akdak

المقالات

قسم الحوزة العلمية

طالب العلم - والسيرة الأخلاقية- الزهد والحياة المتواضعة

181

---------

 

طالب العلم - والسيرة الأخلاقية(9)

 

الأمر  السادس  عشر - الزهد  والحياة  المتواضعة

 

 

قال الله سبحانه وتعالى :

(إذْ تصْعدونَ وَلا تَلـْوونَ عَلى أحَد وَالرَّسولُ يَدْعوكُمْ في اُخْراكُمْ فَأثابَكُمُ غَمَّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أصابَكُمْ وَاللهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلونَ)[1].

(لِكَيْلا تَأسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتال فَخور)[2].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قول الله تعالى : (وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيَّاً) ، يعني الزهد في الدنيا . وقال الله تعالى لموسى : « يا موسى ، إنّه لن يتزيّن المتزيّنون بزينة أزين في عيني مثل الزهد » ، « ما اتّخذ الله نبيّاً إلاّ زاهداً ».

وورد في الخبر : « العلماء ورثة الأنبياء » ، وهذا يعني أنّ كلّ عالم لا بدّ أن يكون زاهداً ، فإنّه يرث النبيّ في زهده ، وإذا أراد أن يتوفّق في حياته العلميّة فمن أقرب الوسائل الزهد . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « النار لمن ركب محرّماً ، والجنّة لمن ترك الحلال ، فعليك بالزهد ، فإنّ ذلك ممّـا يباهي الله به الملائكة ، وبه يقبل الله عليك بوجهه ، ويصلّي عليك الجبّار ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :« الزهد أقلّ ما يوجد وأجلّ ما يعهد ، ويمدحه الكلّ ويتركه الجُلّ ».« الزهد شيمة المتّقين وسجيّة الأوّابين ».« الزهد متجر رابح ».« إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا ».« الزهد أصل الدين ».« الزهد ثمرة الدين ».« الزهد أساس اليقين ».« عليك بالزهد فإنّه عون الدين ».« إنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا ».

« الزهد كلّه في كلمتين من القرآن ، قال الله تعالى :(لِكَيْلا تَأسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ) .فمن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد ».

« أ يّها الناس ، إنّما الناس ثلاثة : زاهد وراغب وصابر ، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته ، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها ، وأمّا الراغب فلا يبالي من حلٍّ أصابها أم من حرام ».

« يا ابن آدم ، لا تأسف على مفقود لا يردّه إليك الفوت ، ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت ».

« الزهد تقصير الآمال وإخلاص الأعمال ».

« أصل الزهد حسن الرغبة فيما عند الله ».

« أيّها الناس ، الزهادة قصر الأمل والشكر عند النعم ، والتورّع عند المحارم ، فإن عزب ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ولا تنسوا عند النعم شكركم ».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « جُعِل الخير كلّه في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ».

عماد طالب العلم زهده في الدنيا ، ولا بدّ له من ذلك ، فإنّ ما يطلبه هو علم الآخرة ، علم الله والأنبياء والأولياء ، ولا يتأتّى ذلك مع الرغبة بما يكرهه الله ، وإنّ الله ليبغض الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها ، فهي التي تبعد عباده عن ساحة قدسه وفيض لقائه ، فيحبّ من زهد فيها ، ورسول الله يقول :« الزهـد في الدنيـا قصر الأمر وشكر كلّ نعمة ، والورع عن كلّ ما حرّم الله ».« الزهد ليس بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكنّ الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت اُصبت بها أرغب فيها لو أ نّها اُبقيت لك ».

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) :  الزهد مفتاح باب الآخرة ، والبراءة من النار وهو تركك كلّ شيء يشغلك عن الله ، من غير تأسّف على فوتها ولا إعجاب في تركها ، ولا انتظار فرج منها ولا طلب محمدة عليها ، ولا عوض منها ، بل ترى فوتها راحة وكونها آفة ، وتكون أبداً هارباً من الآفة ، معتصماً بالراحة .

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سئل عن الزاهد في الدنيا ؟ قال : الذي يترك حلالها مخافة حسابه ، ويترك حرامها مخافة عذابه .

ويقول زين العابدين (عليه السلام) : إنّ علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة تركهم كلّ خليط وخلل ، ورفضهم كلّ صاحب لا يريد ما يريدون ، ألا وإنّ العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا .

عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حديث أ نّه قال : قلت : يا جبرائيل : فما تفسير الزهد ؟ قال : الزاهد يحبّ من يحبّ خالقه ويبغض من يبغض خالقه ، ويتحرّج من حلال الدنيا ولا يلتفت إلى حرامها ، فإنّ حلالها حساب وحرامها عقاب ، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ، ويتحرّج من الكلام كما يتحرّج من الميتة التي قد اشتدّ نتنها ، ويتحرّج عن حطام الدنيا وزينتها كما يتجنّب النار أن تغشاه ، ويقصر أمله ، وكان بين عينيه أجله .

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا ، والذلّ على العزّ ، والجهد على الراحة ، والجوع على الشبع ، وعاقبة الآجل على محبّة العاجل ، والذكر على الغفلة ، ويكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة .

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « لا يكون زاهداً حتّى يكون متواضعاً ».« ويقول في صفة الزهّاد ، كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها ، فكانوا كمن ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلّب أبدانهم بين ظهرانيّ أهل الآخرة ، يرون أهل الدينا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشدّ إعظاماً لموت قلوب أحبّائهم ».

« إنّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم ، وإن ضحكوا أو يشتدّ حزنهم وإن فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا ».هذه بعض صفات الزاهدين ، ولا بدّ لأهل العلم منها ، ومقدّمتها التفكّر والتزهّد ، بمعنى أن يلقي نفسه في الزهد حتّى يزهد ، وهذا حكم جار في كلّ الصفات الحميدة ، فإنّ الحليم في بداية أمره يتحلّم حتّى يحلم .

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) :« أوّل الزهد التزهّد ».« التزهّد يؤدّي إلى الزهد ».

وأصل الزهد اليقين وحسن الرغبة فيما عند الله ، وثمرته السعادة ، وإنّما يزهد الإنسان بمقدار علمه بالله سبحانه ، وكيف يزهد في الدنيا من لا يعرف قدر الآخرة ؟

ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في وصيّة لولده الإمام الحسن (عليه السلام) : « أكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ، فإنّ ذلك يزهدك في الدنيا ، ويصغّرها عندك وقد نبأّك عنها ، ونعتت لك نفسها ».

« من صوّر الموت بين عينيه هان امر الدنيا عليه ».

« أحزمكم أزهدكم ».

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) : أكثر ذكر الموت فإنّه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلاّ زهد في الدنيا .

وعن مولانا الكاظم (عليه السلام) ، عند قبر حضره : إنّ شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أن يزهد في أوّله ، وإنّ شيئاً هذا أوّله لحقيقٌ أن يخاف آخره .

ثمّ الزهد كلّي مشكّك له مراتب طوليّة وعرضيّة ، يتعرّض لها علماء السير والسلوك والأخلاق .

وقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) : الزهد عشرة أجزاء فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع ، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين ، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا ... ».

وأمّا ثمرات الزهد وآثاره في حياة المؤمن ولا سيّما طالب العلم فأوّلها :

الحكمة والعلم المبارك النافع ، والمخزون في القلوب والنفوس من لدن حكيم عليم .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذرّ : « يا أبا ذرّ ، ما زهد عبدٌ في الدنيا إلاّ انبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه ، ويبصّره عيوب الدنيا وداءها ودواءها ، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام ».

« من يرغب في الدنيا فطال فيها أمله أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها ، ومن زهد فيها فقصر فيها أمله أعطاه الله علماً بغير تعلّم ، وهدىً بغير هداية ، وأذهب عنه العماء وجعله بصيراً ».

« يا أبا ذرّ : إذا رأيت أخاك قد زهد في الدنيا فاستمع منه ، فإنّه يلقى الحكمة ».

يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « من زهد في الدنيا ولم يجزع من ذلّها ، ولم ينافس في عزّها هداه الله بغير هداية من مخلوق ، وعلّمه بغير تعليم ، وأثبت الله الحكمة في صدره وأجراها على لسانه ».

ومن ثمرات الزهد شرح الصدر ، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى : (أفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلى نُور مِنْهِ) ; إنّ النور إذا وقع في القلب انفسخ له وانشرح . قالوا : يا رسول الله ، فهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال : التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت .

