akdak

المقالات

قسم الحوزة العلمية

طالب العلم - والسيرة الأخلاقية - عفّة النفس وعزّتها

184

---------

الأمر  الثالث  عشر - عفّة  النفس  وعزّتها

 

 

من أهمّ الخصائل التي يحتاجها طالب العلم في سيرته الأخلاقية عفّة النفس ، وهي تعني ضبط النفس عن اللذات المشتركة بين عامّة الحيوانات من المأكولات والملموسات ، والاعتدال في تناولها واستعمالها من دون إفراط ، وليس معنى ضبط النفس رفض كلّ الشهوات والملاذّ وقهرها وكبتها على كلّ حال ، فإنّ هذا يتنافى مع أصل خلقها وتكوينها في وجود الإنسان . فإنّ بقاء البدن بالمأكولات والمشروبات ، وفي المناكح بقاء النسل ، ولو كان يمكن الاستغناء عن الشهوة مثلا لكان خلقها في أصل التركيب الحيواني عبثاً ، ووبالا على صاحبها ، فمعنى عفّة النفس ضبطها بنحو معقول ، بأن يستعملها على أربعة أنحاء : أن يتناول منها ما ينبغي ، وفي الوقت الذي ينبغي ، ومن المقدار الذي ينبغي ، ومن الوجه الذي ينبغي ، فتكون شهوته تحت طاعة عقله ، والعفّة جارية في كلّ الأخلاق فهي بمعنى الحدّ الوسط من دون إفراط ولا تفريط في الصفات والسجايا الأخلاقيّة[1].

قال الله تعالى :

( يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ )[2].

( وَلـْيَسْتَعْفِفِ الَّذينَ لا يَجِدونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ )[3].

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« إنّ الله يحبّ الحييّ المتعفّف ، ويبغض البذيّ السائل الملحف ».

« من طالب حقّاً فليطلبه في عفاف واف أو غير واف ».

« اللهمّ إنّي أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ».

« لمّـا نفذ المال حين تقسيمه عند رسول الله فسأله الأنصار ، فقال : ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم ، ومن يستعفف يعفّه الله ، ومن يستغنِ يغنه الله ».

« أحبّ العفاف إلى الله تعالى عفاف البطن والفرج ».

« أكثر ما تلج به اُمّتي النار الأجوفان : البطن والفرج ».

« ثلاثٌ أخافهنّ على اُمّتي من بعدي : الضلالة بعد المعرفة ، ومضلاّت الفتن ، وشهوة البطن والفرج ».

« أمّا العفاف : فيتشعّب منه الرضا والاستكانة والحظّ والراحة والتفقّد والخشوع والتذكّر والتفكّر والجود والسخاء ، فهذا ما يتشعّب للعاقل بعفافه رضى بالله وبقسمه ».

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) :

« من سكن قلبه العلم بالله سكنه الغنى عن خلق الله ».

ويقول مولانا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« أفضل العبادة العفاف ».

« ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طُعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد ».

« ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة ».

« العفّة شيمة الأكياس ، الشره سجيّة الأرجاس ».

« العفّة رأس كلّ خير ».

« العفّة أفضل الفتوّة ».

« العفاف يصون النفس وينزّهها عن الدنايا ».

« عليك بالعفاف فإنّه أفضل شيم الأشراف ».

« عليك بالعفّة فإنّها نعم القرين ».

« إذا أراد الله بعبد خيراً أعفّ بطنه وفرجه ».

« أصل العفاف القناعة ، وثمرتها قلّة الأحزان ».

« من قنعت نفسه أعانته على النزاهة والعفاف ».

« الرضا بالكفاف يؤدّي إلى العفاف ».

« قدر الرجل على قدر همّته ، وعفّته على قدر غيرته ».

« دليل غيرة الرجل عفّته ».

« من عقل عفّ ».

« الصبر عن الشهوة عفّة ، وعن الغضب نجدة ».

« الفضائل أربعة أجناس : أحدها الحكمة وقوامها في الفكرة ، والثاني : العفّة وقوامها في الشهوة ، والثالث : القوّة وقوامها في الغضب ، والرابع : العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس ».

« ثمرة العفّة الصيانة ».

« من عفّ خفّ وزره وعظم عند الله قدره ».

« من عفّت أطرافه حسنت أوصافه ».

« النزاهة آية العفّة ».

« من اُتحف العفّة والقناعة حالفه العزّ ».

قال الإمام الباقر (عليه السلام) :

« ما عبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن وفرج ».

« وقال لرجل : أي الاجتهاد أفضل من عفّة بطن وفرج ».

وقال أمير المؤمنين في وصيّته لمحمّد بن أبي بكر لمّـا ولاّه مصر :

« يا محمّد بن أبي بكر ، اعلم أنّ أفضل العفّة الورع في دين الله والعمل بطاعته ، وإنّي اُوصيك بتقوى الله في أمر سرّك وعلانيتك »[4].

فهذه نماذج من الأخبار الشريفة ، وحقّاً كلام الأئمة أئمة الكلام ، وإنّ كلامهم نور في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ، لا يستغني السائر إليه منه .

