akdak

المقالات

قسم الحوزة العلمية

طالب العلم - والسيرة الأخلاقية قطع العلائق المانعة من تحصيل العلم

227

---------

 

أن يقطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة ، والعلائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد ، وقوّة الجدّ في التحصيل ، ويرضى ما تيسّر من القوت وإن كان يسيراً وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقاً ، فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم ، والعلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك .

أكتفي بقصّة واحدة من حياة المحقّق العالم الربّاني الملاّ محمّد مهدي النراقي صاحب ( جامع السعادات ) من خيرة المصنّفات في علم الأخلاق .

« كان في بداية تحصيله في غاية الفقر والفاقة بحيث لم يكن قادراً على إشعال قنديل للمطالعة ، فكان يستفيد من قنديل بيت الخلاء للمطالعة ، وإذا جاء أحد إلى بيت الخلاء ، كان يتنحنح إشارة منه إلى أ نّه مشتغل بقضاء الحاجة ، فلا يعرف أحد بالأمر ويخجل .

هذا الرجل العظيم ـ وهكذا كلّ العظماء ـ قطع كلّ ما يشغله عن دراسته ، حتّى الرسائل التي كانت ترسل إليه من أهله ووالده ، كان يبقيها مقفلة لا ينظر إليها حتّى لا يوجب ذلك شرود ذهنه ، ويضع الرسائل تحت الفراش ، وعندما قُتل والده فبأمر من اُستاذه وبمعيّته ذهب إلى نراق ، وبعد ثلاثة أيّام رجع إلى مدرسته وهو شديد الشوق لتحصيل العلوم العقليّة والنقليّة ، ولمّـا أكمل دراسته وسكن في كاشان وكانت خالية من العلماء ، وببركته مُلئت من العلماء والفضلاء ، وصار مرجع ومحطّ رحال الرجال الكُمّل الأفاضل ، وظهر الكثير من العلماء من تلامذته »[1].

 

الأمر  الرابع - عدم  الزواج  المبكّر

 

 

أن يترك التزويج حتّى يقضي وطَرَه من العلم ، فإنّه أكبر شاغل وأعظم مانع ، حتّى قيل : ذبح العلم في فروج النساء ، ومن احبّ أفخاذ ـ اتّخاذ ـ النساء لم يفلح .

ثمّ يقول الشهيد الثاني (قدس سره) : ولا يغترّ طالب العلم بما ورد في النكاح من الترغيب ، فإنّ ذلك حيث لا يعارضه واجب أولى منه ، ولا شيء أولى ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم ، سيّما في زماننا هذا ...

أقول : إنّما يترك الزواج لمن تمكّن من حفظ نفسه أن لا يقع في اللذائذ المحرّمة ، وإلاّ فإنّه يكون واجباً من مقدّمة الواجب واجب ، ولا يصحّ ترك الواجب من أجل عمل مندوب ، وطلب العلم أكثر من المسائل المبتلى بها مستحبّ في نفسه ، فتدبّر .

كان اُستاذي في الأخلاق في مقام النصيحة يقول: إذا كان بإمكان طالب العلم أن لا يتزوّج مبكّراً فليفعل ، فإنّ من يقدر على حفظ نفسه من التلوّث بالذنوب ، فعدم الزواج أفضل له ، لأنّ المرأة والأولاد بمنزلة القيود والسلاسل لطالب العلم ، فكثيراً ما تمنعه عن مواصلة الدراسة والتحقيق والتدقيق ، وينشغل ذهنه باُمور المعاش والمأكل والملبس والمسكن ، لا سيّما في عصرنا هذا ، فإنّ الحياة لطالب العلم من دون دغدغة صعبة جدّاً ، فمن أراد أن يتوفّق في تحصيل العلوم والفنون ويفوق فيها الأقران ، فعليه أن يكمل درسه في مرحلتي المقدّمات والسطوح ويدخل في درس خارج الاُصول والفقه لسنتين وما يزيد، فحينئذ يقدم على الزواج، وقد تزوّج الإمام الخميني وعمره خمسة وعشرون سنة ، وقد ألّف وصنّف في الفقه والاُصول والفلسفة والعرفان وعمره ثلاث وعشرون سنة ، فاعتبروا يا اُولي الأبصار .

لقد عرفنا في المقدّمة والفصول التي مرّت أهميّة الأخلاق في حياة طالب العلوم الدينيّة ، وبعض الآداب التي لا بدّ من مراعاتها ، حتّى يتوفّق في طلب العلم النافع والعمل الصالح . وبقيت الآداب والأخلاق الحميدة الاُخرى ، وهي كما يلي :

 

 

الأمر  الخامس - ترك  العِشرة

 

 

أن يترك العِشرة مع من يشغله عن مطلوبه ، فإنّ تركها من أهمّ ما ينبغي لطالب العلم ، وأعظم آفات العِشرة ضياع العمر بغير فائدة ، وذهاب العرض والدين إذا كانت لغير أهل .

والذي ينبغي لطالب الحوزة العلمية أن لا يخالط إلاّ لمن يفيده أو يستفيد منه ، أي يغدو إمّا عالماً ربّانياً ; أو متعلّماً على سبيل النجاة ، ولا يكن الثالث همجٌ رعاع ، وإن احتاج إلى صاحب وصديق وزميل فليختر الصاحب الصالح[2] ، الديّن التقي الذكي الورع ، الذي يعين على اُمور دينه ودنياه وآخرته ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه ، وإن احتاج واساه ، وإن ضجر صبّره . فيستفيد من خلقه ملكة صالحة ، فإنّ المرء يكسب من قرينه أخلاقه وملكاته ، وإن لم يتّفق مثل هذا العبد الصالح ، فإنّ الوحدة خيرٌ له من قرين السوء ، وإنّ الصبر على الوحدة في مثل هذه المواقف من قوّة العقل ، وقطعيّة الجاهل تعدل صلة العاقل .