ومنها : المكاشفة ورؤية ملكوت الأشياء وحقائقها كما هي ، وإنّ علمائنا الأعلام نالوا في هذا المقام درجات من الحديث المستصعب ، أعطاهم الله الكرامات والمقامات الرفيعة وفتح سمعهم وأبصارهم ، فكانوا يسمعون ما لا يسمع غيرهم ويبصرون ما لا يبصر غيرهم .

عن سلام ، قال : كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين ، فسأله عن أشياء ، فلمّا همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر (عليه السلام) : اُخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك ، أ نّا نأتيك فما نخرج من عندك حتّى ترقّ قلوبنا وتسلوا أنفسنا عن الدنيا ، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال ، ثمّ نخرج من عندك ، فإذا صرنا مع الناس والتجّار أحببنا الدنيا ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إنّما هي القلوب مرّة يصعب عليها الأمر ومرّةً يسهل . ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : أما إنّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا : يا رسول الله ، نخاف علينا النفاق ! قال : فقال لهم : ولِمَ تخافون ذلك ؟ قالوا : إنّا إذا كنّا عندك فذكرتنا روعنا ووجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا فيها حتّى كأ نّا نعاين الآخرة والجنّة والنار ، ونحن عندك . وإذا دخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والمال يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنّا عليها عندك ، وحتّى كأ نّا لم نكن على شيء ؟ أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق ؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : كلاّ ، هذا من خطوات الشيطان ليرغّبكم في الدنيا ، والله لو أ نّكم تدومون على الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ».

وفي خبر آخر : « لولا هيام الشياطين على قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع ».

قال الحواريّون لعيسى (عليه السلام) : ما لَكَ تمشي على الماء ونحن لا نقدر على ذلك ؟ فقال لهم : وما منزلة الدينار والدرهم عندكم ؟ قالوا : حسن . قال : لكنّهما عندي والمدر سواء .

ومن ثمرات الزهد تسهيل الطريق إلى الله سبحانه ، فإنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول : « العلم يرشدك إلى ما أمرك الله به ، والزهد يسهّل لك الطريق إليه ».

ومن ثمراته : معرفة الدنيا وعيوبها ، عن أمير المؤمنين : « إزهد في الدنيا يبصّرك الله عوراتها ، ولا تغفل فلست بمغفول عنك ».

ومن ثمراته : أنّ كلّ واحد يجب أن يكون من الصلحاء في حياته ، وأن يصلح حاله ودنياه وآخرته ، فمفتاح الصلاح الزهد ، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « الزهد مفتاح صلاح ، الورع مصباح نجاح ».

ومنها : نزول الرحمة وشمولها ، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إزهد في الدنيا تنزل عليك الرحمة » ومعلوم أثر نزول الرحمة على طالب العلم أن يوفّق في حياته ويرى بركات علمه .

ومنها : سعادة الدنيا ، والسعادة كلّ واحد يطلبها[3] ، وأمير المؤمنين (عليه السلام)يقول : « إنّكم إن زهدتم خلصتم من شقاء الدنيا وفزتم بدار البقاء ».

ومنها : الحرّية ، وهي اُنشودة الأحرار في العالم ، وما أكثر الدماء التي سفكت من أجلها ، ولكنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : « من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه ».

ومنها : العزّ والكرامة ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أفلح الزاهد في الدنيا ، حظى بعزّ العاجلة وبثواب الآخرة ».

ومنها : الراحة واستهانة المصيبات ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) :« الزهد في الدنيا الراحة العظمى ».« السلامة في التفرّد ، الراحة في الزهد ».« من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ».« من زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها ولم يكرهها ».« من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات ».« الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ، والرغبة فيها تتعب القلب والبدن ».« الرغبة تورث الهمّ والحزن ».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّ الزاهد في الدنيا يريح ويريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة ، والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة ».

قال الإمام عليّ (عليه السلام) : « من زهد في الدنيا لم تفته ، من رغب فيها أتعبته وأشقته ».

وفي وصاياه لولده الحسن (عليه السلام) يقول : « يا بني ، فإن تزهد فيما زهّدتك فيه وتعزف نفسك عنها ، فهي أهل ذلك ، وإن كنت غير قابل نصيحتي إيّاك فيها ، فاعلم يقيناً أ نّك لن تبلغ أملك ولا تعدو أجلك ، فإنّ في سبيل من كان قبلك ، فخفّض في الطلب وأجمل المكتسب ».

