المقالات
قسم الفكر الاسلامي
باب صفة المؤمن
من كتاب المجالس للبرقي : عن عبد الله بن يونس(1)، عن أبي عبدالله
عليه السلام قال : «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : وقور في
الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه اللهّ،
لايظلم الأعداء، ولا يتحامل للاصدقاء، بدنه منه في نصب ، والناس منه
في راحة، إن العلم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والصبر أمير جنوده
، والرفق أخوه ، واللين والده » (2).
وعن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال :
«المؤمن يصمت ليسلم ، وينطق ليعلم ،(3) لايحدث أمانته الأصدقاء، ولا
يكتم شهادته من البعداء، ولا يعمل شيئاً من الخير رياءً، ولا يتركه
حياءً، إن زكي خاف مما يقولون ، ويستغفر الله مما لايعلمون ، لايغره
قول من جهله ، ويخاف إحصاء ما عمله »(4) .
وعن أحمد بن خالد، عن بعض من رفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام ،
قال : «المؤمن له قوة في دين ، وحزم في لين ، وإيمان في يقين ، وحرص
في فقه ، ونشاط في هدى، وبرّ في استقامة، وعلم في حلم ، وكيس في رفق
، وسخاء في حق ، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وعفوفي قدرة، وطاعة
لله في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة
في شغل ، وصبرفي شدة، وفي الهزاهز وقور، وفي المكاره صبور، وفي
الرخاء شكور، لايغتاب ، ولا يتكبر، ولا يقطع الرحم ، وليس بواهن ،
ولا فظ ولاغليظ ، ولايسبقه بصره ، ولا يفضحه بطنه ، ولا يغلبه فرجه
، ولا يحسد الناس ، ولا يغمز، ولا يعير، ولا يسرف ، ينصر المظلوم ،
ويرم (5) المسكين ، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب
في عز الدنيا، ولايجزع من ذلها، للناس همّ قد أقبلوا عليه ، وله همّ
قد شغله ، لايُرى في حلمه (6)نقص ، ولا في رأيه وهن ، ولا في دينه
ضياع ، يرشد من استرشده ، وينصح من استشاره ، ويساعد من يساعده ،
ويكيع (7) عن الخنا والجهل »(8) .
عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس ، قال
أبوعبدالله عليه السلام : «من سرته حسنته ، وساءته سيئته ، فهو مؤمن
»(9).
وعن أبي البختري رفعه ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : «المؤمنون
هينون لينون ، كالجمل الألوف ، إذاقيد انقاد(10) وإن اُنيخ (11)
استناخ »(12).
وبهذا الإسناد عن رسول اللهّ صلى الله عليه وآله قال : «المؤمن كمثل
شجرة لاينحات ورقها في شتاء ولاصيف ، قالوا: يا رسول الله ، وماهي ؟
قال : النخلة»(13).
وعن إبراهيم العجمي ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله عليه السلام
قال : «المؤمن حليم لايجهل ، وإن جهل عليه يحلم ، ولا يظلم ، وإن
ظُلِم غفر، ولا يبخل ، وإن بُخل عليه صبر»(14).
وعن أبي الحسن اللؤلؤي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : «المؤمن
من طاب كسبه ، وحسنت خليقته ، وصحت سريرته ،وأنفق الفضل من ماله ،
وأمسك الفضل من قوله ، وكفى الناس شره ، وأنصف الناس من نفسه
»(15).
وعن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «قال رسول اللهّ
صلى الله عليه وآله : ألا اُنبئكم بالمؤمن ؟ المؤمن من ائتمنه الناس
على أنفسهم وأموالهم . ألا اُنبئكم بالمسلم ؟ المسلم من سلم الناس
من يده ، والمهاجر من هجر السيئات ، وترك ما حرم الله ، والمؤمن
حرام على المؤمن أن يظلمه ، أو يخذله ، أو يغتابه ، أو يدفعه عن
حقه» (16).
وعن عبدالله بن سنان ، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام
قال : «صلى أمير المؤمنين عليه السلام بالناس الصبح بالعراق ، ثم
انصرف فوعظهم ، فبكى وأبكى من خوف الله تعالى، ثم قال : أما والله ،
لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى اللهّ عليه واله ،
وأنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً، بين أعينهم كركب المعزى،
يبيتون لربهم سجداً وقياماً يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون
ربهم ، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع هذا وهم
خائفون وجلون مشفقون »(17).
وعن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : «صلى
أميرالمؤمنين الفجر، ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قدر رمح
، وأقبل على الناس بوجهه فقال : والله لقد أدركت أقواماً يبيتون
لربهم سجداً وقياماَ، يخالفون بين جباههم وركبهم ، كأنّ زفير النار
في اذانهم ، إذا ذكرالله تعالى عندهم مادوا كما تميد الشجر، كأن
القوم باتوا غافلين . ثم قام فما رؤي ضاحكاً حتى قضى نحبه صلى اللهّ
عليه وآله »(18).
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : «لايؤمن رجل فيه الشح والحسد
والجبن ، ولايكون المؤمن جباناً ولاحريصاً ولاشحيحاً»(19).
وقال عليه السلام : «لايكون المؤمن مؤمناً، حتى تكون فيه ثلاث خصال
: سنة من ربه ، وسنة من نبيه ، وسنة من إمامه ، فأما الذي من ربه
فكتمان (20) سره ، قال اللهّ عزوجل :( فلا يظهر على غيبه أحداً إلا
من ارتضى من رسول)(21) وأما سنة نبيه فمداراة الناس ، قال الله
تعالى: ( خذ العفو واْمُربالعرف واعرض عن الجاهلين)(22) وأما السنة
من
إمامه فالصبر (23) في البأساء والضراء وحين البأس » (24).
وقال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام: أخبرنا عن الأخوان. قال: «
الإخوان صنفان: إخوان الثقة وأخوان المكاشرة (25)، فأما أخوان
الثقة، فهم الكف والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على أحد
الثقة ، فابذل له مالك وبدنك، وصاف من صافاه، وعاد من عاداه، واكتم
سره وعيبه، واظهر منه الحسن، واعلم ـ أيها السائل ـ انهم أقل من
الكبريت الأحمر.
وأما إخوان المكاشرة، فأنك تصيب منهم لذتك، فلا تقطعن ذلك منهم،
ولاتطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة
الوجه وحلاوة اللسان » (26).
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: « اذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك
ووجل قلبك، فدونك دونك، فقد قصدت قصدك»(27) .
وعن عمرو بن أبي المقدام، عن ابيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: شيعتنا المتباذلون في ولايتنا،
المتحابون (28) في مودتنا، المتزاورون في أحياء أمرنا، إن غضبوا لم
يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا بركة على من جاوروا وسلم لمن خالطوا
»(29).
وعن عيسى بن النهريري، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قال رسول
الله صلى الله عليه وآله: من عرف الله وعظمته، منع فاه من الكلام،
وبطنه من الطعام، وعزّ (30) نفسه بالصيام والقيام. فقالوا: بآبائنا
وامهاتنا أنت يارسول الله [هؤلاء أولياء الله؟] (31) فقال:
إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً، ونظروا فكان نظرهم عبرة،
ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لولا
الاجال التي كتبت لهم ، لم تقرَّ أرواحهم في أجسادهم ، خوفاً من
العذاب ، وشوقا إلى الثواب »(32).
وعنه يرفعه قال : خطب الحسن بن علي عليهما السلام فقال : «أيها
الناس ، أنا اُخبركم عن أخ كان لي ، وكان من أعظم الناس في عيني ،
وكان رأس ما عظم به في عيني ، صغر الدنيا في عينه ، وكان خارجاً عن
سلطان الجهالة، فلا يمد يده إلاّ على ثقة، وكان لايَتَشَهّى ولا
يَسخط ولا يَتَبَرَّمُ وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا قال بذّ
القائلين ونقع غليل السائلين ، وكان لايدخل في مراء، ولا يشارك في
دعوى، ولا يدلي بحجة حتى يأتي قاضياً، وكان لايغفل عن إخوانه ،
ولايخص نفسه بشيء دونهم ، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جاء الجد كان
ليثاً عادياً، وكان لايلوم أحداً فيما يقع العذر في مثله حتى يرى
اعتذاره ، وكان يقول ما يفعل ، ولا يقول مالا يفعل ، وكان إذا
اعتراه أمران ، نظر أيّهما كان أقرب إلى الهوى فخالفه ، وكان لايشكو
وجعاً إلا عند من يرجو عنده البرء، وكان لايستشير إلاّ عند من
يرجوعنده النصيحة، وكان لايتبرم ولا يتسخط ، ولا يتشكى، ولا يتشهى،
ولا ينتقم ، ولا يغفل عن العدو. فعليكم بهذه الخلائق الكريمة إن
اطقتموها، وإن لم تطيقوها كلها، فأخذ القليل خيرمن ترك الكثير،
ولاحول ولاقوة إلاّ بالله »(33).
وعن مهزم الاسدي قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : «شيعتنا من
لايعدو صوته سمعه ، ولا شحناؤه بدنه ، ولا يتمدح بنا معلناً ولا
يجالس لنا عائباَ، ولا يخاصم لنا قالياً ، إن لقي مؤمناً أكرمه ،
وإن لقي جاهلاً هجره ».
فقلت : جعلت فداك ، فكيف أصنع بهؤلاء المشبهة؟
قال : «فيهم (34) التمييز، وفيهم (35) التبديل ، وفيهم التمحيص ،
تأتي عليهم سنون تفنيهم ، وطاعون يقتلهم ، واختلاف يبددهم ، شيعتنا
[من](36) لايهر هريرالكلاب ، ولا يطمع طمع الغراب ، ولايسأل عدونا
وان مات جوعا» .