وقد حثّ علماء الأخلاق على ترك العشرة المانعة من تحصيل العلم ، بل لا بدّ لمن آثر الله على من سواه من العزلة في ابتدائه توحّشاً من غير الله ، ومن الخلوة في انتهائه اُنساً بالله ، وقد ورد في الخبر الشريف عن الإمام العسكري (عليه السلام) : « من استأنس بالله استوحش من الناس »[3].

والسيّد الإمام الخميني في كتابه « الجهاد الأكبر » يرى أ نّه من الحريّ لطالب العلم أن يبقى في الحوزة في مقام تهذيب نفسه ولو كان يستلزم ذلك خمسون سنة ، ثمّ بعد ذلك يخرج إلى المجتمع ، حتّى لا يتلوّث قبل تكميل نفسه بأوساخ المجتمع ، ولا يتغيّر بأهوائهم والأجواء التي يخلقونها ، بل يكون هو صاحب التصميم والقرار وهو الذي يلوّن المجتمع بصبغة الله ، لا أ نّه يتلوّن بألوانه وينجرف مع سيله ، حتّى يفقد دينه ـ والعياذ بالله ـ .

وروايات العزلة على نحوين ، كما في كتاب « المحاسن والمساوئ » ، منها تذمّ العزلة ، ومنها تمدح ، والجمع بينها ، كما هو واضح أنّ التي تحثّ على الاتّصال مع الناس لهدايتهم على أنّ هدف الأنبياء ذلك ، والعلماء ورثة الأنبياء ، إنّما ناضرة إلى من أكمل نفسه وهذّبها ، ووهبه الله قدرة إمامة الناس وسوقهم وهدايتهم إلى وادي السعادة والهناء ، وأمّا طالب العلم في بداية مسيرته العلميّة والاجتماعيّة ، فإنّه بحاجة ماسّة إلى العزلة الممدوحة ، التي يستتبعها العلم والتقوى وجهاد النفس ورجاحة العقل وكمال الأدب .

اُنظر إلى مدح الله أصحاب الكهف في قوله تعالى :

( وَإذِ اعْتَزَلـْتُموهُمْ وَما يَعْبُدونَ إلاّ اللهَ فَأوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مرْفقاً )[4].

( وَأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعونَ مِنْ دونِ اللهِ وَأدْعو رَبيِّ عَسى أنْ أكونَ بِدُعاءِ شَقِيَّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدونَ مِنْ دونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَكُلاّ جَعَلـْنا نَبِيَّاً )[5].

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« العزلة عبادة ».

« قال الله عزّ وجلّ : إنّ من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا خطر أحسن عبادة ربّه في الغيب ، وكان غامضاً بين الناس ، جعل رزقه كفافاً فصبر عليه ، مات فقلّ تراثه وقلّ بواكيه ».

« إنّ أغبط أولياء الله عبدٌ مؤمنٌ خفيف الحال ذو حظٍّ من الصلاة أحسن عبادة ربّه وأطاعه في السرّ ، وكان غامضاً في الناس لا يُشار إليه بالأصابع ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« العزلة أفضل شيم الأكياس ».

« في اعتزال أبناء الدنيا جماع الصلاح ».

« الوصلة بالله في الانقطاع عن الناس ».

« من انفرد عن الناس أنس بالله سبحانه ».

« لا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس ».

« ملازمة الخلوة دأب الصلحاء ».

« سلامة الدين في اعتزال الناس ».

« من اعتزل الناس سلم من شرّهم ».

« مداومة الوحدة أسلم من خلطة الناس ».

« كان لقمان (عليه السلام) يطيل الجلوس وحده ، وكان يمرّ به مولاه فيقول : يا لقمان ، إنّك تديم الجلوس وحدك ، فلو جلست مع الناس كان آنس لك . فيقول لقمان : إنّ طول الوحدة أفهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طريق الجنّة ».

« من حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن حكم ، قال (عليه السلام) : الصبر على الوحدة علامة على قوّة العقل ، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند الله ، وكان الله أنيسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ومعزّه من غير عشيرة ».

« قال الإمام الصادق (عليه السلام) : إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل ، فإنّ عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنّع ولا تداهن ».

« كان شخص يبكي عند قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : إنّ اليسير من الرياء شرك ، وإنّ الله سحبّ الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ».

« يقول الإمام العسكري (عليه السلام) : الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم ».

« قال الإمام الصادق (عليه السلام) : خالط الناس تخبرهم ، ومتى تخبرهم تقلّهم ».

« قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من عرف الله توحّد ، من عرف الناس تفرّد ».

« ولمّـا سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن علّة اعتزاله ؟ قال : فسد الزمان وتغيّر الإخوان ، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد »[6].

ولنا روايات كثيرة تمدح العزلة بشرطها ، كما أنّ العرفاء حثّوا طلاّب السير والسلوك في بداية أمرهم على ذلك .

فقيل : ما اختار الخلوة على الصحبة فينبغي أن يكون خالياً عن جميع الأذكار إلاّ ذكره ، وعن جميع الإرادات إلاّ أمره ، وعن جميع مطالبات النفس إلاّ حكمه .

