الترب إذ صار إكليلاً على الملك
نعود إلى ذكر النثر من القول ، في مدح العَلم وأهله ، وذم من لم يتعلم لله تعالى، ولم يقم فيه بما يجب عليه .
روى الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه - رحمه اللّه تعالى - في كتاب الخصال في باب الثلاثة قال :
قال أمير المؤمنين عليه السلام : «طلبة العلم على ثلاثة أصناف ، ألا فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم :
فصنف منهم يتعلمون للمراء والجهل ، وصنف منهم يتعلمون للإستطالة والختل ، وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل ، فصاحب المراء والجهل ، تراه مؤذياً ممارياً للرجال في أندية المقال ، قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع ، فدق الله من هذا حيزومه ، وقطع منه خيشومه .
وصاحب الإستطالة والختل ، [فإنه ] (26) يستطيل به على أمثاله من أشكاله، و يتواضع للأغنياء من دونهم ، فهو لحلوائهم هاضم ، ولدينه حاطم ، فأعمى اللّه من هذا بصره ، وقطع من اثارالعلماء أثره .
وأما صاحب الفقه والعقل ، فإنك تراه ذا كآبة وحزن ، قد قام الليل في حندسه ، وانحنى في برنسه ، يعمل ويخشى، خائفاً وجلاً من كل أحد إلا من كل ثقة من إخوانه ، فشدّ اللّه من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه»(27).
ومن كتاب الكراجكي :عن سليم بن قيس الهلالي ،عن علي ، عن النبي - صلى الله عليهما وآلهما- قال : «العلماء رجلان : رجل عالم أخذ بعلمه فهوناج ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك ، وان أشد أهل النارندامة وحسرة، رجل دعا عبداً الى اللّه - سبحانه - فاستجاب له وقبل منه ، فأطاع اللّه فأدخله اللّه الجنة، وأدخل الداعي النار، بتركه علمه ، واتباع الهوى، وطول الأمل ، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ، وطول الأمل يُنسي الآخرة»(28).وقال عليه السلام: «منهومان لايشبعان : طالب دنيا، وطالب علم ، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم ، ومن تناولها من غيرحلها هلك ، إلا أن يتوب ويراجع ، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه »(29).
وقال عليه السلام : (الفقهاء اُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل : يا رسول اللّه ما دخولهم فيها؟ قال : اتباع السلطان ، فإذا فعلوا ذلك ، فاحذروهم على دينكم »(30).
وعن أبي جعفرمحمد بن علي عليه السلام قال : «من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه ، فليتبوأ مقعده من النار، وان الرئاسة لاتصلح إلا لأهلها»(31).وعن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : «إن أحبكم إلى اللّه تعالى أحسنكم عملآَ، وإن اعظمكم عنداللّه عملاً أعظمكم فيما عنداللّه رغبة، وإن أنجاكم من عذاب اللّه أشدكم خشية، وإن أقربكم من اللّه جل ذكره أوسعكم خلقاً، وإن أرضاكم عندالله أشبعكم لعياله ، وإن أكرمكم عند اللّه أتقاكم»(32) .
وعن أبي عبداللّه الصادق عليه السلام قال : «ثلاث من كن فيه فلا يُرجى خيره ، من لم يستح من (33)العيب ، ولم يخش اللّه في الغيب ، ولم يرعو عند الشيب»(34).
وروى الشيخ ورام - رحمه اللّه - في مجموعه عن النبي صلى اللّه عليه واله : «يكون في اخر الزمان علماء، يُرغبون الناس في الاخرة ولا يَرغبون ، و يُزَهِّدُون
الناسَ في الدنيا ولا يَزهدون ، وينهون الناس عن الدخول إلى الولاة ولا ينتهون ، يقربون الأغنياء، ويباعدون الفقراء، اُولئك الجبارون أعداء اللّه»(35) .
وحيث قد ذكرنا فضل العالم والعلم، وحال من لم يعمل بعلمه ، فينبغي أن نذكرحال المتعلم ، وما يجب أن يكون عليه من الصفات التي وصفها الائمة الصادقون عليهم الصلاة والسلام .