قلت :[جعلت](37) فداك ، فأين أطلب هؤلاء؟
قال : «في أطراف الأرض ، اُولئك الخفيض عيشهم ، المنتّقلة ديارهم ،
إن شهدوا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا، ومن الموت لايجزعون ،
وفي قبورهم يتزاورون ، وإن لجأ إليهم ذو حاجة رحموه ، لن (38) تختلف
قلوبهم وإن اختلفت بهم الدار».
ثم قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا المدينة وعلي
الباب ، وكذب من زعم أنه يدخل المدينة إلاّ من قبل الباب ، وكذب من
زعم أنه يحبني ويبغض علياً»(39).
وعن سماعة بن مهران قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : «قال (40)
رسول اللهّ صلى الله عليه واله : من عامل الناس فلم يظلمهم ،
وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، كان ممن حرمت غيبته ،
وكملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت اُخوته »(41).
وعن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : «قال
رسول الله صلى الله عليه وآله : ثلاث خصال من كن فيه استكمل الإيمان
: الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، واذا غضب لم يخرجه الغضب من
الحق ، وإذا قدر لم يتعاط ماليس له »(42).
وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : «قال رسول الله صلى الله
عليه واله :إن خياركم اولو النهى ، قيل : يا رسول الله ، ومن اولو
النهى؟ قال : هم اُولو الأخلاق الحسنة، والأحلام الرزينة، وصلة
الأرحام ، والبررة بالآباء والاُمهات ، والمتعاهدون الفقراء
والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام ، ويفشون السلام في العالم ،
ويصلّون والناس نيام غافلون »(43).
وعن أبي حمزة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : «من زار أخاه لله -
لالشيء غيره - بل التماس موعد الله ، وتنجزما عنده ، وكل الله به
سبعين الف ملكاً ينادونه : ألا طبت ، وطابت لك الجنة»(44).
وعن محمد بن قيس، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : «إن لله جنة
لايدخلها إلاّ ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحق ، ورجل زار أخاه في
الله ، ورجل آثر أخاه المؤمن في الله »(45).
وعن كتاب المجالس للبرقي ، عن عبداللهّ بن يونس ، عن أبي عبدالله
عليه السلام قال : «قام رجل إلى أميرالمؤمنين عليه السلام - وهو
يخطب - فقال : يا أميرالمؤمنين ، صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظرإليه
، فقال عليه السلام : المؤمن هوالكيس الفطن ، بشره في وجهه ، وحزنه
في قلبه ، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء لقاء ، زاجرنفسه عن كل باب ،
خائض الغمرات على كل خير، لاحقود، ولا حسود، ولا وثّاب ، ولاسبّاب ،
ولاعيّاب ، ولا مغتاب ، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل الغم ،
بعيد الهم ، كثيرالصمت ، ذكور، وقور، صبور، شكور، مغموم بذكره ،
مسرور بفقره ، سهل الخليقة، لين العريكة، رصين الوفاء، قليل الأذى،
لامتأفِّك ولامتهتك ، إن ضحك لم يُخْتَرق ، وان غضب لم ينزق ، ضحكه
تبسماً، واستفهامه تعلّماً، ومراجعته تفهماً ، كثير علمه ، عظيم
حلمه ،كثيرالرحمة ، لايبخل ، ولايعجل ، ولا يضجر، ولايبطر، ولايحيف
في حكمه ، ولايجورفي علمه ، نفسه أصلب من الصلد، ومكادحته أحلى من
الشهد، لاجشع، ولا هلع ، ولا عنت ، ولاصلف ، ولا متكلف ، ولا متعمق
، جميل المسارعة، كريم المراجعة، عدل إن غضب ، رفيق إن طلب ،
لامتهور، ولامتهتك ، ولا متجبر، خالص الود، وثيق العهد، وفيّ العقد،
شفيق وصول ، حليم خمول ، قليل الفضول ، راض عن الله عزوجل ، مخالف
لهواه لايغلظ على من يؤذيه ، ولا يخوض في مالا يعنيه ، ناصر للدين ،
محام عن المؤمنين ، وكنف للمسلمين ، لايخرق الثناء سمعه (46)،
ولاينكأ الطمع قلبه ، ولا يصرف اللعب حكمه ، ولا يطلع الجاهل علمه ،
قَؤول عمّال ، عالم حازم ، لافحاش ولاطياش ، وصول في غيرعنف ، بذول
في غير سرف ، لاحكّار ولاغدّار، ولا يقتفي أثراً، ولا يحيف بشراً،
رفيق بالخلق ، ساع في الارض ، عون للضعيف ،غوث للملهوف ، لايهتك
ستراً ولا يكشف سراً، كثير البلوى، قليل الشكوى .
إن رأى خيراً ذكره ، وإن عاين شراً ستره ، يسترالعيب ، ويحفظ الغيب
، ويقيل العثرة، ويغفرالزلة لايطلع على نصح فيذر، ولا على فحش فيتهم
، أمين رصين ، تقيّ نقيّ زكيّ ، وفيّ رضيّ ، يقبل العذر، ويجمل
الذكر، ويحسن بالناس الظن ، ويتهم على الغيب نفسه .
يجب في الله بفقه وعلم ، ويقطع في الله بحزم وعزم ، لايخرق به فرح ،
ولايطيش به مرح ، مذكّر العالم ، معلّم الجاهل ، لايتوقع له بائقة،
ولايخاف منه غائلة، كل سعي أخلص عنده من سعيه ، وكل نفس أصلح عنده
من نفسه ، عالم بعيبه ، متشاغل بغمّه ، لايثق بغير ربه ، غريب وحيد
فريد، يحب في الله ، ويجاهد في الله ، ليتبع رضاه ، ولا ينتقم لنفسه
بنفسه ، ولا يؤاتي في سخط ربه .
مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصدق ، مؤازرلأهل الحق ، عون للغريب
، أب لليتيم ، بعل للأرملة، حفيّ بأهل المسكنة، مرجو لكل كريمة،
مأمول لكل شدة، هشاش بشاش ، ليس بعبّاس ولا بجسّاس ، صليب كظّام
بسام ، دقيق النظر، عظيم الحذر، لايبخل وإن بُخل عليه صبر، عقل
فاستحيى وقنع فاستغنى، حياؤه يعلو شهوته ، ووده يعلو حسده ، وعفوه
يعلوحقده ، لاينطق بغيرصواب .
لبسه الاقتصاد، ومشيه التواضع خاشع لربه بطاعته ، راض عنه في كل
حالاته ، نيته خالصة، أعماله ليس فيها غش ولا خديعة، نظره عبرة،
وسكوته فكرة، وكلامه حكمة، مناصحاً متباذلاً متآخياً ناصراً في السر
والعلانية، لايهجر أخاه ، ولا يمكر به ، ولا يغتابه ، ولا يأسف على
مافاته ، ولا يحزن على ما أصابه ، ولايرجو مالا يجوز له الرجا، ولا
يفشل عنداللقاء للعدو، ولايقنط عندالبلاء، ولايبطر في الرخاء، يمزج
الحلم بالعلم ، والعقل بالصبر.
تراه بعيداً كسله ، دائماً نشاطه ، قريباً أمله ، قليلاً زللـه،
متوقعاً أجله ، خاشعاً قلبه ، ذاكراً ربه ، قانعة نفسه ، نزراً أكله
، منفياً نومه ، سهلاً أمره ، حزيناً لدينه ، ميتة شهوته ، كظوماً
غيظه ، صافياً خلقه ،آمناً جاره ، ضعيفاً كبره ، قانعاً بالذي قدّر
له ، متيناً صبره ، محكماً أمره ، كثيراً ذكره ، يخالط الناس ليعلم
، ويصمت ليسلم ، ويسأل ليفهم ، و يتجر ليغنم ، لاينصت للخبر فيفجر
به ، ولا يتكلم الخبرعلى من سواه (47)، نفسه منه في عناء، والناس
منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته ، وأراح الناس من نفسه ، إن بغي عليه
صبر حتى يكون الله هو المنتصر له ، بُعده مما تباعد منه بغض ونزاهة،
ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده تكبراً ولاعظمة، ولا دنوه
خديعة ولا مكرآَ، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، وهوإمام لمن
بعده من أهل البر»(48).