الوحدة جليس الصديقين وأنيس الصادقين ، ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحديثك المناجاة ، فإمّا أن تموت وإمّا أن تصل .

وكان بعض العارفين يصيح : الإفلاس الإفلاس ! فقيل : وما الإفلاس ؟ قال : الاستيناس بالناس .

ودخل تلميذ على شيخه وكان وحيداً في داره ، فقال : أما تستوحش في هذه الدار وحيداً ؟ فقال : ما كنت أظنّ أنّ أحداً استوحش مع الله ، وقال آخر في الجواب ، لمّـا دخلت صرت وحيداً ، فإنّي كنت مشغولا ومستأنساً بربيّ .

إرضَ بالله صاحباً وذر الناس جانباً ، كفى بالله محبّاً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً .

صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة ، وفرّ من الناس فرارك من الأسد ، واتّخذ الله مؤنساً .

قال بعض الحكماء : إنّما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه ، فيتكثّر حينئذ بملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة ونفسه كاملة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويتفرّغ لاستخراج العلم والحكمة .

وفي بعض الآثار : وجدنا خير الدنيا والآخرة في الخلوة والقلّة ، وشرّهما في الكثرة والخلطة .

وفي بعضها : إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة آنسه بالوحدة ، وأغناه بالقناعة ، وبصّره عيوب نفسه ، ومن اُعطي ذلك اُعطي خير الدارين .

ومن فوائد العزلة : السلامة من الآفات ، وترك النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها ، ومنع النفس من التطلّع إليها ومنافسة الناس عليها . قال الله تعالى :

( وَلا تُمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فيهِ )[7].

وإنّها خالعة عنك ذلّ الإحسان ، وقاطعة رقّ الأطماع ، ومفيدة عزّ الناس عن الناس ، ومن آثر العزلة حصل العزّ له ، ومعاشرة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار .

العزلة تستر الفاقة ، وتكفّ جلباب التجمّل ، إنّها معينةٌ لمن أراد نظراً في علم ، أو إثارة لدفين رأي ، واستنباطاً لحكمة ، لأنّ شيئاً منها لا يتمّ إلاّ مع خلاء الذرع وفراغ القلب ، ومخالطة الناس ملغاة ومشغلة .

وقال بعض الحكماء : من الطيور من جعل راحته في اعتزال العمران ، وآثر المواضع النائيه عن الناس ، فليتشبّه به من أراد النظر في كتب الحكمة .

وقال بعض الأخيار : لا يتمكّن أحد من الخلوة إلاّ بالتمسّك بكتاب الله ، والمتمسّكون بكتاب الله هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله ، الذاكرون الله بالله ، عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ، ولقوا الله بذكر الله .

وقيل لبعض العبّاد ، ما أصبرك على الوحدة ! فقال : ما أنا وحدي ، أنا جليس الله جلّ وعزّ ! إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه ، وإذا أردت أن اُناجيه صلّيت .

وكان بعضهم يلزم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك ، فقال : لم أرَ أسلم من وحدة ، ولا صاحباً أوعظ من قبر ، ولا جليساً أمنع من دفتر .

كان بعض العارفين يقول : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة . وكان يقول : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه ، فليعتزل الناس ويستوحش من الأغنياء وليجانب السلطان كما يجانب الرجل السباع الضارية والهوام العادية .

وعن بعض الحكماء حين قيل له : لماذا رفضت الناس ؟ فقال : لم أرَ إلاّ عدوّاً يداجيني بعداوته ، وصديقاً يعدّ عليّ معايبي في أيام صداقته .

 

وطالب العلم إنّما يستأنس بكتبه ، وإنّ الكتب بساتين العلماء .

وكتبك حولي لا تفارق مضجعي *** وفيها شفاء للذي أنا كاتم

كأ نّي سقيمٌ قد اُصيب فؤاده *** وهنّ حواليَّ الرقا والتمائم

 

وقال بعض العرفاء : العزلة في الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة ، لا الانقطاع عن الإخوان والتنائي عن الأوطان ، فلهذا قيل للعارف : ( كائن بائن ) أي كائن مع الخلق ، بائن عنهم بالسرّ ، كما ورد في الأثر : ( كن مع الناس ، ولا تكن معهم ) ، أي : كن معهم بالأجساد ، ولا تكن بالأرواح ، فإنّ المؤمن تعلّقت روحه بالملأ الأعلى ، فإنّه يستأنس بالله ويطمئنّ قلبه بذكر الله سبحانه .

والعقلاء إنّما يختارون العزلة لفوائدها الجمّة ، ولقلّة إخوان الصفا وخُلاّن الوفاء ، وقد علموا أنّ المعاشرة مع الأبرار الصالحين والأخيار المتّقين ، أفضل من الوحدة والانفراد والعزلة ، ومن يترك الأخيار اختياراً ابتلي بالأشرار اضطراراً ، فإن لم نجد من يتحلّى بالعقل ، ولم يتجمّل بالعلم والفضل والأدب ، لزمنا زوايا البيوت والمدارس ، وتوكّلنا على الحيّ الذي لا يموت[8] ، ونعمل بما قاله الإمام الكاظم (عليه السلام) : « قطيعة الجاهل تعدل صلّة العاقل ».

هذا وكبار علمائنا الأعلام في وصاياهم لأولادهم وتلامذتهم ، كانوا يحثّونهم على اختيار العزلة ، عند فساد الزمان .