من كتاب الخصال لابن بابويه - رحمه اللّه تعالى - في باب ست (36) عشرة خصلة، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال : «إن من حق العالم : أن لاتكثر السؤال عليه ، ولا تسبقه بالجواب ، ولا تلح عليه إذا أعرض ، ولا تأخذ بثوبه إذا كسل ، ولا تشيرإليه بيدك ، ولا تغمزه بعينك ، ولا تساره في مجلسه ، ولا تطلب عوراته ، وألاّ تقول : قال فلان خلاف قولك ، ولا تفشي له سراً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تحفظه شاهداً وغائباً، وأن تعم القوم بالسلام وتخصه بالتحية، وتجلس بين يديه ، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى حاجته (37)، ولا تمل من طول صحبته ، فإنما هو مثل النخلة، فانتظر متى تسقط عليك منها منفعة . والعالم بمنزلة الصائم القائم المجاهد في سبيل اللّه ، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لاتسد إلى يوم القيامة، وإن طالب العلم يشيعه (38) سبعون ألف ملكاً من مقربي السماءْ» (39).
وقال علي عليه السلام لابن عباس (40): «إن حق معلمك عليك التعظيم له ، والتوقير لمجلسه ، وحسن الاستماع والإقبال عليه ، وأن لا ترفع صوتك عليه ، ولا تجيب أحداً يسأله حتى يكون هوالمجيب له ، ولا تحدث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تدفع عنه اذا ذكر بسوء ، وأن تسترعيوبه وتظهرمناقبه ، ولا تجالس له عدواً، ولا تعادي له ولياً، فإذا فعلت ذلك ، شهدت لك ملائكة اللّه بأنك قصدته وتعلمت علمه لله جل اسمه لاللناس».
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : «العالم العامل بغيرعلمه ، كالجاهل الحائر الذي لايستفيق من جهله ، بل الحجة عليه أعظم ، والحسرة له ألزم ، وهو عند اللّه ألوم»(41).
وقال عليه السلام : «من نصب نفسه للناس إماما، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، فإن معلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم»(42).
وروى جابر الأنصاري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : «لساعة من عالم يتكىء على فراشه ينظرفي علمه ، خيرمن عبادة العابد سبعين عاما».
وروى أنس بن مالك في فضل قراءة ( شهداللّه أنه لا إله إلاهو)(43) بما تضمنت من فضيلة العلم والعلماء.
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : «تعلموا العلم ، فإن تعليمه لله حسنة، ومدارسته تسبيح ، والبحكث عنه جهاد، وتعليمه من لايعلمه صدقة، وتذكره لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبيل الجنة، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والقربة عند الغرباء، فيرفع اللّه به أقواماً، فيجعلهم يقتدى بهم ، ويقتص بآثارهم ، وينتهى إلى رأيهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلاتهم تستغفرلهم ، كل رطب ويابس يستغفرلهم ، حتى حيتان البحار وهوامّها، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها.
ألا وان العلم حياة القلوب ، ونور الأبصار، وقوة الأبدان ، يبالغ بالعبد منازل الأحرار، ومجالس الملوك ، والذكرفيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، وبه يعرف الحلال والحرام ، وبه توصل الأرحام ، وهو امام العمل ، يلهمه اللّه السعداء، ويحرمه الأشقياء) .
وهذا الحديث - أيضاً- فيه زيادة عن الحديث الذي يروى عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، ولهذا كررناه .

وأوصى لقمان ابنه فقال

: يا بني ، تعلم العلم والحكمة تشرف ، فإن الحكمة تدل على الدين ، وتشرف العبد على الحر، وترفع المسكين على الغني ، وتقدم الصغيرعلى الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك ، وتزيد الشريف شرفاً، والسيد سؤدداً، والغني مجداً، وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمردينه ومعيشته بغير حكمة، ولن يهيىء اللّه عزوجل أمرالدنيا والاخرة إلا بالحكمة، ومثل الحكمة بغير طاعة، مثل الجسد بغيرنفس ، أومثل الصعيد بغيرماء، ولا صلاح للجسد بغيرنفس ، ولا للحكمة بغيرطاعة .