ومن كتاب المجالس أيضا، عن البرقي ، ويرفعه إلى أحدهم عليهم السلام
، قال : «مر أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه بمجلس من مجالس
قريش ، فإذا هو بقوم بيض ثيابهم ، صافية ألوانهم، كثير ضحكهم ،
يشيرون إلى من مربهم بأصابعهم . ثم مرّ بمسجد الأوس والخزرج ، فإذا
أقوام قد بليت منهم الأبدان ، ورقّت منهم الرقاب ، واصفرّت منهم
الألوان ، وقد تواضعوا بالكلام . فتعجب أمير المؤمنين عليه السلام
منهم ، ثم دخل على رسول اللهّ صلى الله عليه واله فقال : بأبي أنت
واُمي ، اني مررت بمجلس لآل فلان ، ثم وصفهم ، ومررت بمجلس للأوس
والخزرج ، فوصفهم ، ثم قال : وجميع مؤمنون ! فأخبرني - يا رسول الله
- بصفة المؤمن ؟
فنكس رسول الله صلى الله عليه آله رأسه ، ثم رفعه فقال : عشرون خصلة
في المؤمن ، فإن لم يكن فيه لم يكمل إيمانه ، إن من اخلاق المؤمنين
- يا علي - الحاضرون الصلاة، والمسارعون إلى الزكاة، [والحاجون لبيت
الله الحرام ، والصائمون في شهر رمضان] (49) والمطعمون المسكين ،
والماسحون رأس اليتيم ، المطهرون أظفارهم (50)، المتّزرون على
أوساطهم ، الذين إن حدّثوا لم يكذبوا، وإن وعدوا لم يخلفوا، وإذا
ائتمنوا لم يخونوا، وإن تكلموا صدقوا، رهبان الليل ، واُسود النهار،
وصائمون النهار، وقائمون الليل ، لايؤذون جاراً، ولا يتأذّى بهم
جار، الذين مشيهم على الأرض هوناً ، وخطاهم إلى بيوت الأرامل ، وعلى
أثر الجنائز، جعلنا الله وإياكم من المتقين »(51)
ومن كتاب الفرائد والعوائد: عن أبي جعفرعليه السلام قال : «من اداب
المؤمن حفظ الأمانة ، والمناصحة ، والتفكر، والتقية ، والبر، وحسن
الخلق ، وحسن الظن، والصبر، والحجاء، والسخاء، والعفة، والرحمة،
والمغفرة، والرضا ، وصلة الرحم ، والصمت ، والستر، والعفة ، والرحمة
، والمغفرة ، والمواسا ة ، والتكريم ، والتسليم ، وطلب العلم ،
والقناعة ، والصدق ، والوفاء ، وترك الاعتلام (52) ، وترك الاحتشمام
، والرحم ، والنصفة ، والتواضع ، والمشاورة ، والاستقالة، والشكر،
والحياء ، والوقار» .
ثم ذكرعليه السلام الخصال التي يجب على المؤمن تجنّبها، فقال :
«البغي ، والبخل ، والدناءة ، والخيانة ، والغش ، والحقد ، والظلم ،
والشره ، والخرق ، والعجب ، والكبر، والحسد ، والغدر الفاشي،
والكذب، والغيبة ، والنميمة، والمكايدة، وسوء الظن ، ويمين البوار،
والنفاق ، والمنّه ، وجحود الإحسان ، والعجز، والحرص ، واللعب ،
والإصرار، والقطيعه ، والمزاح ، والسفه ، والفحش ، والغفلة عن
الواجب ، وإذاعة السر» .
وعن ابن مسكان ، عن الصادق عليه السلام قال : «إن الله خص رسله
بمكارم الأخلاق ، وطبعهم عليها ، فامتحنوا أنفسكم ، فإن كانت فيكم ،
فاحمدوا الله عز وجل ، واعلموا أن ذلك من خير، وإن لم تكن فيكم ،
فاسألوا الله تعالى التوفيق لها، واجتهدوا» .
** وقال عليه السلام : «مكارم الأخلاق عشرة: اليقين ، والقناعة،
والصبر، والشكر، والحلم ، وحسن الخلق ، والسخاء والمروءة، والغيرة ،
والشجاعة» (53) .
ثم قال عليه السلام : «هذه العشرة خصال من صفات المؤمنين ، فمن كانت
فيه، فليعلم ذلك من خير أراده الله تعالى به ».
وزاد عليها فقال : «والبر، والصدق ، واداء الأمانة، والحياء» .
وروى ابن بكير(54)عنه عليه السلام أنه قال : «انا لنحب من كان
عاقلاً، فهماً، فقيهاً، عليماً، مدارياً، صبوراً، صدوقاً، وفياً، إن
الله تعالى خص الأنبياء عليهم
السلام بمكارم الأخلاق ، فمن كان فيه شيء من مكارم الأخلاق فليحمد
الله تعالى، ومن لم يكن فيه فليتضرع الى الله عز وجل وليسأله
إياها».
قال : وذكر هذه الخصال وزادها . وصدق الحديث (55).
وعن جابر بن يزيد الجعفي ، عن الباقر عليه السلام قال : «قال رسول
الله صلى الله عليه واله : ألا اخبركم بأشبهكم بي خلقاً؟ فقيل :
بلى، يا رسول الله ، فقال : أعظمكم حلماً، وأكثركم علماً، وأبركم
بقرابته ، وأشدكم حباً لاخوانه في دينه ، وأصبركم على الرضا والغضب
».
وروي عنه عليه السلام أنه قال : «إن الله تعالى ارتضى لكم الإسلام ،
فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق » (56).
وعن المفضل بن عمر، عن الكاظم عليه السلام قال : «لم ينزل من السماء
أعز ولا أقل من ثلاثة أشياء: التسليم ، والبر، واليقين »(57).
وروي عنه عليه السلام ، أنه قال : «ألا اُخبركم بمكارم الأخلاق ؟
قالوا : بلى، يابن رسول الله ، فقال : الصفح عن الناس ، ومواساة
الأخ المؤمن في الله تعالى، من المال - قل أو كثر- وذكر الله تعالى
كثيراً» .
وقيل له عليه السلام : من أكرم الخلق على الله تعالى؟ فقال : «من
إذا اُعطي شكر، واذا ابتلي صبر، وإذا اُسيء إليه غفر ».
وعن يحيى بن اُم الطويل ، عن علي بن الحسين عليه السلام قال : «طوبى
لمن طاب خلقه ، وطهرت سجيته ، وحسنت علانيته ، وأنفق الفضل من ماله
، وأمسك الفضل من قوله ، وأنصف الناس من نفسه ».
وروي عنه عليه السلام أنه قال : «لاتعب أخاك المؤمن بعيب هو فيك حتى
تصلحه من نفسك ، فإذا أصلحته بدا لك عيب غيره ، وكفا بالمرء شغلاً
بنفسه ».
وقال عليه السلام : «أنفق ولا تخف فقراً، وأنصف الناس » .
وعن محمد بن أبي زينب ، عن الصادق عليه السلام قال : «الدعاء عند
الكرب ، والاستغفار عندالذنب ، والشكرعند النعمة، من أخلاق المؤمنين
» .
وقال عليه السلام : «البر وحسن الخلق ، يعمران الديار، ويزيدان في
الأعمار. وصنائع المعروف وحسن البشر، يكسبان المحبة، ويدخلان الجنة
. والبخل وعبوس الوجه ، يبعدان من الله تعالى ذكره ، ويدخلان
النار».
وعنه عليه السلام قال : «وجدت في ذؤابة ذي الفقار صحيفة، فيها : صل
من قطعك ، واعط من حرمك ، وقل الحق ولوعلى نفسك ».
وعن الكاظم عليه السلام ، أنه قال :«لاعزإلاّ لمن تذلل لله ، ولا
رفعة إلاّ لمن تواضع لله ، ولا أمن إلاّ لمن خاف الله ، ولا ربح
إلاّ لمن باع اللهّ نفسه ».
وعن الصادق عليه السلام قال : «ثلاثة لايطيقهن الناس : الصفح عن
الناس ، ومواساة الرجل أخاه المؤمن ، وذكر الله تعالى
كثيراً»(58).
وقال عليه السلام : «ما ابتلي الناس بشيء أشد من إخراج الدرهم ، لا
الصلاة ولا الصيام ولا الحج ، فإن الله تعالى يقول : ( ولايسألكم
أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا )(59) ثم قال : ( ومن يبخل
فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء)(60) » .
وقال عليه السلام (61): «إن أحب الخلائق إلى الله تعالى شاب حدث
السن ، في صورة حسنة، جعل شبابه وجماله في طاعة اللهّ تعالى، ذاك
الذي يباهي اللهّ تعالى به ملائكته فيقول : هذا عبدي حقاً».
وعنه عليه السلام ، أنه قال : «شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزه كفه
عن أعراض الناس ، واستغناؤه عما في أيديهم » .
وعنه عليه السلام قال : «من أخرجه الله تعالى من ذل المعصية إلى عز
الطاعة، أغناه الله بلا مال ، وأعزه بلاعشيرة، وآنسه بلا أنيس . ومن
خاف الله تعالى، أخاف الله منه كل شيء ، ومن لم يخف اللهّ، خَوَّفه
الله من كل شيء . ومن رضي من الله تعالى باليسير من المعاش ، رضي
الله منه باليسيرمن العمل ، ومن لم يستحي من طلب الحلال وقنع به ،
خفّت مؤنته ، ونعم أهله . ومن زهد في الدنيا، أثبت الله الحكمة
في
قلبه ، وأنطق بها لسانه ، وبصره عيوب الدنيا ـ دائها ودوائها ـ
وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دارالسلام »(62).
وقال عليه السلام : «من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، وأقوى
الناس فليتوكل على اللهّ، وأغناهم فليكن بما في يد لله أوثق منه بما
في يديه ».
وعنه عليه السلام قال: «ثلاث منجيات : خوف الله في السروالعلانية
كأنك تراه ، وإن لم تكن تراه فإنه يراك ، والعدل في الرضا والغضب ،
والقصد في الغنى والفقر.
وثلاث مهلكات : هوى متبع ، وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه ».
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال : «أقرب الناس من الله - يوم
القيامة - من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا، وهم الأتقياء
الأخفياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، تعرفهم
بقاع الأرض، لم وتحف بهم ملائكة السماء، نَعمَ الناس بالدنيا،
ونعموا بطاعة الله ، افترش الناس الفرش ، وافترشوا الجباه والركب ،
ضيع الناس أوقاتهم في لهو الدنيا، وحفظوها هم في الجد والاجتهاد،
تبكي الأرض لفقدهم ، ويسخط الله على كل بلدة ليس فيها منهم أحد، لم
يتكلبوا على الدنيا تكلب الكلاب على الجيف ، يراهم الناس يظنون أن
بهم داء، وما بهم من داء إلاّ الخوف من الله ، ويقال : قد خولطوا
وذهبت عقولهم ، وما ذهبت ، ولكن نظروا بقلوبهم إلى أمر أذهب عنهم
الدنيا، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول ، وهم الذين عقلوا،
وذهبت عقول من خالفهم »(63).