ومن وصايا سيّدنا الاُستاذ السيّد النجفي المرعشي (قدس سره) : وبتقليل المعاشرة ، فإنّ المعاشرة والدخول في نوادي الناس في هذه الأعصار محظور مخطور ، قلّما يرى ناد يخلو عن البهت والغيبة في حقّ المؤمنين والإرزاء بهم ، وتضييع حقوقهم واُخوّتهم .

من الآداب والأخلاق الطيّبة التي لا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقيّة من مراعاتها ، هي كما يلي ـ عطفاً على ما سبق ـ :

 

الأمر  السادس - الحرص  على  التعلّم

 

 

أن يكون حريصاً على التعلّم مواظباً في جميع أوقاته ليلا ونهاراً سفراً وحضراً ، فلا يشتغل بغير طلب العلم أو ما هو ضروري في الحياة من أكل ونوم وما شابه ذلك ، وإنّ من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه خيرٌ من أمسه فبطن الأرض خيرٌ له من ظهرها ـ كنابة عن الموت ، وأنّ الحياة حينئذ لا قيمة لها ـ ولا يستطاع العلم براحة الجسد ، وإنّ الجنّة دار النعيم التي فيها ما لم يخطر على قلب بشر ، إنّما حُفّت بالمكاره والصعاب ، وإنّ من طلب العلى سهر الليالي .

وما أكثر الخواطر والقصص من حياة علمائنا الأعلام في هذا الباب ، كان سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني يقول : وكم من ليلة غرقت في المطالعة فلم أنتبه على نفسي إلاّ بصوت مؤذّن صلاة الصبح . وكم من مرّة وضعت زوجة آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) العشاء من أوّل الليل في غرفة زوجها ، فتأتي صباحاً وترى الأكل لا يزال على ما كان ، وكان السيّد مشغولا بالمطالعة حتّى الصباح .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« من لم يصبر على ذلّ التعلّم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبداً ».

« ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلاّ كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة ».

قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) :

« لا يستحينّ أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه ».

« تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه حسنة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وهو أنيس في الوحشة ، وصاحب في الوحدة ، وسلاح على الأعداء ، وزين الأخلاّء ، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمّة يقتدى بهم ، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم ».

« في صفة المتّقين : من علامة أحدهم أ نّك ترى له قوّة في دين وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ، وعلماً في حلم ».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« كان فيما وعظ لقمان ابنه ، أ نّه قال له : يا بني ، اجعل في أيّامك ولياليك نصيباً لك في طلب العلم ، فإنّك لن تجد تضييعاً مثل تركه ».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « العلم رأس الخير كلّه ، والجهل رأس الشرّ كلّه ».

« العلم حياة الإسلام وعماد الدين » ، أقرب الناس إلى درجة النبوّة أهل العلم والجهاد ، مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء ...

 

الأمر  السابع - علوّ  الهمّة

 

 

أن يكون عالي الهمّة ، بعيد النظر ، كما قال أمير المؤمنين لولده محمّد بن الحنفيّة في ساحة الوغى : « اُنظر إلى أقصى القوم » ، وإنّ من ينظر إلى قمّة الجبل فإنّه يهون عليه صعوده ، ولا يتهيّب من وعره وصعوبة طريقه ، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير ، ولا يؤجّل عمل اليوم إلى غد ، ولا عمل الساعة إلى بعدها ، فإنّ في التأخير آفات ، وخير البرّ عاجله ، وإنّ للساعة الثانية عملها ، فلا بدّ من السير الدؤوب المتواصل ، ولا يخافه قول حذار ، ولا تعيقه في السير عوائق ، بل يتجاوز العقبات والموانع والقواطع بحزم وعزم وصبر ومثابرة ، والوقت سيف فإن قطعته وإلاّ قطعك ، والليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما .

واعلم أنّ أنفس شيء وأعظم شيء في الحياة هو العلم ، فإنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يقول : « لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج » ، فمثل هذا الأمر الخطير يحتاج إلى أعلى مراتب الهمّة وأقوى درجات الإرادة ، وغاية الشوق ونهاية العشق ، ولِمَ لا يكون كذلك وسبحانه وتعالى يقول :

( هَلْ يَسْتَوي الَّذينَ يَعْلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ اُولو الألـْبابِ )[9].

( يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ اُوتوا العِلـْمَ دَرَجات )[10].

 

الأمر  الثامن - رعاية  ترتّب  العلوم

 

 

أن يأخذ في ترتيب التعلّم بما هو اولى ، ويبدأ في مقام التزاحم في الامتثال بالأهمّ فالأهمّ ، ولا يشتغل في النتائج قبل المقدّمات ، كما لا يطفر من كتاب إلى آخر قبل إتمامه ودراسته . فليحذر من التنقّل من كتاب إلى آخر ومن فنّ إلى غيره من غير موجب ، فإنّ ذلك علامة الضجر وعدم الفلاح ، ومن ضجر وكسل فإنّه يفوت منه الحقّ ، ويقصّر فيه . كما لا يختلف في كلّ برهة قصيرة وأيام معدودة عند عالم وآخر ، وبين ليلة وضحاها ، تجده قد ختم الكتب العقلية والفلسفية ، ويدّعي الربوبية في علمه ، وينتظر من الناس أن يقدّسونه ويلقّبونه بآية الله وإنّه العظمى ـ كما ابتلينا في عصرنا وحوزتنا بمثل هذه النماذج الضعيفة في الشخصية الفارغة من المحتوى والأخلاق الإسلامية ، تراهم سرعان ما يتلهّفون إلى جمع المردة وفتح المكاتب والبرّانيات ، وطبع الرسائل العملية أو دونها ، ويحبّون جمع المال حبّاً جمّاً ، ويحسبون أ نّهم يحسنون صنعاً ـ بل لطالب العلم الذي يفكّر في تهذيب نفسه أن يتريّث ويتمهّل ويسعى بكلّ طاقته أن يصلح نفسه أوّلا ، ولو كان ذلك يستلزم سنين بل ( وعلى حدّ تعبير الإمام الخميني (قدس سره) في كتابه « الجهاد الأكبر » ) لو كان ذلك إلى خمسين سنة ، فلا يتقبّل المسؤوليات الاجتماعية قبل أن يكمل نفسه ، ولماذا هذه العجلة ؟ ! فإنّه إن كنت من أهل الرئاسة الصالحة التي تنفعك في دينك ، فإنّها تأتيك ذليلةً حقيرة ، وحينئذ لا يُبال لو خرجت منه ، كما لا يرتكب المحرّمات من أجل حدوثها وبقائها ، فإنّه :