واعلم يا بني ، أن الدنيا بحرعميق ، وقد هلك فيه خلق كثير، فاجعل سفينتك فيه الإيمان باللّه ، وزادك إلتقوى، وشراعك التوكل على اللّه ، وسكانك الإخلاص له ، واعلم أنك إن نجوت فبرحمة اللّه ، وإن هلكت بنفسك .
واعلم يابني ، ان من حين نزلت من بطن أمك استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأصبحت بين دارين : دار تقرب منها ، ودار تباعد عنها ، فلاتجعلن همك إلاّعمارة دارك التي تقرب منها ويطول مقامك بها، فلها خلقت ، وبالسعي لها اُمرت ، ثم أطع اللّه بقدرحاجتك إليه ، واعصه بقدرصبرك على عذابه ، وإذا أردت أن تعصيه فاطلب موضعاً لايراك فيه ، وعليك بقبول الموعظة والعمل بها، فإنها عندالمؤمن أحلى من العسل الشهد، وعلى المنافق أثقل من صعود الدرجة على الشيخ الكبير.
واعلم يا بني ، أن الموت على المؤمن كنومة نامها، وبعثه كانتباهه منها فاقبل وصيتي هذه ، واجعلها نصب عينيك ، واللّه خليفتي عليك ، وهوحسبنا ونعم الوكيل .
وإياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد فرضاَ ولا حقاً، وإذا ضجرت لم تصبرعلى حق .
وروى صفوان في كتاب النوادر(44) يرفعه إلى أبي حمزة الثمالي ، عن علي ابن الحسين عليه السلام ، قال : «من صفة المسلم أن يخلط عمله بالعلم ، ويخلص ليعلم ، وينصب ليسلم ، وينطق ليفهم ، لايخون أمانته الأصدقاء، ولايكتم شهادته للأعداء، ولا يفعل شيئاً من الخير رياء ولايتركه حياء، ان زكّي خاف مما يقولون ، ويستغفراللّه مما لايعلمون ، لا يغره قول من جهله ، ويخشى إحصاء ما قد عمله ».
** ومن الكتاب أيضاً قال : قال علي بن الحسين عليه السلام : «الحمد لله الذي جعل العلم لنا مصباحا في ظلم الدجى، والحلم لنا وقاراً عند الجهالة، والقصد لنا هادياً عند حيرة الاُمور، والصبرلنا جنة عند نازلة الأمور».
ومن كتاب الخصال في ذم فاسق العلماء: عن البرقي أحمد بن أبي عبد اللّه ، يرفعه إلى أميرالمؤمنين عليه السلام ، قال : « قطع ظهري رجلان من الدنيا : رجل عليم اللسان فاسق ، ورجل جاهل القلب ناسك ، هذا يصد بلسانه (45) عن فسقه ، وهذا بنسكه عن جهالته ، فاتقوا الفاسق من العلماء، والجاهل من المتعبدين ، اُولئك فتنة كل مفتون ، فإني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله يقول : يا علي ، هلاك اُمتي على يد كل منافق عليم اللسان »(46).
ومن كتاب القلائد: روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال : «أيها الناس ، اعلموا أن كمال الدين ورأس الطاعة لله ، طلب العلم والعمل به ، ألا وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب الرزق ، لأن الرزق مقسوم مضمون لكم ، قسمه عادل بينكم وسَيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله وقد اُمرتم بطلبه من أهله ، فاطلبوه ».