وروي أن في التوراة مكتوباً: إن الله تعالى يبغض الحبر السمين ، لأن
السمن يدل على الغفلة وكثرة الاكل ، وذلك قبيح وخصوصاً بالحبر.
ومثله (64) قال ابن مسعود: ان الله يبغض [ القارىء](65)السمين
(66).
وفي خبر مرسل : «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا
مجاريه بالجوع والعطش »(67).
: «إن للمؤمن أربع علامات : وجهاً منبسطاً، ولساناً لطيفاً، وقلباً
رحيماَ، ويداً معطية».
وقال عليه السلام : «إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث
، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وقلة الفخروالبخل (68)، وصلة
الأرحام ، ورحمة الضعفاء، وقلة المواتاة للنساء، وبذل المعروف ،
وحسن الخلق ، وسعة الحلم ، واتّباع العلم فيما يقرّب إلى الله عزوجل
، فطوبى لهم وحسن مآب . وطوبى شجرة في الجنة، أصلها في دار رسول
الله ليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها، لاينوي في قلبه شيئاً إلا
أتاه الله به من [ذلك ](69) الغصن ، ولوأن راكباً مجدّاً سار في
ظلها مائة عام لم يخرج منها، ولوأن غراباً طار من أصلها ما بلغ
أعلاها حتى يبيضّ هرماً، ألا ففي هذا فارغبوا، ان المؤمن من نفسه في
شغل ، والناس منه في راحة، إذا جنّ عليه الليل فرش وجهه على الأرض ،
وسجد لله تعالى بمكارم بدنه ، يناجي ربه الذي خلقه في فكاك رقبته من
النار، ألا فهكذا كونوا»(70).
وعن أميرالمؤمنين عليه السلام ، أنه قال : «لايقبل الله من الأعمال
إلاّ ما صفا وصلب ورق ، فأما صفاءها فلله وأما صلابتها فللدين ،
وأما رقتها فللا خوان ».
وروي أن سلمان دخل على أمير المؤمنين - وبيده رقعة - فقال : «هي من
الرقاع التي علقت على آذان أصحاب الكهف » وإذا فيها ثلا ثة أسطر:
أولها : قضي القضاء، وتمّ القدر، وماجرى به القدر فهو كائن .
والثاني : الرزق مقسوم ، والحريص محروم ، والبخيل مذموم .
والثالث أعن زمانك ، واخف مكانك ، واحفظ لسانك ،واقبل على، شأنك
.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه التقى بقوم فقال : «من أنتم
؟» .
فقالوا: مؤمنون ، يا رسول الله .
فقال صلى الله عليه واله : «ما حقيقة إيمانكم ؟».
فقالوا: الرضا بقضاء الله ، والصبرعلى بلاء الله ، والتسليم
لأمرالله .
فقال : «علماء حكماء، كادوا يكونوا أنبياء من الحكمة، فإن كنتم
صادقين فلا تبنوا مالا تسكنون ، ولاتجمعوا مالا تأكلون ، واتقوا
الله الذي إليه ترجعون ».
** وروي أن قوماً استقبلوا أميرألمؤمنين عليه السلام - بباب الفيل،
في مسجد الكوفة- فسلموا عليه وقالوا: نحن شيعتك ، يا أميرالمؤمنين ،
فقال : «كذبتم ، شيعتي عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر
والدعاء، خمص البطون من الطوى، صفرالوجوه من السهر، حدب الظهور من
القيام ».
وعن نوف (71) البكالي قال : رأيت أميرالمؤمنين عليه السلام في ساعة
من الليل ، فقال : «يا نوف ، إن الله تعالى أوحى إلى المسيح عليه
السلام : أن قل لبني إسرائيل : لايدخلوا بيتاً من بيوتي ، إلا بقلوب
طاهرة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا اُجيب لأحد منهم
دعوة، ولأحد من خلقي عنده مظلمة.
يا نوف ، إن داود النبي عليه السلام خرج في هذه الساعة من الليل
وقال : إن هذه ساعة لايدعو فيها داع بخير إلا استجاب الله تعالى
[له](72)، إلاّ أن يكون شاعراً، أو عاشراً ، أو شرطياً ، أو عريفاً
،أو بريداً ، أو صاحب كوبة(73) ، أو عرطبهّ(74) ».
وروي عن الصادق عليه السلام قال : «المؤمن أعز من الكبريت
الأحمر»(75) .
وعن الباقرعليه السلام قال : «الناس كلهم بهائم - قالها ثلاثاً -
الا قليلاً من المؤمنين ، والمؤمن غريب - قالها ثلاثاً-»
وعن سدير الصيرفي قال : دخلت على الصادق عليه السلام ، وقلت له :
والله مايسعك القعود .
قال : «ولم يا سدير؟» قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك ، والله
لو
كان لأمير المؤمنين عليه السلام مثل مالك من الأنصار والموالي
والشيعة، ما طمع فيه تيم ولا عدي .
فقال : «وكم عسى أن يكونوا؟»
قالت : مائة ألف.
فقال : «مائة ألف !»
فقلت : مائتا الف .
فقال: «مائتا الف !»
فقلت : نعم ونصف الدنيا. فسكت عنّي ثم قال : «يجب عليك أن تبلغ معنا
إلى(76) ينبع (77)».
قلت : نعم . فأمر بجمل وبغل أن يسرجا، فبادرت إلى الجمل فركبته
.فقال : «يا سدير ترى أن تؤثرني بالجمل».
فقلت له : البغل أرفق .
فقال : «الجمل أرفق لي » فنزل وركب عليه السلام الجمل وركبت البغل
فمضينا، فجاءت الصلاة، فقال : «يا سدير، انزل بنا نصلي ، ولكن هذه
أرض السبخة، لايجوز الصلاة فيها» فسرنا حتى صرنا في أرض حمراء،
ونظرإلى غلام يرعى جدياً فقال: «يا سدير، والله لوكان لي (سبعة عشر)
(78) بعدد هذه الجديان ، ما وسعني القعود» ونزلنا فصلينا، فلما
فرغنا من الصلاة عددت الجديان فإذا هي سبعة عشر جدياً (79).
وقال الصادق عليه السلام : «إن المؤمن لقليل ، وان أهل الضلالة
لكثير» .
وقال الكاظم عليه السلام : «ليس كل من قال بولايتنا مؤمناً، ولكن
جعلوا اُنساً للمؤمن »(80).
وفي الإنجيل : الاشجاركثيرة، وطيّبها قليل .
وعن المفضل بن عمر، قال جعفر بن محمد: «يا مفضل ، إياك والسفلة،
وإنما شيعة علي من عفت بطنه وفرجه ، واشتد جهاده ، وعمل لخالقه ،
ورجا ثوابه ، وخاف عقابه ، فإذا رأيتهم بهذه الصفة فاولئك شيعة علي
»(81).
وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن المؤمن فقال : « الصفوة من
الناس ، وإن أشد الناس بلاءاً الصفوة من الناس ، ثم الأمثل فالأمثل
، ويبتلى المؤمن على قدر إيمانه وحسن عمله ، كلما اشتد عمله اشتد
بلاؤه ، وكلما سخف إيمانه قلّ بلاؤه ».وقال عليه السلام : «إنما
المؤمن بمنزلة كفتي الميزان ، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه ،
ولا يمضي على المؤمن أربعون يوماً إلا ويعرض له أمر يحزنه ليذكّره
»(82).
وعن المفضل بن عمر، عن الصادق عليه ألسلام ، قال : «لايكون المؤمن
مؤمناَ حتى يهجر فينا القريب والبعيد، والأهل والولد» .وعن أبي
إسماعيل قال : قلت للصادق عليه السلام : إن الشيعة عندنا كثير، فقال
: «هل يعطف الغني على الفقير؟ ويتجاوز المحسن عن المسيء ؟ ويتواسون
؟» قلت : لا، قال : «ليس هؤلاء شيعة، إنما الشيعة من يفعل
هذا»(83).
وعن عبد المؤمن الانصاري قال : دخلت على الكاظم عليه السلام ، وعنده
محمد بن عبدالله الجعفي ، فتبسمت في وجهه ، فقال :«أتحبه ؟» فقلت :
نعم ، وما أحببته إلا فيكم ، فقال : «هو أخوك ، المؤمن أخو المؤمن
لأبيه ولاُمه ، ملعون من اتهم أخاه ، ملعون من غش أخاه ، ملعون
ملعون من لم ينصح أخاه ، ملعون ملعون من استأثر على أخيه ، ملعون
ملعون من احتجب عن أخيه ، ملعون ملعون من اغتاب أخاه »(84).
وقال علي بن الحسين عليهما السلام : «إن الله تعالى لم يفترض فريضة
أشد من بر الإخوان ، وما عذب الله أحداً أشد ممن ينظرإلى اخيه بعين
غير وادّة، فطوبى لمن وفقه اللهّ تعالى لأداء حق المؤمن ».
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام : «فرض الله الاثرة، فقال : ألا
تستأثر على أخيك بما هوأحوج إليه منك ».
وهذا الحديث من كتاب المجالس للبرقي .