كلّ من أخذ البلاد بغير حرب *** يهون عليه تسليم البلادِ

وأمّا من همّ بالرئاسة فهو ملعون ، بعيد عن رحمة الله سبحانه ، كما ورد في الروايات الشريفة ، وهلك من يخفق خلفه النعال .

وهناك من المعمّمين من علماء السوء من يطيل لحيته ويزيد في قطر عمامته ، ويسطّر الألقاب قبل اسمه ، ليغرّ بها عوامّ الناس ، وليكسب المال منهم ، ويحضى باحترامهم ، وتقبيل يده الأثيمة . وقد غفل أنّ الزبد يذهب جفاء ، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

واعلم أنّ العمر لا يتّسع لجميع العلوم ، فالحزم أن يأخذ من كلّ علم أحسنه ، ويصرف جمام قوّته في العلم الذي هو أشرف العلوم ، وهو العلم النافع في الآخرة ، ممّـا يوجب كمال النفس وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة والأعمال الصالحة والأفعال الطيّبة ، ومرجعه إلى معرفة الكتاب الكريم ، كتاب الله الحكيم ، والسنّة الشريفة المتمثّلة بقول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره ، وعلم مكارم الأخلاق وما ناسبه[11].

واعلم أنّ لكلّ علم من هذه العلوم مرتبة من التعلّم ، لا بدّ لطالبه من مراعاتها لئلاّ يضيع سعيه أو يعسر عليه طلبه ، وليصل إلى بُغيته بسرعة ، وكم قد رأينا طلاّباً للعلم سنين كثيرة ، لم يحصلوا منه إلاّ على القليل ، وآخرون حصّلوا منه كثيراً في مدّة قليلة ، بسبب مراعاة ترتيبه ونظامه .

ثمّ الغرض الأوفى من هذه العلوم ليس مجرّد العلم بها ، بل المقصود موافقة مراد الله تعالى منها والتقرّب إليه بها ، إمّا بالآلية ، أو بالعلم ، أو بالعمل ، أو بإقامة نظام الوجود ، أو إرشاد عباده إلى ما يراد منهم ، أو غير ذلك ، من المطالب السنيّة الدينية والدنيوية ، وبسبب ذلك يختلف ترتيب التعلّم وتقدمة بعض العلم على بعض من حيث المدارسة والمطالعة ، ومن حيث الكمّ والكيف ، كما يذكر ذلك بالتفصيل الشهيد الثاني (قدس سره) في المطلب الثالث في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلّم ، فراجع[12].

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« أكثر الناس قيمةً أكثرهم علماً ، وأقلّ الناس قيمةً أقلّهم علماً ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« يا مؤمن ، إنّ هذا العلم والأدب ثمن نفسك ، فاجتهد في تعلّمهما ، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك ، فإنّ بالعلم تهتدي إلى ربّك ، وبالأدب تحسن خدمة ربّك ، بأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه ».

عن زيد الزرّاد ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : يا بني إعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم ، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ، إنّي نظرت في كتاب لعليّ (عليه السلام) فوجدت في الكتاب : أنّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته .

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا ، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتّى يكون محدّثاً ، فقيل له : أوَ يكون المؤمن محدّثاً ؟ قال : يكون مفهّماً ، والمفهّم محدَّث .

عن المسيح (عليه السلام) : من عَلِمَ وعمل وعَلَّم عُدّ في الملكوت الأعظم عظيماً .

لقد ذكرنا في الفصول الماضية الاُمور الثمانية التي ذكرها الشهيد الثاني في منيته حول ما يجب على طالب العلم مراعاته ، وأمّا الاُمور الاُخرى التي لا بدّ من رعايتها أيضاً ، فهي كما يلي عطفاً على ما سبق :

 

الأمر  التاسع - اختيار  المعلّم  الصالح

 

 

ذكره الشهيد باعتبار الآداب التي يلزم المتعلّم أن يراعيها مع اُستاذه وشيخه ، إلاّ أ نّي أذكره ضمن الآداب العامّة لطالب الحوزة الذي يفكّر في سيرته الأخلاقية وإصلاحها وهو : أن ينظر إلى المعلّم الذي يأخذ علمه منه ، فإنّ من استمع إلى ناطق فقد عبده ـ كما ورد في الخبر ـ فإن تكلّم عن الله فقد عبد الله سبحانه ، وإن تكلّم عن الشيطان أو هوى النفس ، فإنّه قد عبد الشيطان واتّخذ إلهه هواه ، وقد ورد في الخبر الشريف : إذا رأيتَ العالم مقبلا على دنياه فاتّهمه في دينه ، أي لا يحقّ لكم أن تأخذوا دينكم وسلوككم ممّن كان مقبلا على دنياه ، فكيف المتلبّس بها والغاطّ في بحرها .