ومنها : الغنى ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لن يفتقر من زهد ».

ومنها : الحكمة التي هي ضالّة المؤمن ، أين وجدها أخذها ، وإنّها من الخير الكثير ، وتزيد على الدنيا وما فيها ، فإنّها متاع قليل ، فمن ثمرات الزهد الحكمة ، وإنّما تثمر مع الزهد ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « مع الزهد تثمر الحكمة ».

ومنها : الصبر ، الذي هو أساس الأخلاق ، قال الإمام الكاظم (عليه السلام) : « إنّ أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا » ، فبين الزهد والصبر تلازم ، فمن صبر زهد ، ومن زهد صبر .

ومنها : اجتناب الحرام وترك المعاصي ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أزهد الناس من اجتنب الحرام » ، فالزهد يوجب ترك الحرام وترك الحرام يوجب الزهد .

وهناك فوائد وثمرات كثيرة لمن زهد في هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها ، ويكفي في دناستها وخسّتها ، أ نّها مطلوبة الظالمين والفاسقين والكفّار والمنافقين .

الله الله في الزهد ، فلا يفتنك يا طالب العلم ، أيّها الأخ العزيز ، فكما قال مولانا وإمامنا الصادق (عليه السلام) : « ألا من صبّار كريم ، وإنّما هي أيّامٌ قلائل ».

فعلينا أن نصبر في هذه الأيّام القلائل لسنين ، صبروا أيّاماً قليلة وأعقبتهم أيّاماً طويلة في راحة وجنّة نعيم ، عند مليك مقتدر في مقعد صدق ، يطوف عليهم الحور العين والولدان المخلّدين بأكواب وأباريق ، تجري من تحتهم الأنهار ـ رزقنا الله وإيّاكم ـ .

فكن يا طالب العلم الإلهيّ زاهداً وابحث عن الزهّاد وعاشرهم وصاحبهم وخذ الحكمة والعلم منهم ، وافعل كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه ، إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه » ، ولا تقل في الدنيا قول الزاهدين وتعمل فيها عمل الراغبين ، فكن الاُسوة الحسنة والقدوة الصالحة ، ولا تفعل ما تندم عليه في الدنيا والآخرة .

هذه جملة من الروايات الشريفة في فضل الزهد ومقامه الشامخ وآثاره في الدنيا والآخرة ، وسلفنا الصالح جسّدوا آيات الزهد في حياتهم .

فهذا شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدس سره) لمّا اشتهر بالزعامة الدينية والمرجعية بعثت الحكومة العثمانية مندوباً إليه ، فلمّـا دخل عليه وكان يتوقّع أن يعيش في القصور الزاهية حوله الحشم والخدم ، إلاّ أ نّه رأى شيخاً جالساً على حصير عتيق وعلى رأسه عمامة بيضاء لابساً جبّة زهيدة الثمن ، ثمّ رآه قام بنفسه وصبّ حليباً في قدح وأضاف عليه قليلا من الماء وقدّمه إليه ، ولمّـا شرب الحليب استاذن منه الشيخ على أنّ تلامذته بانتظاره للدرس فودّعه ، ولمّـا رجع المندوب فأخبر القوم قائلا : وجدت الشيخ زاهداً كما أوصى نبيّ الإسلام بالزهد[4].

كان صدر المتألّهين يعتقد بأنّ طالب العلم يجب أن لا يفكّر في المال والجاه إلاّ ما كان ضرورياً لمعاشه ، وكان يقول : من طلب العلم للمال والجاه فإنّه موجودٌ خطر ، يجب الحذر منه .

وفي جلسات درسه كان يقول : تعلّم العلم والفنّ بدون جوهره أشبه ما يكون بتمكين قاطع الطريق من الخنجر ، إنّ تمكين الزنجي السكران من الخنجر أفضل من وقوع العلم بيد من ليس أهلا له .

وسلفنا الصالح كان يطلب العلم للعلم ، ولتبليغ الرسالة وهداية الناس ، وللأجر والثواب ، لا للمال والمنال والجاه والمقام واحترام الناس وما شابه ، فكانوا يدرسون ليصبحوا علماء صلحاء حتّى إذا علموا بأ نّهم سيعيشون الفقر والحرمان المادّي حتّى آخر يوم من حياتهم .