ومن كلام لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام في الدعاء إلى معرفة حقه وبيان فضله ، وصفة العلماء، وما ينبغي لمتعلم العلم أن يكون عليه ، في خطبة له رواها الشيخ المفيد في كتاب (الارشاد) تركنا ذكر صدرها إلى قوله عليه السلام :
«والحمد لله الذي هدانا من الضلالة، وبصّرنا من العمى، ومنَّ علينا بالاسلام ، وجعل فينا النبوة، وجعلنا النجباء، وجعل أفراطنا أفراط الأنبياء، وجعلنا خير اُمة اُخرجت للناس : نأمر بالمعروف ، وننهى عن المنكر، ونعبد اللّه لانشرك به شيئاً، ولا نتخذ من دونه ولياً، فنحن شهداء اللّه والرسول شهيد علينا، نشفع فنشفّع فيمن شفعنا له ، وندعوفيستجاب دعاؤنا، ويغفرلمن نشفع (47) له ذنوبه ، أخلصنا لله فلم ندع من دونه ولياً. أيّها الناس ، تعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب .
أيّها الناس ، اني ابن عم نبيكم ، وأولاكم بالله ورسوله ، فاسألوني ثم اسألوني ، فكأنكم بالعلم قد تفقدونه (48)، انه لايهلك عالم إلا هلك معه بعض علمه ، وإنما العلماء في الناس كالبدرفي السماء يضيء (49) على سائرالكواكب ، خذوا من العلم ما بدا لكم ، واياكم أن تطلبوه لخصال أربع :لتباهوا به العلماء ، أوتماروا به السفهاء، أوتراؤا به في المجالس ، أو تصرفوا [به](50) وجوه الناس إليكم للترؤس ، لايستوي عندالله في العقوبة الذين يعلمون والذين لايعلمون ، نفعنا الله وإياكم بما علمنا، وجعله لوجهه خالصا، إنه سميع قريب (51)»(52).
وقال عليه السلام : «حسن الأدب ينوب عن الحسب »(53).
وقوله عليه السلام : «لاحياة إلاّ بالدين ، ولاموت إلا بجحود اليقين ، فاشربوا العذب الفرات ، ينبهكم من نومة السبات ، وإياكم والسمائم (54) المهلكات ».
يشيرعليه السلام إلى معرفة العلم اليقين ، ويحذرمن الإخلاد إلى الجاهلين .
وقال عليه السلام : «العاقل يعمل با لدرايات ، والجاهل يعمل بالروايات » .
وقال عليه الصلاة والسلام : «همة العاقل الدراية، وهمة الجاهل الرواية» .
وقال الصادق عليه السلام : « كونوا دَرّائين ، ولا تكونوا رَوّائين ، فلخبر تدريه ، خير من ألف خبر ترويه » .
وقال كميل بن زياد: قال لي مولانا أمير المؤمنين : «يا كميل بن زياد، تعلم العلم ، واعمل به ، وانشره في أهله ، يكتب لك أجرتعلّمه وعمله إن شاء الله تعالى».
وقد دل الله تعالى في كتابه العزيز- ذكرنا فيما تقدم منها - ونذكر الان ما يتيسر ذكره ، فمن ذلك :
قوله تعالى في قصة طالوت : ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم )(55) فجعل سبحانه سبب تفضيله العلم .
وقال سبحانه :(أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لايهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)(56) وهذا من أعظم دلائل فضل العلم رالعلماء العالمين بما علموا.
وقال أميرإلمؤمنين عليه السلام : «من عبدالله بغيرعلم كفرمن حيث لايعلم ، ألا وان الأدب حجة العقل ، والعلم حجة القلب ، والتلطّف مفتاح الرزق» .
وقال الصادق عليه السلام : «إن الشيطان ليطمع في عابر بغيرأدب ، أكثرمن طمعه في عالم بأدب ، فتأدبوا وإلأّ فأنتم أعراب » .
وقال الباقر عليه السلام : «صمت ألأديب عند الله أفضل من تسبيح الجاهل» .
وقال علي بن الحسين عليه السلام : «العلم دليل العمل ، والعمل وعاء الفهم ، والعقل قائد الخير، والهوى مركب المعاصي ، والدنيا سوق الآخرة، والنفس تاجر، والليل والنهار رأس المال ، والمكسب الجنة، والخسران النار» .