فيقول الشهيد الثاني (قدس سره) : أهمّ الاُمور التي يجب على المتعلّم أن يراعيها مع شيخه ، أن يقدّم النظر فيمن يأخذ عنه العلم ، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه ، فإنّ تربية الشيخ لتلميذه ونسبة إخراجه لأخلاقه الذميمة ، وجعل مكانها خلقاً حسناً ، كفعل الفلاّح الذي يقلع الشوك من الأرض ، ويخرج منها النباتات الخبيثة من بين الزرع ، ليحسن نباته ويكمل ريعه .

وليس كلّ شيخ يتّصف بهذا الوصف ، بل ما أقلّ ذلك ، فإنّه في الحقيقة نائب عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وليس كلّ عالم يصلح للنيابة ، فليختر من كملت أهليّته ، وظهرت ديانته ، تحقّقت معرفته ، وعرفت عفّته ، واشتهرت صيانته وسيادته ، وظهرت مروّته وحسن تعليمه ، وجاد تفهيمه .

ولا يغترّ الطالب بمن زاد علمه ، مع نقص في ورعه أو دينه أو خُلقه ، فإنّ ضرره في خُلق المتعلّم ودينه أصعب من الجهل الذي يطلب زواله ، وأشدّ ضرراً . وعن جماعة من السلف : هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم .

وفي ذيل الآية الشريفة :

( فَلـْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ )[13].

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : أي فلينظر إلى علمه ممّن يأخذ .

ثمّ قال الشهيد الثاني : وليحترز ممّن أخذ علمه من بطون الكتب من غير قراءة على الشيوخ ـ كما نجد في حوزتنا بعض الطلاّب من دون أن يحضر دروس الأساتذة يتصدّى للتدريس ، لا سيّما درس الخارج على أ نّه من النوابغ ولا بدّ أن يكسر الأعراف والسنن التي كان عليها السلف الصالح في الحوزة العلمية المباركة ، وهناك من يكتفي بأشرطة التسجيل ـ قال بعض السلف : من تفقّه من بطون الكتب ضيّع الأحكام . وقال آخر : إيّاكم والصحفيّون الذين يأخذون علمهم من الصحف ، فإنّ ما يفسدون أكثر ممّـا يصلحون . وقد ورد في الخبر الشريف : « هلك من لم يكن له حكيمٌ يرشده » ، فكلّ طالب يحتاج في مقام التعلّم إلى اُستاذ ومعلّم ، لا سيّما في علم الأخلاق ، فإنّه بأمسّ الحاجة إلى مربٍّ خلوق ، وحكيم مرشد ، واُستاذ قدير ، صاحب الأنفاس القدسيّة ، التي أتعب نفسه في تهذيبها ومجاهدتها .

ثمّ قال الشهيد الثاني : وليحذر من التقييد بالمشهورين ـ كما نجد هذه الظاهرة في الحوزة في العصر الراهن ، أ نّه يحضر الطالب عند من كان مشهوراً ويتقيّد بذلك ـ وترك الأخذ بالخاملين ، فإنّ ذلك من الكِبر على العلم ، وهو عين الحماقة ، لأنّ العلم ضالّة المؤمن ، يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها ، ويتقلّد المنّة ممّن ساقها إليها ، وربّما يكون الخامل ممّن تُرجى بركته ، فيكون النفع به أعمّ والتحصيل من جهته أتمّ .

وإذا سبرت أحوال السلف والخَلَف لم تجد النفع غالباً ، إلاّ إذا كان للشيخ من التقوى والنصح والشفقة للطلبة نصيب وآخر ، وكذلك إذا اعتبرت المصنّفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى أوفر ، والفلاح بالاشتغال به أكثر ، وبالعكس حال العالم المجرّد من التقوى والعمل الصالح ، وإنّما عنده من العلم بالمصطلحات يتبختر بها ، حتّى كاد أن يدّعي الربوبيّة ، لما يحمل من نفس فرعونية ـ والعياذ بالله ، ونجّانا الله من شرور أنفسنا الأمّارة بالسوء ـ .

« فينبغي لطالب العلم أن يختار الاُستاذ الأعلم والأورع والأسنّ ، وينبغي أن يشاور في طلب العلم ، أي علم يراد في المشي إلى تحصيله ، فإذا دخل المتعلّم إلى بلد يريد أن يتعلّم فيه ، فليكن أن لا يعجّل في الاختلاف مع العلماء ، وأن يصبر شهرين ، حتّى كان اختياره للاُستاذ ، ولم يؤدّ إلى تركه والرجوع إلى آخر ، فلا يبارك له ، فينبغي أن يثبت ويصبر على اُستاذ وكتاب حتّى لا يتركه أبتر ، وعلى فنّ لا يشتغل بفنٍّ آخر ، قبل أن يصير ماهراً فيه ، وعلى بلد حتّى لا ينقل إلى بلد آخر من غير ضرورة ، فإنّ ذلك كلّه يفرق الاُمور المقرّبة إلى التحصيل ، ويشغل القلب ويضيّع الأوقات »[14].

كما على طالب العلم أن يختار شريكاً في الدرس والمباحثة ، فيختار المجدّ والأورع وصاحب الطبع المستقيم ، ويحترز عن الكسلان والمعطّل ومكثار الكلام والمفسد والفتّان ، قيل : يعرف المرء بخليله .