فالزهد عنوان رجل الدين ، وخلقه الأوّل والأخير ، وإليكم هذه القصّة في الزهد : لمّـا وضع الاسكندر في تابوته ، قيل للعلماء : تكلّموا فقد كان يسمع إليكم وينصت لكم ، وكان اثني عشر عالماً .

فقال الأوّل : يا أ يّها الساعي المتعصّب ! جمعت ما خانك عند الاجتماع ، وودّعك عند الاحتياج ، فلا قرابة يعضدك ، ولا وزير يفتقدك .

وقال الثاني : قد ذهبت زهرة بهجته كما ذهب شعاع الشمس بنور النبات .

وقال الثالث : هذا الاسكندر صاحب الاُسراء أصبح اليوم أسيراً .

وقال الرابع : قد أمنك من كان يخافك ، فهل أمنت من الذي كنت تخافه ؟

وقال الخامس : بل هل أمنت ما كنت تخاف نزوله بك ؟

وقال السادس : اُنظروا إلى حلم النائم كيف انقضى ، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى .

وقال السابع : قد كان هذا الشخص يسأل عمّا قبله ، ولا يسأل عمّـا بعده .

وقال الثامن : ورد علينا هذا الجسد بما كان يستبقيه .

وقال التاسع : ما أرغبنا فيما فارقت وأغفلنا عمّـا عاينت !

وقال العاشر : ما أبعد شبه مكانك الذي أنت به اليوم من مكانك الذي كنت به الأمس !

وقال الحادي عشر : لم يقضِ هذا الجسد نهمته من هذه الدنيا حتّى قضت الدنيا نهمتها منه .

وقال الثاني عشر : أنت أمس كان أنطق منك اليوم ، وأنت اليوم أوعظ منك بالأمس .

من الديوان المنسوب لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

أضحت قبورهم من بعد عزّهم *** تسفي عليها الصبا والحرجف الشمل

لا يدفعون هواها عن وجوههم *** كأ نّهم خشب بالقاع منجدل

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا *** أين الأسرّة والتيجان والحلل ؟

أين الوجوه التي كانت منعّمة *** من دونها تضرب الأستار والكلل ؟

فأفصح القبر عنهم حين ساءله *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قال طال ما أكلوا دهراً وما شربوا *** فأصحبوا بعد طول الأكل قد اُكلوا[5]

أجل ، من نظر إلى حقيقة الدنيا ، فإنّه يزهد فيها لا محالة .

ومن زهد طالب العلم أن لا يعجل للتصدّي إلى مسؤولية التدريس وإمامة الجماعة ، وما شابه ذلك ، بل لا يكون منه ذلك حتّى تكمل أهليّته ، ويظهر استحقاقه لذلك على صفحات وجهه ونفحات لسانه ، وتشهد له به صلحاء مشايخه وأساتذته . ففي الخبر الشريف : « المتتبّع لما لم يعطَ كلابس ثوبي زور » ، وقال بعض الفضلاء : من تصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه ، وقال آخر : من طلب الرئاسة في غير حينه ، لم يزل في ذلّ ما بقي ، وأنشد بعضهم :

لا تطمحنّ إلى المراتب قبل أن *** تتكامل الأدوات والأسباب

إنّ الثمار تمرّ قبل بلوغها *** طعماً وهنّ إذا بلغن عِذاب[6]

وقد شاهدنا في عصرنا هذا كم من أشخاص ادّعوا المرجعيّة قبل أوانها فذلّوا ، وكم تصدّى لتدريس درس الخارج وهو شابّ لم يبلغ الحلم في العلم والأدب فأهان نفسه ، وأصبح في خبر كان .

وكم من مرجع ورع تقي قد زهد في الرئاسة ، وفرّوا منها ، فأتتهم ذليلة حقيرة ، وتصدّوا لها لأداء التكليف الشرعي ، لا طمعاً بها وحبّاً لها ، فاعتبروا يا ذوي النهى .

ومن الواضح جدّاً أنّ أبرز خصيصة في القادة الإلهيّين في الشرائع السماويّة المختلفة ، ولا سيّما في دين الإسلام الحنيف ، هي البساطة والزهد واجتناب مظاهر الترف والكماليّات .