وروى أبوجعفر الكليني - في كتاب الزكاة - عن المفضل بن عمر قال :
كنت عند الصادق عليه السلام ، وقد سأله رجل فقال له (85): كم تجب
الزكاة عن المال؟ فقال : «الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ » فقال :
اُُريدهما جميعاً ، فقال : «أما الظاهرة ففي كل ألف درهم خمسة
وعشرون درهماً، وأما الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو احوج إليه
منك »(86).
وعن الباقرعليه السلام قال : «ان لله جنة لايسكنها إلا ثلاثة: أحدهم
رجل آثرأخاه المؤمن في الله على نفسه »(87).
وعن أبان بن تغلب قال : قلت للصادق عليه السلام : ما حق المؤمن على
أخيه؟ فقال : لا ترده ، فقلت : بلى ، فقال : «أن تقاسمه مالك شطرين
» .
قال : فعظم ذلك عليَّ ، فلما رأى عليه السلام شدته عليَّ قال : «أما
علمت أن الله تعالى ذكر المؤثرين على أنفسهم ومدحهم في قوله تعالى :
( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)(88) ؟ فقلت : بلى فقال :
«فإذا قاسمته وواسيته وأعطيته النصف من مالك لم تؤثره ، إنما تؤثره
إذا أعطيته أكثرمما تأخذه »(89).
عن محمد بن سنان قال : كنت عند الصادق عليه السلام - ومبشر (90)
عنده - فقال : «يا مبشر، قال : لبيك ، فقال له : قد حضر أجلك غير
مرة ومرتين ، كل ذلك يؤخر لصلتك المؤمن »(91).
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال : «صلة الرحم تزيد في العمر ،
وصلة المؤمن صلة الله تعالى ، فمن قطع أخاه المؤمن صلته ، قطع الله
الحبل الذي بينهما ، وسلبه معرفته ، وتركه في طغيانه يعمه» .
وقال عليه السلام : «يأتي على الناس زمان ، من سكت فيه مات ، ومن
تكلم فيه عاش . فقال إسحاق بن عمار : ما أصنع إن أدركت ذلك الزمان ؟
فقال : تعينهم بما عندك ، فإن لم تجد فبجاهك» (92) .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «من كمال المرء المؤمن تركه مالا
يجمل به ، ومن حيائه أن لايلقى أحداً بما يكره ، ومن عقله حسن رفقه
، ومن أدبه علمه بما لابدّ له منه ، ومن ورعه غض بصره وعفة بطنه ،
ومن حسن خلقه كفه أذاه ، سخائه بره بمن يجب حقه ، ومن دينه إيثاره
على نفسه ، ومن صبره قلة شكواه ، ومن عقله إنصافه من نفسه وتركه
الغضب عند مخالفته ، وقبوله الحق إذا بان له ، ومن نصيحته نهيه أخاه
عن معصيته ، ومن حفظه جواره ستره لعيوب جيرانه ، وتركه توبيخهم عند
إساءتهم إليه ، ومن رفقه تركه المواقفة على الذنب بين يدي من يلوم
المذنب على ذنبه ، ومن حسن صحبته إسقاطه عن صاحبه مؤونة أذاه ، ومن
صداقته كثرة موافقته ، ومن صلاحه شدة حزنه ، ومن شكره معرفة إحسان
من أحسن اليه ، ومن تواضعه معرفته بقدره ،ومن حكمته معرفته بذاته ،
ومن مخافته ذكره الآخرة بقلبه ولسانه ،ومن سلامته قلة تحفظه لعيوب
غيره واعتنائه في صلاح عيوب نفسه ».وقال الإمام محمد بن علي الباقر
عليه السلام ، لبعض شيعته : «إنا لا نغني عنكم شيئاً إلاّ بالورع ،
وإن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد، ولا تدرك إلاّ بالعمل ،
وإن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من وصف عدلاً وأتى جوراً».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «إن من أحب عباد الله إليه ،
عبداً أعانه الله على نفسه ، فاستشعر الحزن ، وتجلبب الخوف ، فزهر
مصباح الهدى في قلبه ، وأعدَّ القِرى ليومه النازل به ، فقرب على
نفسه البعيد، وهون الشديد.
نظر فأبصر، وذكر فأكثر، فارتوى من عذب فرات ، سهلت له موارده فشرب
نهلاً، وسلك سبيلاً جدداً، قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلى من الهموم
إلا هماً واحداً انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، ومشاركة أهل الهوى،
وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه ،
وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره (93)، واستمسك من العرى
بأوثّقها، ومن الحبال بأمتنها، فهومن اليقين على مثل ضوء الشمس
.
قد نصب نفسه - لله سبحانه - في أرفع الاُمور، من إصدار كل وارد عليه
، وتصيير كل فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشاف غشوات ، مفتاح مهمات
، دفاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم .
قد أخلص لله سبحانه فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ،
قد ألزم نفسه العدل ، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحق
ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلا أمها، ولا مظنة إلاّ قصدها، قد
أمكن الكتاب من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، يحل حيث كان محله ،
وينزل حيث كان منزله.
واخر قد تسمى عالماً وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من
ضُلاّل ، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب
على ارائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمن من العظائم ، ويهون كبير
الجرائم ، يقول : أقف عند الشبهات ، وفيها وقع ، ويقول : أعتزل
البدع ، وبينها اضطجع ، فالصورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لا
يعرف باب الهدى فيتبعه ، ولا باب العمى فيصد عنه ، فذلك ميت
الأحياء.
فأين تذهبون! وأنى تؤفكون! والأعلام قائمة ، والآيات واضحة ،
والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم! بل كيف تعمهون! ووبينكم عترة نبيكم،
وهم أزمّة الحق ، وألسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل ، وردوهم
ورود الهيم العطاش .
أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم : انه
يموت من يموت منّا وليس بميت ، ويبلى من بلي وليس ببال ، فلا تقولوا
مالا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون ، واعذروا من لاحجة لكم
عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر! وأترك فيكم الثقل
الأصغر! وركزت فيكم راية الإيمان! ووقفتكم على الحلال والحرام!
وألبستكم العافية من عدلي! وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي! وأريتكم
كرائم
الأخلاق من نفسي! فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا
يتغلغل إليه الفكر، حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بني اُمية،
تمنحهم درها، وتوردهم صفوها، ولا يرفع عن الاُمة سيفها ولا سوطها،
وكذب الظان لذلك ، بل هي مجة من لذيذ العيش ، يتطعمونها برهة ثم
يلفظونها جملة»(94).
** ومن كتاب الخصال : عن محمد بن علي الباقر قال : «سئل رسول الله
صلى ، الله عليه وآله ، عن خيار العباد، قال : الذين إذا أحسنوا
استبشروا ، وإذا أساؤا استغفروا، و اذا أُعطوا شكروا، واذا ابتُلُوا
صبروا، واذا غضبوا غفروا»(95) .
وروى الحارث بن المغيرة النضري (96)، عن أبي عبد الله عليه السلام ،
قال : «ستة لا تكون في المؤمن : العسر، والنكد(97)، واللجاجة،
والكذب ، والحسد [والبغي] (98) » (99) .ومن الكتاب المذكور: عن أمير
المؤمنين عليه السلام ، قال : «قال عيسى بن مريم عليه السلام : طوبى
لمن كان صمته فكراً ،ونظره عبراَ، ووسعه بيته ، وبكى على خطيئته ،
وسلم الناس من يده ولسانه »(100).
ومن الكتاب المذكور : عن جعفر بن محمد عليه السلام ، قال : «إنما
شيعة جعفر، من عف بطنه وفرجه ، واشتد جهاده ، وعمل لخالقه ، ورجا
ثوابه ، وخاف عقابه ، فإذا رأيت اولئك ، فأولئك شيعة جعفر» .
يقول عليه السلام ذاك للمفضل بن عمر رحمه الله تعالى(101).
ومن الكتاب المذكور: عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : «إن الله
عز وجل أعفا شيعتنا من ست خصال : من الجنون ، والبرص ، والجذام ،
والابنة(102)، وأن يولد لهم من زنا، وأن يسأل الناس بكفه (103)
»(104) .
وقال عليه السلام : «ألا إن شيعتنا قد أعاذهم الله عز وجل عن ست :
عن ان يطمعوا طمع الغراب ، أويهرّوا هرير الكلاب ، أو ينكحوا في
أدبارهم ، أو يولدوا من الزنا ،أويلدوا من الزنا، أويتصدّقوا على
الأبواب» (105) .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : «المؤمن بشره في وجهه ، وحزنه في
قلبه ، أوسع شِيء صدراً، وأذل شيء نفساً، يكره الرفعة، ويشنأ
السمعة، طويل غمه ، بعيد همه ، كثير صمته ، مشغول وقته ، شكور صبور،
مغمور بفكرته ، ضنين بخلته ، سهل الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب
من الصلد، وهو أذل من العبد»(106).
وقال عليه السلام : «المؤمن ينظر إلى الدنيا بعين الإعتبار، ويقتات
منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها باُذن المقت والإبغاض ، إن قيل :
أثرى قيل : أَكدى، وإن فُرح له بالبقاء، حُزن له بالفناء، هذا ولم
يأتهم يوم فيه يبلسون (107).
إن الله تعالى وضع الثواب على طاعته ، والعقاب على معصيته ، ذيادة
لعباده من نقمته ، وحياشة لهم إلى جنته »(108).
من كتاب الخصال لابن بابويه : عن معاوية بن وهب قال : قال أبو عبد
الله عليه السلام : «الشيعة [ثلاث] (109)محب وادّ ، فهو منا .
[و](110) متزين بنا، ونحن زين لمن تزين بنا. ومستأكل بنا الناس ،
ومن استأكل بنا افتقر» (111).