ومن كتاب الخصال : عن السكوني ، عن جعفربن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال : «العلم خزائن والمفاتيح ألسؤال ، فاسألوا - يرحمكم الله - فإنه يؤجر فيه (57) أربعة : السائل ، والمتكلم ، والمستمع ، والمحب لهم» (58).
ومن كتاب الخصال لابن بابويه رحمه الله : عن جعفربن محمد، عن أبيه ، عن ابائه ، عن علي عليه السلام قال : «إن في جهنم رحى تطحن(59)، أفلا تسألوني : ماطحنها؟ فقيل : وما طحنها يا أميرالمؤمنين ؟ قال : العلماء الفجرة، والقراء الفسقة، والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة، وإن في جهنم (60) لمدينة يقال لها: (الحصينة) أفلا تسألوني : ما فيها ؟ فقيل له : وما فيها يا أمير المؤمنين ؟ فقال : فيها أيدي .
الناكثين» (61) .
ومن كتاب الخصال : عن أبي عبداللهّ عليه السلام ، قال عليه السلام : «إن من العلماء من يحب أن يخزن علمه ولا يؤخذ عنه ، فذاك في الدرك الأول من النار.
ومن العلماء من إذا وُعظ انف وإذا وَعظ عنف ، فذاك في الدرك الثّاني من النار.
ومن العلماء من يرى أن يضع علمه عند ذوي الثروة والشرف ولا يرى له في المساكين وضعاً فذاك في الدرك الثالث من النار.
ومن العلماء من يذهب في علمه مذهب الجبابرة والسلاطين ، فإن ردّ عليه شيء من قوله ، أوقصرفي شيء من أمره غضب ، فذاك في الدرك الرابع من النار.
ومن العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى، ليعزبه دينه ويكثربه حديثه ، فذاك في الدرك الخامس من النار.
ومن العلماء من يضع نفسه للفتيا ويقول : سلوني ، ولعله لايصيب حرفاَ واحداً، والله لايحب المتكلفين ، فذاك في الدرك السادس من النار.
ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة وعقلاَ، فذاك في الدرك السابع من النار» (62) .
يقول العبد الفقير إلى رحمة الله وعفوه ، الحسن بن علي بن محمد بن الديلمي ، تغمده الله برحمته ومسامحته وغفرانه - جامع هذا المجموع -: إن من العلماء أيضاً من يعنف بالمتعلم ، ويثقل عليه ، ويحمله من التكاليف ما يشق عليه في أول امره ، وإنما ينبغي أن يأخذه استدراجاً وتلطفاً، ويخاطبه على قدرعقله وبصيرته ، ويحمله ما يسعه وعاؤه ، فما تستوي أخلاق الناس ولا بصائرهم ، فقد يعطى زيد مالم يعط عمرومن الفهم والذكاء والوعاية، فمتى حمل الضعيف حمل القوي ، حمله ذلك على الترك والاهمال ، لأن لكل انسان حالاً يؤخذبها ، ويخاطب على قدرها .
فقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : «إن الله - تبارك وتعالى - وضع الاسلام على سبعة أسهم: على الصبر، والصدق ، واليقين ، والرضا ، والوفاء ، والعلم ،
والحلم ، ثم قسم ذلك بين الناس ، فمن (63) اجتمعت له هذه السبعة أسهم فهو كامل الايمان محتمل .
** ثم قسم لبعض الناس سهماً ولبعض سهمين (64) ولبعض السبعة اسهم ، فلا تُحَمِّلوا صاحب السهم سهمين ، ولاصاحب السهمين ثلاثة(65)، ولا صاحب الستة سبعة، فيشق ذلك عليهم ويثقل وتنفرونهم ، ولكن ترفقوا بهم ، وسهلوا لهم المدخل .
وسأضرب لكم مثلاً تعتبروا به ، انه كان رجل مسلماً وكان له جاركافر، وكان الكافر يرفق بالمسلم ويحسن إليه ، فأحب له المسلم إلايمان ،.