وطالب العلم لا بدّ له من العفاف بكلّ ما للكملة من مغزى ومعنى ومصداق ، فإنّما ينال عزّة الدارين ، ويوفّق في حياته العلميّة والعمليّة ، لو تمثّلت العفّة في وجوده وحقيقته .

ولو عرف الدنيا لعفّ عنها وزهد فيها .

لقد سئل بعض العلماء عن رغبة الناس في دنياهم مع شدّة إتعابها إيّاهم ، فقال : ذلك لقلّة معرفتهم بها ، كالصبيّ الغِرّ أعجبه من لين الرقشاء ـ الحيّة ـ لونها ومسّها ، فلم يبرح حتّى قتله نهشها ، ولو أ نّهم عرفوها حقّ معرفتها لنظروا إليها نظر

المريض إلى وجوه العوّد ، نظر الجزور إلى أشفار الجازر ، فلا سماعه يطيق إن ذُكر بين يديه ، ولا إذا اُحضر أمكنه النظر إليه .

قال بعض الصالحين : من عرف عفّ ، ومن عفّ خفّ .

عجباً لقوم يعجبون برأيهم *** وأرى بعقلهم الضعيف قصورا

هدموا قصورهم بدار بقائهم *** وبنوا لعُمرهم القصير قصورا

أجل إنّ عفّة النفس كرامة إنسانية ، وشرف نبيل ، وخلق رفيع ، وموهبة قدسيّة ، كان ولا يزال يتحلّى بها علماؤنا الأعلام ، فعلّمونا بسلوكهم وسيرتهم الحسنة كيف يكون طالب العلم عفيف النفس ، حتّى يحسبهم الجهّال أغنياء من التعفّف ، فيقارعون الفقر ويكابدون الحرمان ويصبرون على البؤس بعفّة نفس وسداد .

نقل المرحوم الاُستاذ جلال همائي خلال مقابلة إذاعيّة معه القصّة التالية : كنت مع آية الله الشيخ هاشم القزويني ندرس في إصفهان فترة شبابنا ، فذات يوم كنّا نتباحث في الدرس ، وإذا بالشيخ يغمى عليه ، فأتيت بالطبيب مسرعاً ، فسقاه الماء المحلّى بالسكّر ، فشرب قليلا ففتح عينه فجلس وفتح كتابه مباشرةً وهو يسألني : أين وصلنا في البحث ؟ وكأ نّه لم يحدث له طارئ ! ثمّ الطبيب أشار عليَّ أنّ إغماء الشيخ من شدّة الجوع ، ناوله طعاماً في أسرع وقت ، فلمّـا حقّقت أمره وجدته لم يتذوّق طعاماً لمدّة يومين لشدّة الفقر وتعفّفه وعدم إخباره أحداً عن حاله وجوعه[5].

فلذّة العلم تغني طالب العلم ، وتعلّمه الإباء وعزّة النفس وصرف النظر عن مال هذا وذاك وثروته ، فيصون كرامته ويحفظ شخصيّته وعزّته ، ويبقى متحرّراً من

قيود الرقّية لفلان وفلان .

فمن يطمع بمال الآخرين وعطائهم ويتقبّل هداياهم كيف يمكنه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويذبّ عن حياض الإسلام ويقف في وجه الظالمين بشجاعة .

وسلفنا الصالح من أخلاقهم الحسنة العفّة والسداد ، وكانوا يرفضون هدايا أصحاب المناصب والأثرياء التي تشكّل في الحقيقة وثيقة عبوديّة ذلك العالم لصاحب تلك الهديّة .

يقول الشهيد الثاني في منيته : فممّـا يلزم لكلّ واحد منهما ( العالم والمتعلّم ) بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة وغيرها ، توجيه نفسه إلى الله تعالى والاعتماد عليه في اُموره وتلقّي الفيض الإلهي من عنده ، ولا يعتمد على الأسباب فيتّكل إليها وتكون وبالا عليه ، ولا على أحد من خلق الله تعالى ، بل يلقي مقاليد أمره إلى الله تعالى في أمره ورزقه وغيرهما ، يظهر عليه من نفحات قدسه ولحظات اُنسه ما يقوم به أوده ويحصل مطلبه ، ويصلح به أمره ، وقد ورد في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : إنّ الله تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصّة عمّـا ضمنه لغيره ، بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي ، وطالب العلم لا يكلّف بذلك ، إن أحسن النيّة وأخلص العزيمة .

وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله تعالى بي ، وجميل معونته منذ اشتغلت بالعلم ... وبالجملة ليس الخبر كالعيان[6].

فعالم الدين لا بدّ له من أن يترفّع عن السفاسف ، مرفوع الهام محلّقاً في سماء العفّة والعزّة والإباء ، غنيّاً بقناعته وزهده وورعه ، وفي نفس الوقت الذي يحرص على أن يكون متواضعاً ، فإنّه يكون أبيّ النفس عزيزاً عفيفاً قنوعاً ، ويدع الدنيا لأهلها .