وقال عليه السلام : «امتحنوا شيعتنا عند ثلاث : عند مواقيت الصلاة،
كيف محافظتهم عليها؟ وعند أسرارهم ، كيف حفظهم لها من عدونا؟ وعند
أموالهم ، كيف مواساتهم لإخوانهم فيها؟»(112).
وقال عليه السلام : «المؤمن إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل ، واذا
غضب لم يخرجه غضبه من الحق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له
»(113).
وقال عليه السلام : «ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان : من صبر على
الظلم، وكظم غيظه ، وعفا واحتسب وغفر، كان ممن يدخله الله الجنة
بغير حساب ، ويشفعه في مثل ربيعة ومضر»(114).
** وقال، عليه السلام : «إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في
إثم ولا باطل ، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق ، وإذا قدر لم
تخرجه قدرته إلى التعدي وإلى ما ليس له بحق»(115).
وقال عليه السلام : «شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزه كف الأذى عن
الناس» (116) .
ومن كتاب الخصال أيضاً: عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله
عليه وآله قال :«خصلتان لاتجتمعان في مؤمن : البخل ، وسوء الخلق
»(117) .
وقال عليه السلام : «لا يجتمع الشحّ والإيمان في قلب عبد
أبداَ»(118).
وقال عليه السلام : «إن صلاح أول هذه الامة بالزهد(119) واليقين ،
وهلاك اخرها بالشحّ والأمل »(120).
ومن كتاب الخصال : عن أبي مالك قال : قلت لعلي (121)عليه السلام :
أخبرني
بجميع شرائع الدين . فقال : «قول الحق ، والحكم بالعدل ، والوفاء
بالعهد، فهذه جميع شرائع الدين » (122) .
** ومن الكتاب : عن أبي عبدالله قال : «الرجال ثلاثة: رجل بماله ،
ورجل بجاهه ، ورجل بلسانه ، وهو أفضل الثلاثة» (123) .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «الرجال ثلاثة: عاقل وأحمق جاهل
(124) وفاجر، فالعاقل الدين شريعته ، والحلم طبيعته ، والرأي سجيته
، ان سئل أجاب ، وإن تكلم أصاب ، وإن سمع وعى، وإن حدّث صدق ، وإن
اطمأن إليه أحد وفى، (والجاهل الحمق)(125) إن استقبلته (126) بجميل
غفل ، وإن استنزل عن حسن نزل ، وإن حمل على جهل جهل ، وإن حدّث كذب
، لا يفقه وإن فقه لم يتفقه ، والفاجر إن ائتمنته خانك ، وإن صحبته
شانك ، وإن وثقت به لم ينصحك »(127).
وقال أبو عبد الله عليه السلام : «الناس يغدون[على ثلاثة](128) :
عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون ، وسائر الناس
غثاء»(129).
وقال لقمان لابنه : يا بني ، للإيمان ثلاث علامات : العلم والإيمان
والعمل ، وللعالم ثلاث علامات : الصلاة والصيام والزكاة (130).
وقال الكاظم عليه السلام : «الناس ثلاثة : عربي ومولى وعِلج ، فأمّا
العرب فنحن ، وأمّا المولى فمن والانا، وأمّا العِلج فمن تبرأ منا
وناصبنا»(131)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الأعور: «ثلاث بهن يكمل
المسلم : التفقه في ألدين ، والتقدير في المعيشة، والصبر على
النوائب»(132) .
** وأوصى رسول الله صلى الله عليه واله علياً عليه السلام فقال له :
«يا علي ، أنهاك عن ثلاث خصال عظام : الحسد، والحرص ، والكذب .
يا علي ، أشد(133) الأعمال ثلاث خصال : إنصافك الناس من نفسك ،
ومواساة الأخ في الله عز وجل ، وذكر الله عز وجل على كل حال .
يا علي ، ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا: لقاء الإخوان ، وألإفطار من
الصيام ، والتهجد من آخر الليل .يا علي ، ثلاث من لم تكن فيه لم يقم
له عمل : تورع يحجزه عن معاصي الله عز وجل ، وخلق يداري به الناس ،
وحلم يرد به جهل الجاهل .
يا علي ، ثلاث من حقائق الإيمان : الإنفاق من الاقتار، وانصاف الناس
من نفسك ، وبذل العلم للمتعلم .
يا علي ، ثلاث من مكارم الأخلاق : تعطي من حومك ، وتصل من قطعك ،
وتعفو عن من ظلمك»(134).
وقال أبو عبد الله عليه السلام : «ثلاث خصال في المؤمن ، لا يجمعها
الله تعالى لمنافق : حسن الخلق ، والفقه ، وحسن السمت»(135).
وقال عليه السلام : «ثلاث لا يطيقهن الناس : الصفح عن الناس ،
ومواساة الأخ في الله تعالى أخاه في ماله ، وذكر الله
كثيرا»(136).
وقال عليه السلام : «من علامات المؤمن (137): الحلم والعلم والصمت ،
وإن الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت ينشب (138) المحبة، وإنه
دليل على كل
خير»(139).
وقال عليه السلام : «ثلاث إذا كنّ في الرجل ، لا تحرج أن تقول : انه
في جهنم : الجفاء، والجبن ، والبخل »(140).
وقال عليه السلام : «الهدي الصالح ، والسمت الصالح ، والاقتصاد، جزء
من خمسة وسبعين (141) جزءاً من النبوة»(142).
وقال عليه السلام : «الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل
بالأركان»(143) .
وعن سماعة،عن أبي عبد الله عليه السلام ، أنه قال : «يا سماعة، لا
ينفك المؤمن من خصال أربع : من جار يؤذيه ، وشيطان يغويه ، ومنافق
يقفو أثره ، ومؤمن يحسده، ثم قال : يا سماعة، أما إنه أشد
[هم](144)عليه ، قلت : كيف ذلك ؟ قال : إنّه يقول فيه القول فيصدق
عليه»(145).
ومن كتاب الخصال : عن جميل بن دراج قال : قال الصادق جعفر بن محمد
عليهما السلام : «خياركم سمحاؤكم ، وشراركم بخلاؤكم ، ومن صالح
الأعمال البر بالإخوان ، والسعي في حوائجهم ، وفي ذلك مرغمة ومدحرة
للشيطان ، وتزحزح عن النيران ، ودخول الجنان ، يا جميل أخبر بهذا
الحديث غرر أصحابك . قال : قلت : ومن غرر أصحابي؟ قال : هم البارون
بالإخوان في العسر واليسر، ثم قال : يا جميل ، أما إنّ صاحب الكثير
يهون عليه ذلك ، وقد مدح الله عز وجل صاحب القليل ،فقال :( ويؤثرون
على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
)(146)» (147).
وروي أنه لمّا نزل قوله تعالى : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره
للإسلام )(148) قالوا: يا رسول الله ، كيف يشرح الله صدره للإسلام ؟
قال عليه السلام : «يقذف الله تعالى نوراً في قلبه فينشرح ويستوسع ،
فقالوا: وهل لذلك علامة؟ فقال : نعم ، التجافي عن دار الغرور،
والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور» .
وقال عليه الصلاة والسلام : «إذا أحب الله تعالى عبداً نكت في قلبه
نكتة بيضاء، وفتح مسامع قلبه ، ووكل به ملكاً يسدده ، وإذا أبغض
عبداً نكت في قلبه نكتة سوداء، ووكل به شيطانا يغويه ، وعلى ذلك نزل
قول الله تعالى: ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له
قرين)(149)».
وروي : إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً ألهمه الطاعة، وألزمه
القناعة، وفقهه في الدين ، وقواه باليقين ، فاكتفى بالكفاف ، وتحلى
بالقناعة .
وروى أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ، قال: «خرج أمير
المؤمنين عليه السلام يوماً إلى المسجد، فإذا قوم من الشيعة قعود
فيه ، فقال : من أنتم ؟ فقالوا: نحن شيعتك يا أمير المؤمنين . فقال
: فمالي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟ فقالوا: ما سيماء الشيعة، يا
أمير المؤمنين ؟ فقال : عمش العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام
والظمأ، صفر الوجوه من السهر، يحسبهم الجاهل مرضى وما بهم من مرض ،
ولكن فرق من الحساب ويومه أمرضهم ،يحسبهم أهل الغفلة سكارى، وماهم
بسكارى ولكن ذكر الموت أسكرهم.
إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن قالوا لم يُصدّقوا،
وإن سكتوا لم يُسألوا، وان أساؤا استغفروا، وإن أحسنوا لم يفخروا ،
وإن ظلموا صبروا ، حتى يكون الله تعالى هو المنتقم لهم ، يجوعون إذا
شبع الناس ، ويسهرون إذا رقد الناس ، ويدعون إذا غفل الناس ، ويبكون
إذا ضحك الناس .
يتمايلون بالليل على أقدامهم مرة وعلى الأصابع ، تجري دموعهم على
خدودهم من خيفة الله وهم أبداً سكوت ، فإذا ذكروا عظمة الله عز وجل
انكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم ، اُولئك أصحابي وشيعتي حقاً، الذين
امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم» .
وروى جابر بن عبد الله الأنصاري ، عن أبي ذر قال : كنت جالساَ عند
النبي صلى الله عليه وآله في المسجد، إذ أقبل علي عليه السلام ،
فلما رآه مقبلاً قال : «يا باذر، من هذا المقبل ؟» فقلت : علي ، يا
رسول الله .
فقال : «يا باذر، أتحبه ؟» فقلت : أي والله - يا رسول الله - إني
لأحبه ، واُحب من يحبه .