 

فاعتبروا الأرض بأسمائها *** واعتبر الصاحب بالصاحب

 

ثمّ العمدة لطالب العلم أن يبحث عن اُستاذ في الأخلاق ، فإنّ العلم لا بدّ من مقارنته مع التربية والتزكية ، بل لأهميّة التزكية قدّمت في الآية الشريفة : ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ ) على التعليم .

وقال الإمام السجّاد (عليه السلام) : « هلك من ليس له حكيم يرشده »[15].

فزخرف الحياة وزبرجها ، ووساوس الشياطين وأعوانهم ، وحديث النفس الأمّارة بالسوء ، وكثرة الأعداء في الظاهر والباطن ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن الصعب أن ينجو الإنسان بنفسه من هذه المغريات والمهلكات ، بل لا بدّ له من خضر في وادي الظلمات ، فصناعة الإنسان وتربيته من دون اُستاذ وبشكل تلقائي كأ نّه يعدّ من المستحيلات ، ولا يمكن لأحد أن يدّعي الوصول وتهذيب النفس وصيقلة القلب وتطهير الذات من الرذائل من دون مربٍّ ومعلّم ، فعلى طالب العلم في بداية مسيرته أن يبحث عن ( اُستاذ الأخلاق ) فيختار إنساناً متّقياً كاملا يتولّى تربيته منذ الأيّام الاُولى عند دخوله الحوزة العلميّة ، فهذا من الهمّ الأوّل لطلاّب العلوم الدينيّة .

ويقول الإمام الخميني (قدس سره) : اختاروا أساتذة أخلاق لكم ، اعقدوا مجالس الوعظ والخطابة والنصيحة ، التهذيب تلقائياً ( بدون اُستاذ ) غير ممكن ، إنّ الحوزات محكومة بالفناء إذا خلت من مجالس الوعظ والنصيحة . كيف يعقل أن يكون علم الفقه والاُصول بحاجة إلى مدرّس ، بحاجة إلى درس وبحث ؟ ! كيف يعقل أن يكون كلّ علم وصنعة في الدنيا بحاجة إلى اُستاذ ولا تكون العلوم المعنويّة والأخلاقيّة بحاجة إلى تعلّم وتعليم ، ثمّ يحصل عليها الإنسان تلقائيّاً ( أوتوماتيكيّاً ) ويحصلها بدون معلّم ، لقد سمعت كراراً أنّ سيّداً جليلا كان معلّم الأخلاق للشيخ الأنصاري ـ وهو السيّد علي الشوشتري اُستاذ العرفان في القرن الأخير ـ[16].

يقول العارف الجليل آية الله السيّد علي القاضي اُستاذ العلاّمة الطباطبائي في العرفان والسير والسلوك : أهمّ ما يلزم في هذا الطريق الاُستاذ الخبير البصير الخارج عن أسر الهوى ، الواصل إلى المعرفة الإلهيّة ، والإنسان الكامل الذي سافر ـ بالإضافة إلى السير إلى الله ـ الأسفار الثلاثة الاُخرى ، شرط أن يكون تجوّله وتفرّجه في عالم الخلق ( بالحقّ ) إذا أمضى الإنسان الذي يطلب طريق الله وسلوك طريق الله ، نصف عمره يبحث عن اُستاذ هذا الطريق ، ويفتّش عنه فإنّه يكون مصيباً ; لأنّ الأمر يستحقّ هذا الاهتمام ، من وصل إلى الاُستاذ ، وحصل عليه ، فقد قطع نصف الطريق .

أجل : لا بدّ من الاُستاذ في السير والسلوك ، وينبغي الاهتمام به جيّداً في اختيار الاُستاذ ، فيلزم على الطالب أن يكون دقيقاً جدّاً ومحتاطاً ، فلا يسلّم نفسه ودينه لأيّ مدّع ، حتّى يطمئنّ إلى صحّة دعواه .

إسمع إلى ما يقوله العلاّمة السيّد بحر العلوم في هذا المجال : وأمّا الاُستاذ العامّ ـ وهو غير المعصوم (عليه السلام) ـ فلا يعرف إلاّ بصحبته في السرّ والعلن ، ومعاشرته الباطنيّة ، وملاحظة اكتمال إيمان جوارحه وإيمان نفسه ، والحذر الحذر من أن يقع الانخداع بظهور خوارق العادات منه وبيانه لدقائق النكات ، وإخباره بالخفايا الآفاقيّة ، وخبايا الأنفس ، تبدّل بعض حالاتك نتيجة الاقتداء به ، لأنّ الإشراف على الخواطر والاطّلاع على الدقائق والعبور على الماء والنار ، وطيّ الأرض والهواء ، والإخبار بما يأتي وأمثال ذلك ، إنّما يحصل في مرتبة المكاشفة الروحيّة ، وبين هذه المرحلة والهدف المطلوب مسافة لا تتناهى . وكثير من المنازل والمراحل ، وما أكثر السالكين الذين يجتازون هذه المرحلة ، ثمّ يدخلون بعدها في وادي اللصوص والأبالسة ، ومن هنا يستطيع كثير من الكفّار أن يأتوا بكثير من الاُمور الغريبة[17].