وكان السلف الصالح يوصون أهل العلم دائماً باجتناب البذخ والترف ، واختيار بساطة العيش ، والتزهّد في حطام الدنيا ، ومظاهرها الخلاّبة .

وخير ما نقتدي به سيرة المعصومين (عليهم السلام) ، فكانوا يعيشون بمنتهى البساطة والزهد ، والتأريخ حافل بالشواهد على ذلك .

فهذه فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السلام) ، جاء في حديث طويل حولها : « فنهضت والتفّت بشملة لها خَلِقَة ( بالية ) قد خيطت في اثني عشر مكاناً بسعف النخل ، كلّما خرجت نظر سلمان الفارسي إلى الشملة ، وبكى وقال : وا حزناه ، إنّ بنات قيصر وكسرى لفي السندس والحرير ، وابنة محمّد (صلى الله عليه وآله) عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً .

فلمّـا دخلت فاطمة الزهراء (عليها السلام) على النبيّ (صلى الله عليه وآله) قالت : يا رسول الله ، إنّ سلمان تعجّب من لباسي : فوالذي بعثك بالحقّ ما لي ولعليّ (عليه السلام) منذ خمس سنين إلاّ مسك كبش نعلف عليها بالنهار بعيرنا ، فإذا كان الليل افترشناه ، وإنّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : يا سلمان ، إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق[7].

يقول السيّد الإمام الخميني (قدس سره) : « يجب أن تكون حياة الروحانيين بسيطة ، الذي حفظ الروحانيّة وجعلها تتطوّر إلى هنا ، بساطة العيش ، اُولئك الذين كانوا منشأ آثار كبيرة في الحياة التزموا ببساطة العيش ، اُولئك الذين كانوا موجّهين لدى الناس ، وكان الناس يلتزمون بتعاليمهم ، التزموا ببساطة العيش .

كلّما مشيت خطوة واحدة باتّجاه أن يكون بيتك أحسن ، نقص من معنويّتك من قيمتك بنفس ذلك المقدار ، قيمة الإنسان ليس بالبيت ، ولا بالحديقة ، لو كانت قيمة الإنسان بمثل هذا لاهتمّ به الأنبياء ، قيمة الإنسان ليست بأن يكون له ضجيج وعجيج وسيارة فخمة ، أن يكون كثير الذهاب والإياب ، قيمة الروحانية ليست بأن يكون للروحاني جهاز ، مكتب ومفكّرة ».

يقول بعض خواصّ الإمام عليه الرحمة : كان الحرّ في النجف الأشرف شديداً جدّاً ، وكانت تصل درجة الحرارة أحياناً إلى 50 درجة ، وذات يوم ذهبت مع عدد من الإخوة للإمام وقلنا : سيّدنا الحرّ شديد وأنت مُسنّ ، وبما أنّ حرّ الكوفة معتدلا فلماذا لا تذهب إليها كما يذهب الآخرون .

قال في الجواب : وكيف أذهب إلى الكوفة من أجل برودة هوائها ، وإخواني في إيران في السجن .

نقل عن بنت الشيخ الأنصاري أ نّها قالت : في أيّام الطفولة ، عندما كنت أذهب إلى المدرسة ، كان الأهالي يرسلون الطعام أحياناً إلى المدرسة ليتناول الطالبات الطعام مع المعلّمة ، ذات يوم قلت لوالدتي : إنّهم يحضرون معهم ألوان الأطعمة وأنت ترسلين لي الخبز والكرّاث فقط ، إنّي أخجل من ذلك ، سمع الشيخ كلامي فقال منزعجاً : من الآن فصاعداً أرسلي لها خبزاً فقط ، حتّى تصبح تتذوّق الخبز والكرّاث .

لم يكن الشيخ الأعظم قدوتنا في العلم والعمل يملك أيّة ثروة ، وكان يكتفي دائماً بأقلّ ما يقنع به ، كما كان أليف الضائقة المادّية والإعسار ، كان يقول :

أنا شخص فقير ، يجب أن أعيش كواحد من الفقراء[8].

وكان رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) يقول : أنا مسكين وأحبّ المساكين واُجالس المساكين .