فقال: «يا باذر، حب علياً، وحب من أحبه ، فإن الحجاب الذي بين العبد
وبين الله تعالى حب علي بن أبي طالب عليه السلام .يا باذر، حب علياً
مخلصاً، فما من امرىء أحب علياً مخلصاً، وسأل الله تعالى شيئاً إلاّ
أعطاه ، ولادعا الله إلا لبّاه» . فقلت : يا رسول الله ، إني لأجد
حب علي بن أبي طالب على كبدي كبارد الماء، أوكعسل النحل، أوكآية من
كتاب الله أتلوها، وهو عندي أحلى من العسل .
فقال رسول الله صلى الله عليه واله : «نحن الشجرة الطيبة، والعروة
الوثقى ، ومحبونا ورقها، فمن أراد الدخول إلى الجنة، فليستمسك بغصن
من أغصانها» .
وروى حذيفة بن اليمان ، عن الحسن عليه السلام قال : «إن الله تعالى
أوحى إلي : يا أخا النبيين ، يا أخا المرسلين ، يا أخا المنذرين ،
أنذر قومك : ألاّ يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب سليمة، وألسن
صادقة، وأيد نقية، وفروج طاهرة، ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد
عندهم مظلمة، فإنّي ألعنه مادام قائماً بين يدي يصلي ، حتى يرد تلك
المظلمة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به ، وأكون بصره الذي يبصر
به ، ويكون من أوليائي وأصفيائي ، ويكون جاري مع النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين» .
وروي عن الحسن بن علي عليهما السلام ، أنه قال : «من لم يحفظ هذا
الحديث كان ناقصاً في مروته وعقله ».
قلنا: وماذاك يابن رسول الله ؟ فبكى وأنشأ يحدثنا فقال : «لو أن
رجلاً من المهاجرين أو الأنصار، يطلع من باب مسجدكم هذا، ما أدرك
شيئاً مما كانوا عليه إلا قبلتكم هذه - ثم قال - هلك الناس - ثلاثاُ
- بقول ولا فعل ، ومعرفة ولا صبر، ووصف ولاصدق ، ووعد ولا وفاء،
مالي أرى رجالاً ولا عقول ، وأرى أجساماً ولا أرى
قلوباً دخلوا في الدين ثم خرجوا منه ، وحرموا ثم أستحلوا، وعرفوا ثم
أنكروا، وأنما دين أحدكم على لسانه ، ولئن سألته هل يؤمن بيوم
الحساب ؟ قال : نعم ، كذب ومالك يوم الدين ، إن من أخلاق المؤمنين
قوة في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ،
وشفقة في مقة(150)، وحلماً في حكم ، وقصداً في غنى، وتجملاً في
فاقة، وتحرجاً عن طمع ، وكسباً من حلال ، وبراً في استقامة، ونشاطاً
في هدى، ونهياَ عن شهوة.
** إن المؤمن عواذ بالله ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب
، ولا يضيع ما استودع ، ولا يحسد، ولا يطعن ، ويعترف بالحق وإن لم
يشهد عليه ، ولا ينابز بالألقاب ، في الصلاة متخشع ، وإلى الزكاة
مسارع ، وفي الزلات وقور، وقي الرخاء شكور، قانع بالذي عنده ، لا
يدعي ما ليس له ، لا يجمع في قنط (151)، ولا يغلبه الشح عن معروف
يريده ، يخالط الناس ليعلم ، ويناطق ليفهم ، وإن ظلُم أوبُغي عليه
صبر حتى يكون الرحمن الذي ينتصر له .
وقال الحسن : وعظني بهذا الحديث جندب بن عبد الله ، وقال جندب :
وعظني بهذا الحديث رسول الله صلى الله عليه واله ، وقال : حق على كل
مسلم تعلمه وحفظه ».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام لمولاه نوف الشامي ، ووهو معه في
السطح : «يانوف ، أرامق أنت أم نبهان ؟ قال : قال نبهان أرمقك يا
أمير المؤمنين ، قال : هل تدري من شيعتي ؟ قال : لا والله ، قال :
شيعتي الذبل الشفاه ، والخمص البطون ، الذين تعرف الرهبانية
والربانية في وجوههم ، رهبان بالليل اُسد بالنهار، الذين إذا أجنهم
الليل اتّزروا على أوساطهم ، وارتدوا على أطرافهم ، وصفوا أقدامهم ،
وافترشوا جباههم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يجأرون إلى الله في
فكاك رقابهم ، وأما النهار فحلماء، وعلماء، كرام ، نجباء، أبرار،
أتقياء.
يانوف ، شيعتي الذين اتخذوا الأرض بساطاَ، والماء طيباً، والقرآن
شعاراً، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفقدوا، شيعتي الذين في
قبورهم يتزاورون ، وفي أموالهم يتواسون ، وفي الله يتباذلون .
يانوف ، درهم ودرهم ، وثوب وثوب ، وإلاّ فلا، شيعتي من لم يهر هرير
الكلاب ، ولم يطمع طمع الغراب ، ولم يسأل الناس ولومات جوعاً، إن
رأى مؤمناً أكرمه ، وإن رأى فاسقاً هجره هؤلاء - والله يانوف -
شيعتي ، شرورهم مأمونه، وقلوبم محزونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم
عفيفة، اختلفت بهم الأبدان ولم تختلف قلوبهم .
قال : قلت : يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - أين أطلب هؤلاء؟
قال : فقال لي : «في أطراف الأرض .
يا نوف ، يجيء النبي صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذاً بحجزة
ربه جلّت اسماؤه - يعني بحبل الدين وحجزة الدين - وأنا اخذ بحجزته ،
وأهل بيتي اخذون بحجزتي ، وشيعتنا اخذون بحجزتنا، فإلى أين؟ إلى
الجنة ورب الكعبة - قالها ثلاثا-»(152)
عن نوف البكالي ، قال : عرضت لي إلى أمير المؤمنين عليه السلام
حاجة، فاستسعيت إليه جندب بن زهير والربيع بن خيثم وابن أخيه همام
بن عبادة، وكان من أصحاب البرانس ، فأقبلنا معتمدين لقاء أمير
المؤمنين ، فألفيناه حين خرج إلى المسجد، فأفضى ونحن معه إلى نفر قد
أفاضوا في الأحدوثات تفكهاً، فلما أشرف لهم أسرعوا إليه قياماً،
فسلموا فرد التحية ثم قال : «من القوم ؟» .
قالوا: اُناس من شيعتك ، يا أمير المؤمنين .
فقال لهم خيرا، ثم قال : «يا هؤلاء، مالي لا أرى فيكم سمة الشيعة
وحليتهم ؟» فأمسك القوم حياء، قال نوف : فأقبل عليه جندب والربيع
فقالا: ما سمة شيعتكم ، يا أمير المؤمنين ؟ فتثاقل عن جوابهما وقال
: «اتقيا الله - أيها الرجلان - وأحسنا، فإن الله مع الذين اتقوا
والذين هم محسنون » فقال همام بن عبادة - وكان عابداً متزهداً
مجتهداً - : أسألك بالذي أكرمكم -أهل البيت - وخصكم وحباكم وفضلكم
تفضيلاً لما انبأتنا بصفة شيعتكم ؟ فقال : «لا تقسم فسأنبئكم
جميعاً» وأخذ بيد همام فدخل المسجد فصلى ركعتين أوجزهما وأكملهما،
ثم جلس وأقبل علينا، وحف القوم به ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى
على النبي صلى الله عليه واله ، ثم قال :
«أما بعد: فإن الله - جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه - خلق خلقه فألزمهم
عبادته ، وكلّفهم طاعته ، وقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم في الدنيا
بحيث وضعهم ، وهوفي ذلك غني عنهم ، لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا
تضرِّه معصية من عصاه منهم ، لكنه علم تعالى قصورهم عمّا تصلح عليه
شؤونهم ، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم ، فارتبطهم بإذنه في
أمره ونهيه ، فأمرهم تخييراً، وكلّفهم يسيراً، وأثابهم كثيراً،
وأماز بينهم سبحانه بعدل حكمه وحكمته ، بين الموجف (153) من أنامه
إلى مرضاته ومحبته ، وبين المبطئ عنها والمستظهر منهم على نعمته
بمعصيته ، فذلك قول الله عز وجل :( ام حسب الذين اجترحوا السيئات أن
نجعلهم كالذين امنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما
يحكمون)(154).
ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة
فقال : «ألا من سأل عن شيعة أهل البيت ، الذين أذهب الله عنهم الرجس
وطهّرهم في كتابه مع نبيه تطهيراً، فهم العارفون بالله، العاملون
بأمر الله ، أهل الفضائل والفواضل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم
الاقتصاد، ومشيهم التواضع ، بخعوا(155) لله تعالى بطاعته ، وخضعوا
له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم ، واقفين
أسماعهم على، العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت
منهم في الرخاء، رضى منهم لله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله
لهم ، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقاَ إلى لقاء
الثواب ، وخوفاً من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه
عينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم على أرائكها متكئون ، وهم
والنار كمن قد دخلها، فهم فيها معذّبون ، قلوبهم محزونة، وشرورهم
مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، وومعونتهم
في الإسلام عظيمة، صبروا أياماً قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، وتجارة
مربحة يسّرها لهم رب كريم .