ولم يزل يزينه له ويرغبه فيه حتى أسلم ، فأخذه المؤمن وذهب به إلى المسجد فصلى ، معه الفجر، فقال له : لوقعدنا نذكر الله حتى تطلع الشمس ؟ فقعد معه ، فقال : لوتعلمت القرآن إلى أن تزول الشمس ، وصمت اليوم كان أفضل ؟ فقعد معه وصام ، حتى صلى الظهروالعصر، فقال : لوصبرت حتى نصلي المغرب والعشاء الاخرة؟ ثم نهضا وقد بلغ مجهوده ، وكاد يتلف مما ضيق وثقل عليه .
فلما كان من الغد جاءه فدَقّ عليه الباب ، ثم قال له : اخرج حتى نمضي [إلى](66) المسجد، فأجابه : أن انصرف ، فإن هذا دين شديد لا أطيقه .
فلا تخرقوا(67) بهم ، أماعلمتم أن امارة بني امية كانت بالسيف والعنف (68) والجور، وأن إمامتنا بالرفق والتألف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والإجتهاد ، فرغّبوا الناس في دينكم وما أنتم فيه».
هذا اخركلامه عليه السلام ، ذكره عنه - مرفوعا- ابن بابويه في كتاب الخصال (69) .
وقال عليه السلام للحارث الهمداني - في وصيته له - «وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلاّ ما كان مكتوباً عليك من الفريضة، فإنه لابد من قضائها، وتعاهدها عند محلها».
وقال الحسن بن علي العسكري عليه السلام : «إن للقلوب إقبالاً وادباراً، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، واذا ادبرت فاقصروها علم ، الفرائض » .
ولقد صدق عليه السلام ونصح ، فإن القلوب إن لم تنشط وتقبل على العلوم والعبادات لم يبالغ منها المراد، ولهذا ذم الله تعالى المنافقين بقوله تعالى : (ولايأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون)(70).
وقال تعالى في موضع اخر:(وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤُن الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)(71) فذم سبحانه وتعالى الكسل عند العبادة، والتردد بين أن يفعل وأن لايفعل ، فلم يبق أن يكون المراد إلاّ أن يقبل العبد بقلبه وجوارحه وعمله الخالص على ربه سبحانه ، فيقبل حينئذ عليه ويعطيه سؤله ومراده .
فصل: وإذا كان من العلماء قراء القرآن المجيد- بل من خيارهم - فلنذكر حالهم وصفاتهم ، مضافاً إلى فضل قراءته ، والتَمسك به عند اختلاف الناس .
روى الشيخ الفقيه أبوالفتح الكراجكي رحمه الله في كتابه (كنزالفوائد) مرفوعاً إلى الحارث الأعور قال : دخلت على أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ألا ترى الناس قد وقعوا إلى الاحاديث !
قال : «وقد فعلوها».
قلت : نعم .
قال : «اما أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه واله يقول : سيكون بعدي فتنة، قلت فما المخرج منها يا رسول الله صلى الله [عليك ](72)؟ قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما كان قبلكم ، وخبرما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هوالفصل ليس بالهزل ، ما تركه من جبار إلاّ قصمه الله ، ومن ابتغى الهدىَ من غيره أضلّه الله تعالى، وهوحبل الله المتين ،
وهو لذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يشبع منه العلماء، ولايخلق (73) عن [كثرة](74)الرد، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي لم يثنه الجن حين سمعته ان قالوا(إنا سمعنا قرآناعجباً * يهدي إلى الرشد)(75) من قال، به صدق ، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».
وروي عن رسول الله صلّى الله عليه واله أنه قال : «ألا اُخبركم بالفقيه كل الفقيه ؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال : إن الفقيه كل الفقيه ، الذي لايؤيس ، الناس من روح الله ، ولا يؤمنهم مكر الله ، ولا يقنطهم من رحمة الله ، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه ، ألا لاخير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خيرفي عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهم»(76).
وروى عنه عليه الصلاة والسلام وعلى آله أنه قال في قول الله تعالى(كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب)(77) قال: «حقاً على من يقرأ القرآن أن يكون فقهياً».