فماذا تقول أنت يا طالب العلم في حياتك وسيرتك ـ الذاتيّة والأخلاقيّة ـ ؟

فاصبر صبراً جميلا ، وعليك بالجهاد الأكبر ، وتخلية القلب من الصفات الذميمة ، وتحلية الروح بالسجايا الحميدة ، وتجليتها في سيرك إلى الله سبحانه ، حتّى تصل إلى كمالك المنشود ومقامك المحمود ، ليس ذلك إلاّ التخلّق بأخلاق الله عزّ وجلّ والتحلّي بصفات الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، فأنت وارثهم فيما يحملون من المسؤوليّات الثقيلة والمقامات الرفيعة .

وإنّما تنال ذلك بالعلم والعمل الصالح ، بالورع والتقوى .

وقد ذكر علماء الأخلاق مراتب أربعة للورع ، بين الواحدة والاُخرى ممّـا عليه الناس وطلاّب العلوم الدينيّة مسافات بعيدة المدى ، فالورع يتفاوت بين الناس في مراحل :

1  ـ  المرحلة  الاُولى  سمّيت  بورع  التائبين : وذلك حين يمنع العبد إيمانه من ارتكاب المحرّمات خوفاً من المولى تبارك وتعالى أن تنطبق عليه صفة الفسق في دينه ، واتّباع الشيطان ، وهذا ما يسمّى بتقوى العامّ ـ كما مرّ ـ فإذا ترقّى فيه ذلك الخوف اتّصف :

2  ـ  بورع  الصالحين : وذلك حين يمتنع عن اقتحام الشبهات خوفاً من ارتطامه في المحرّمات ، لأنّ من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، فيدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وهذا ما يسمّى بتقوى الخاصّ ، ويترقّى عنده هذا الشعور أو الخوف فيصبح ورعه :

3  ـ  ورع  المتّقين : وذلك حين يبتعد عن المباحات خوفاً من أن تجرّه إلى المحرّمات والمكروهات كمن يتوقّف عن ذكر أحوال الناس ـ المباح ـ خشيةً من أن يجرّه إلى الغيبة المحرّمة ، وهذا يسمّى بتقوى الخاصّ الخاصّ ، ويترقّى هذا الخلق في بعضهم حتّى يكون من المقرّبين فينهيه إلى :

4  ـ  ورع  السالكين : إذ يكون حينئذ قد توحّدت غاياته في غاية واحدة ، والتقت أهدافه في هدف واحد هو ذكر الله تعالى والعمل بما يحبّه الله تعالى ، فيتجنّب كلّ خوض في غير ذلك الله ، ويستغفر من كلّ لذّة ليس فيها اسم الله ، ويمتنع عن كلّ سعي إلاّ ما يحبّه الله تبارك وتعالى له .

فهي وإن كانت مباحة لا يخشى أ نّها تجرّه إلى المحرّمات ، ولكن فلسفته في الحياة المستمدّة من إيمانه العميق تزهّده في كلّ أمر لا يؤدّي إلى الغاية التي من أجلها خلقه المولى وبها امتنّ عليه .

فكلّ حديث غير الله عزّ وجلّ يعدّ عنده لغوٌ فارغ ، لأ نّه لا يحقّق الهدف الأسمى الذي يسعى لتحقيقه ، أو لأ نّه يحجبه عن محبوبه الذي لا يرغب أن يحجبه شيء عنه ، وكلّ حركة وسكون في غير ما يحبّ الله فضول لا يرضاه لنفسه ، وهو يأخذ نفسه بالجدّ والحزم في اُموره كلّها[9].

وأنتم يا طلاّب العلوم الدينية والفضائل دعيتم في سيرتكم الأخلاقيّة ـ العلميّة والعمليّة ـ إلى مثل هذا الورع السامي والكامل ، وإلى ربّك المنتهى ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

________________________________________

[1]آل عمران : 153 .

[2]الحديد : 23 .

[3]ذكرت مفهوم السعادة ومن هو السعيد من خلال آراء الأعلام والروايات والآيات في كتاب ( السعيد والسعادة بين القدماء والمتأخّرين ) ، وهو مطبوع ، فراجع .

[4]قصص وخواطر : 228 .

[5]آداب النفس : 100 .

[6]منية المريد : 179 .

[7]سيماء الصالحين : 379 ، عن البحار 43 : 88 .

[8]سيماء الصالحين : 394 .

[9]من مقدّمة كتاب ( الطريق إلى الله ) : 12 .