ومن أراد الاُستاذ في الأخلاق ، لا سيّما من يدخل الحوزة وهو لا يعرف أحداً ، فعليه أن يدعو الله كثيراً في ذلك ، ويتوسّل بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وبفاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وحتّى بأولاد الأئمة وبأرواح علمائنا الكبار الماضين قدّس الله أسرارهم الزكيّة ، فإنّ ذلك يعدّ من مفاتيح هذه الأبواب ، ومن المعدّات للوصول إلى الحلقات التربويّة الروحيّة لهؤلاء الأساتذة الكاملين والاستفادة منهم ، فمن كان متعطّشاً واقعاً من صميم القلب فإنّ الله تعالى يأخذ بيده ، ويضعه في يد إنسان آخر .

أعرف شخصاً من أهل العلم في بداية سيره السلوكي ، كان يدعو الله بالبكاء والتضرّع ويطلب منه اُستاذاً في الأخلاق والعرفان ، وفي يوم من الأيام كان مستلقياً وبين السِّنَة والنوم ، وإذا به يسمع صرير الباب ، ويسمع هاتفاً يقول : هذا اُستاذ أخلاقك ، وإذا بشخص يدخل الغرفة ، فيقوم لاحترامه وتقديره ، فلم يرَ أحداً ، ثمّ التقى به وبقي عنده سنين يأخذ منه المعارف ، ثمّ تعرّف على شيخه واُستاذه ، فحضر عند ذلك خمس سنوات أيضاً .

وهذا العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) يحدّثنا عن حياته قائلا : عندما كنت في طريقي من تبريز إلى النجف الأشرف للدراسة ، لم أكن أعرف شيئاً عن النجف ، ولم أكن أعرف أين أذهب ، وماذا أفعل ؟ كنت في الطريق اُفكّر دائماً أيّ درس أدرس ؟ وعلى مَن أتتلمذ ؟ وأيّ طريقة أختار ويكون فيها رضا الله تعالى ؟ عندما وصلت إلى النجف الأشرف وحين الدخول توجّهت إلى حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقلت : سيّدي ، تشرّفت بمحضرك لمواصلة الدراسة ، ولكنّي لا أعرف أيّ نهج أسلك ، وأيّ برنامج أختار ، اُريد منك أن ترشدني إلى ما فيه صلاحي . استأجرت منزلا وسكنته ، وفي الأيام الاُولى ، وقبل أن أبدأ أيّ درس ، كنت جالساً في البيت اُفكّر في مستقبلي ، فجأةً طرق الباب ، فتحت الباب ، فرأيت أحد العلماء الكبار ، سلّم ودخل ، جلس في الغرفة ورحّب بي ، كانت له طلعة جذّابة ونورانيّة جدّاً ، حادثني بكامل الصفاء والصميميّة والاُنس ، وخلال أحاديثه قرأ لي أشعاراً ، وقال لي ما مضمونه : الشخص الذي يأتي إلى النجف بهدف الدراسة من الجيّد أن يفكّر بالإضافة إلى الدراسة بتهذيب نفسه وتكميلها ، وأن لا يغفل عن نفسه ، قال هذا ومضى ...

وفي ذلك المجلس أسرتني أخلاقه وتصرّفاته ، وقد أثّرت في قلبي كلماته القصار والأخّاذة إلى حدّ أ نّي عرفت منها برنامجي المستقبلي ، وطيلة الفترة التي كنت فيها في النجف لم أترك محضر ذلك العالم التقي ، اشتركت في درسه الأخلاقي واستفدت من سماحته ، ذلك العالم الكبير هو المرحوم آية الله الحاجّ الميرزا علي القاضي رضوان الله عليه[18].

فيا طالب العلم ، لا تيأس من روح الله واطلب الاُستاذ منه ، وفّقك الله للعلم النافع والعمل الصالح .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« العلم دين ، الصلاة دين ، فانظروا عمّن تأخذون هذا العلم ».

قال الإمام الحسن (عليه السلام) :

« عجبت لمن يتفكّر في مأكوله كيف لا يتفكّر في معقوله ؟ ! فيجنّب بطنه ما يؤذيه ويودع ما يرديه ».

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) :

« لا علم إلاّ من عالم ربّاني ، ومعرفة العالم بالعقل ».

من وصيّة ذي القرنين :

« لا تتعلّم العلم ممّن لا ينتفع به ، فإنّ من لم ينفعه علمه لا ينفعك »[19].

 

 

________________________________________

[1]قصص العلماء للتنكابني : 146 .

[2]لقد تعرّضت لمواصفات الصديق وواجبات الصداقة في كتاب « معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) » ، فراجع .

[3]لقد ذكرت مقامات عديدة تلزم مقام الاُنس بالله في رسالة « مقام الاُنس بالله » شرحاً وبياناً لهذه الرواية الشريفة ، وهي مطبوعة ، فراجع .

[4]الكهف : 16 .

[5]مريم : 48 ـ 49 .

[6]ميزان الحكمة ، كلمة « العزلة » 3 : 1964 ، الطبعة الجديدة .

[7]طه : 131 .

[8]آداب النفس : 41 ـ 63 .

[9]الزمر : 9 .

[10]المجادلة : 11 .

[11]هذا ما قاله الشهيد الثاني في منيته من آداب المتعلّم في نفسه ، ثمّ يذكر آدابه مع شيخه أربعين أدباً ، ثمّ آدابه في درسه وقراءته ثلاثون أدباً ، فراجع .

[12]منية المريد : 387 ، تحقيق رضا المختاري .

[13]عبس : 24 .

[14]آداب المتعلّمين ـ جامع المقدّمات 2 : 51 .

[15]كشف الغمّة 2 : 325 .

[16]سيماء الصالحين : 38 .

[17]المصدر : 40 .

[18]سيماء الصالحين : 82 .

[19]ميزان الحكمة 6 : 484 .