اُناس أكياس ، أرادتهم الدنيا فلم يُريدوها ، ووطلبتهم فأعجزوها ،
أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، تالون لأجزاء القران يرتلونه ترتيلاً،
يعظون أنفسهم بأمثاله ، يستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة مفترشون
جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ،
يمجّدون جباراً عظيماً، ويجأرون إليه - جلّ جلاله - في فكاك رقابهم
. هذا ليلهم ، وأمّا النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء، براهم (156)
خوف بارئهم ، فهم أمثال القداح (157)، يحسبهم الناظر إليهم مرضى وما
بالقوم من مرض ، أوقد خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربهم وشدة
سلطانه أمر عظيم ، طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا
استقاموا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية، لا يرضون
له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن
أعمالهم مشفقون ، إن بهي أحدهم خاف مما يقولون ، وقال : أنا أعلم
بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ،
فاجعلني خيراً مما يظنون ، واغفر لي مالا يعلمون ، فإنك علام الغيوب
وساتر العيوب .
هذا، ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين ، وحزماً في لين ،
وإيمانا في يقين ، وحرصاً على علم ، وفهماً في فقه ، وعلماً في حكم
، وكيساً في رفق ، وقصداً في غنى، وتجملاً في فاقة، وصبراً في شدة،
وخشوعاً في عبادة، ورحمة للمجهود، وإعطاءَ في حق ، ورفقاً في كسب ،
وطلباً في حلال ، وتعفّفاَ في طمع ، وطمعاً في غير طبع - أي دنس -
ونشاطاً في هدى، واعتصاماَ في شهوة، وبراً في استقامة، لا يغرّه من
جهله ، ولا يدع أحصاء ما عمله ،يستبطئ نفسه في العمل ، وهومن صالح
عمله على وجل ، يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمّه الفكر، يبيت حذراً من
سنة الغفلة، ويصبح فرحاً لما أصابه من الفضل والرحمة، إن استصعبت
عليه نفسه فيما يكره ، لم يعطها سؤلها فيما إليه تشره (158) ،
ورغبته فيما يبقى ، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل ،
والعمل بالحلم ، يظل دائماً نشاطه ، بعيداَ كسله ، قريباً أمله ،
قليلاً زلَله ، متوقعاً أجله ، خاشعاً قلبه ، ذاكراً ربه ، قانعةً
نفسه ، غارباً جهله ، محرزاً دينه ، ميتاَ داؤه كاظماً غيظه ،
صافياً خلقه ، امناً منه جاره ، سهلا امره ، معدوماً كبره ، ثبتاً
صبره ، كثيراً ذكره ، لا يعمل شيئاً من الخير رياء، ولا يتركه
حياءً، الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون ، إن كان بين الغافلين
كّتب من الذاكرين ، وإن كان بين الذاكرين لم يكتب من الغافلين .
يعفو عمن ظلمه ، ويعطي من حرمه ة ويصل من قطعه ، قريباً معروفه ،
صادق قوله ، حسن فعله ، مقبل خيره ، مدبر شره ، غائب مكره ، في
الزلازل وقور، وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور، لا يحيف على ما
يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب ، ولا يدّعي ما ليس له ، ولا يجحد ما عليه
، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه ، لا يضيع ما استحفظ ، ولا ينابز
بالألقاب ، لا يبغي على أحد، ولا يغلبه الحسد، ولا يضار بالجار، ولا
يشمت بالمصاب ، مؤد للأمانات ، عامل بالطاعات ، سريع إلى الخيرات
،بطيء عن المنكرات ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر
ويجتنبه ، لا يدخل فى الأمور بجهل ، ولا يخرج من الحق بعجز، إن صمت
لم يعبه الصمت ، وإن نطق لم يعبه اللفظ ، وإن ضحك لم يعلُ به صوته ،
قانع بالذي قدر له ، لا يجمح به الغيظ ، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره
الشح .
يخالط الناس ليعلم ويفارقهم ليسلم ، يتكلم ليغنم ، ويسأل ليفهم ،
نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أراح الناس من نفسه ،
وأتعبها لآخرته ، إن بُغي عليه صبر ليكون الله هو المنتصر له ،
يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله ، فهو قدوة لمن خلف من طالب البر
بعده .اُولئك عمال الله ، ومطايا أمره وطاعته وسرج أرضه وبريته ،
اُولئك شيعتنا وأحبتنا ، ألا، ها شوقاً إليهم » .
فصاح همام بن عبادة صيحة ووقع مغشياً عليه ، فحركوه فإذا هو قد فارق
الدنيا رحمة الله عليه . واستعبر الربيع باكياً وقال : لأسرع ما
أودت موعظتك - يا أمير المؤمنين - بابن أني ، ولوددت اني بمكانه
.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «هكذا تصنع المواعظ البالغة
بأهلها ، أما - والله - لقد كنت أخافها عليه» .
فقال له قائل : فما بالك أنت يا أمير المؤنين ؟ فقال :«ويحك ، ان
لكل واحد أجلاً لن يعدوه ، وسبباَ لن يتجاوزه ، فمهلاَ لا تعد لها،
فإنما نفثها على لسانك الشيطان ».
قال: فصلى عليه أمير المؤمنين عشية ذلك اليوم وشهد جنازته ، ونحن
معه .
قال الراوي عن نوف : فصرت إلى الربيع بن خيثم فذكرت له ما حدثني نوف
، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تغيظ ، وقال : صدق أخي ، لا جرم ان
موعظة أمير المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرأىً ومسمع ، وما ذكرت ما كان
من همام بن عبادة - يومئذ - وأنا في بُلَهْنية (159) إلا كدرها، ولا
شدة إلا فرّجها(160).
وروى الفضيل بن يسار(161)عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «إن
شيعة علي عليه السلام كانوا المنظور إليهم، وأصحاب الودائع في
الودائع ، مرضيين عند الناس ، شهب الليل مصابيح النهار».
وقال عليه السلام : «الناس ثلاثة أصناف : صنف تزينوا بنا، وصنف
أكلوا بنا، وصنف اهتدوا بهدانا واقتدوا بأمرنا، وهم أقل الأصناف ،
اُولئك الحكماء السعداء النجباء الفقهاء العلماء الحلماء».
وقال أبو جعفر عليه السلام للفضيل بن يسار: «يا فضيل، تأتي الجبل
تنحت منه ، والمؤمن لا يستقل منه شيء» .
قال عليه السلام لأبي المقدام ؟ «إنما شيعة على الشاحبون الناحلون
الذابلون ، ذابلة شفاههم ، مصفرة وجوههم ، متغيرة ألوانهم، خميصة
بطونهم ، إذا جنهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً ، وترابها بساطاً ،
وماءها طيباً ، والقران شعاراً ، والدعاء دثاراً ، كثير سجودهم ،
غزيرة دموعهم ، كثير دعاؤهم ، كثير بكاؤهم ، يفرح الناس وهم محزونون
، (162) .
وقال جابر بن يزيد الجعفي : دخلت على مولاي أبي جعفر الباقر عليه
السلام فقال : «يا جابر، ليس من انتحل التشيع وحبنا أهل البيت
بلسانه كان من شيعتنا، فلا تذهبن بكم المذاهب ، فوالله ما شيعتنا
إلاّ من اتقى الله وأطاعه ، إن شيعتنا لا يطمعون طمع الغراب ،
ولايهرون هرير الكلاب ، وإن شيعتنا أهل التواضع والتخشع ، والتعبد
والورع والاجتهاد، وتعهد الأخوان، ومواصلة الجيران والفقراء
والمساكين والأرامل والأيتام والغارمين ، وصدق الحديث ، وأداء
الأمانة، وصلة الأرحام ، وتلاوة القران ، وكثرة الذكر لله تعالى،
وكف الألسن إلاّ من خير» .
فقال جابر: يا مولاي ، ما أعرف أحداً اليوم بهذه الصفات .
فقال : «يا جابر، حَسِبَ الرجل ان يقول اُحب علياً وأتولاه ، ولا
يكون مع ذلك عاملاً بقوله! فلو قال : اُحب رسول الله - فرسول الله
خير من علي - ولم يتبع سيرته، ولم يعمل بسنته ، ما أغنى عنه ذلك من
الله شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، فإن أحب العباد إلى
الله أعملهم بطاعته وأتقاهم له ، وإنه ليس بين الله وبين أحد قرابة،
وما معنا براءة من النار، ولا لنا على الله من حجة، من كان طائعاً
لله فهو لنا ولي ولو كان عبداً حبشياً، ومن كان عاصيا لله فهو لنا
عدو وإن كان حراً قرشياً.
والله ما تنال شفاعتنا الا بالتقوى والورع والعمل الصالح ، والجد
والإجتهاد، فلا تغتروا بالعمل ويسقط عنكم (163)، فاذن أنتم أعز على
الله منا، فاتقوا الله وكونوا لنا زيناً ولا تكونوا لنا شيناً،
قولوا للناس حسناً، حببونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم ، قولوا
فينا كل خير، وادفعوا عنا كل قبيح، وجروا إلينا كل مودة، فما قيل
فينا من خير فنحن أهله ،وما قيل فينا من شر فلسنا كذلك ، لنا حق في
كتاب الله، وقرابة من رسول الله ، وولادة طاهرة طيبة، فهكذا قولوا،
ولا تعدوا بنا أقدارنا، فإنما نحن عبيد الله مربوبون ، لانملك إلاّ
ما ملكنا، ولا نأخذ إلاّ ما أعطانا، لا نستطيع لأنفسنا نفعاً ولا
ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، لا والله لا أعلم -أنا، ولا
أحد من آبائي- الغيب ، ولا يعلم الغيب إلاّ الله ، كما قال سبحانه :
(إن الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما
تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم
خبير)(164) ».
اكثر قراءة