وقال : «أهل القرآن ، أهل الله وخاصته».
وقال عليه السلام : « تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وافشوه ، فوالذي نفس محمد بيده لهوأشد تفلتاً من المخاض (78) من عقله».
وقال : «من سره أن يتمتع ببصره في الدنيا، فليكثرمن النظرفي المصحف».
وقال : «مثل المؤمن الذي يقرأ القران كمثل الاترجة، التي ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لايقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر-الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لايقرأ القران كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها».
وروي عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال : «انصتوا إلى ذكرالله، فإنه
أحسن الحديث ، واقتدوا بهدي نبيكم ، فإنه أفضل الهديَ ، وأستنّوا بسنّته ، فإنها أفضل السنن، وتعلموا كتاب الله ، واستضيئوا بنوره ، فإنّه أشفى لما في الصدور، واسمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون».
وجاء في الحديث عن محمد بن علي الباقرعليهما السلام أنه قال : «قراء ألقرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن ، فاتخذه بضاعة، واستدربه الملوك ، واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن ،فحفظ حروفه وضيع حدوده ، وأقامه مقام القدح ، فلا كثر الله هؤلاء من حملة القرآن . ورجل قرأ القران ، فوضع دواء القرآن على داء قلبه، فسهر ليله ، وظمىء به نهاره ، وقام به في مساجده ، وتجافى به عن فراشه ، فذاك من الذين يدفع العزيز الجبار بلاءهم، ويزيل أعداءهم ، وأولئك ينزل الله عزوجل الغيث عليهم من سمائه .
ثم قال : إذا قرأتم القرآن فبيّنوه تبياناَ، ولا تهذوه هذّاً كهذّ(79) الشعر، ولا تنثروه نثر الرمل، ولكن افرغوا له القلوب القاسية . ولا يكن همّ أحد كَم آخرالسورة، واقرؤوه بألحان العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الكبائر، واعربوا به فإنه عربي ولا تقرؤوه هذرمة، وإذا مررتم بآية فيها ذكرالجنة، فقفوا عندها واسألوا الله الجنة، وإذا مررتم بآية فيها لا ذكر النار، فقفوا عندها وتعوذوا بالله من النار، وحسنوه بأصواتكم ، فإن الله تعالى أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام : إذا وقفت بين يديًٌ فقف موقف الذليل الفقير، وإذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين .
ولقد كان علي بن الحسين عليهما السلام يقرأ القرآن فربما مرعليه المار فيصعق من حسن صوته .
واقرؤوه في المصحف ، فإنه من قرأه في المصحف متع ببصره ، وخفف عن والديه وأنه ليعجبني في أن يكون في البيت مصحف ، وأن البقعة التي يقرأ فيها القرآن ويذكرالله تعالى فيها ، تكثر بركتها ، وتحضرها الملائكة، ويهجرها الشيطان ، وتضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض ، وأن البيت الذي لايقرأ فيه القرآن ولا يذكرفيه الله تعالى، تقل بركته ، وتهجره الملائكة، ويحضره الشيطان . ومن قرأ القران وهوشاب مؤمن ، اختلط القرآن بلحمه ودمه ، وجعله الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيرا(80) عنه يوم القيامة» .
وقال عليه السلام «لقارئ القرآن بكلّ َ حرف يقرؤوه في الصلاة قائماً مائةَ حسنة، وقاعداً خمسون حسنة، ومتطهراً في غير الصلاة خمس وعشرين حسنة ، وغير متطهر عشر حسنات أما أني لا أقول المر[حرف] (81) بل له بالألف عشر، وباللام عشر، وبالميم عشر، وبالراء عشر».
وقال عليه السلام : «قراءة القرآن أفضل من والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصيام، والصوم جنة من النار» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «فإذا التبست عليكم الامور كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن ، فإنه شافع مشفع ، وشاهد مصدق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل ، إلى خير سبيل ، من قال به صدق ، وْمن عمل به وفق ، ومن حكم به عدل ، ومن أخذ به أجر».