اُنظر إلى قدوة العلماء شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدس سره) لمّـا دفع إليه أحد أثرياء إيران مالا ليبني به بيتاً أو يشتري بيتاً لسكنه ، فإنّه لعزّة نفسه لم يصرف ذلك المبلغ في شؤونه الخاصّة ، وإنّما صرفه جميعه في شراء أرض وبناء مسجد عليها وهو أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف باسم مسجد الشيخ الأنصاري .

وعندما رجع ذلك الثريّ من الحجّ أراه الشيخ الأنصاري ذلك المسجد وقال له : هذا هو منزلي الذي كنت أنت السبب فيه .

كان الشريف الرضي (رحمه الله) شديد الالتزام بمبادئ الدين الحنيف وأحكام الشريعة ، فكان شديد الاجتناب للتملّق والمداهنة ، ولم يقبل الصِلات والهدايا من الملوك والسلاطين ، فكان عفيف النفس عالي الهمّة لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة .

يقول أحد الوزراء المعاصرين للسيّد الرضي (رحمه الله) :

ولِد للسيّد الرضيّ مولود ، فأرسلت إليه ألف دينار في طبق على ما هو المتعارف في مثل ذلك ، فردّه الرضيّ قائلا : الوزير يعلم أ نّي لا أقبل من أحد شيئاً . أرسلت ذلك الطبق ثانيةً وقلت : إنّ هذا المبلغ للمولود ولا علاقة لك به ، فردّه ثانيةً وقال : أطفالنا أيضاً لا يقبلون من أحد شيئاً . أرسلته إليه ثالثةً وقلت : إعطِ هذا المبلغ للقابلة ، فردّه وقال : إنّنا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلةً غريبة ، وإنّما عجائزنا يتولّين هذا الأمر من نسائنا ، ولسنَ ممّن يأخذن اُجرة ، ولا يقبلنَ صلة . أرسلته إليه رابعةً وقلت : هذا للطلاّب الذين يدرسون عندك ، فقال السيّد الرضيّ : ها هم الطلاّب جميعاً حاضرون ليأخذ كلّ منهم ما يريد . عندها قام أحد الطلاّب وتناول ديناراً واقتطع منه مقداراً احتفظ به ثمّ ردّ الباقي إلى الطبق . وسأله السيّد الرضي عن سبب ذلك فقال : احتجت البارحة شيئاً من الزيت للمصباح ولم يكن المتولّي لنفقة المدرسة موجوداً ، فاستدنت من البقّال حاجتي من الزيت ، وقد أخذت هذا المقدار من الدينار لأداء ديني هذا ، ثمّ ردّ الطبق .

بعد ذلك أمر السيّد بأن يكون مع كلّ طالب من طلاّب المدرسة مفتاح لصندوق ماليّة المدرسة ليأخذ حاجته عند الضرورة ، ولا يضطرّ أحد لمراجعة المسؤول عن ذلك[7].

وهذا شيخنا القمي صاحب مفاتيح الجنان ، في إحدى السنوات طلب أحد المحسنين من المحدّث القمّي أن يقبل التزامه بدفع مبلغ خمسين ديناراً عراقياً بإزاء مجلس وعظ المحدّث وخطابته ، وكان مصرف المحدّث آنذاك شهرياً ثلاثة دنانير ، إلاّ أ نّه رغم ذلك قال لهذا المحسن : أنا أرتقي المنبر لأجل الإمام الحسين (عليه السلام) ، ورفض قبول ذلك المبلغ .

هكذا كان سلفنا الصالح ، إلاّ أ نّه نسمع اليوم بين آونة واُخرى ما يحزّ القلب ويقطع أنياطه ، بأنّ فلان خطيب معروف يتعامل مع صاحب المجلس على منبره ، وفي بعض الأحيان لا يتّفق معه ، لأنّ هناك من يعطيه أكثر منه .

يحكى أنّ العالم الشيخ رضا الاسترآبادي قال : أيّام إقامتي في كربلاء والتشرّف بملازمة الوحيد البهبهاني ، جاء أحد التجّار للزيارة وأحضر قطعة قماش ثمينة هديّة لسماحته ، وحيث إنّه كان قد سمع أ نّه لا يقبل شيئاً من أحد ، فقد حاول أن يجد الطريقة المناسبة ليقبلها منه ، فقيل له : إذا توسّط لك في قبول الهديّة الشيخ رضا الاسترآبادي فقد يقبلها الشيخ الوحيد لأ نّه يكرمه ، فجائني فلم أقبل وساطة ذلك لعلمي بعدم قبول الهديّة ، فقال التاجر : لو تمكّنت لأهديت له قطعةً اُخرى ، فرضيت فأتيت الشيخ ، وبعد أن فتح الباب وأخبرته بالواقعة ، قبل أن اُكمل كلامي أغلق الباب عليَّ وقال : تصوّرت أ نّك أتيت في هذا الحرّ الشديد لحلّ مشكلة علميّة ، فطرقت الباب مرّة اُخرى وقلت له : لو قبلتها لأهدى إليَّ قطعةً اُخرى فلا تجعلني أخسرها ، فضحك الشيخ وقال : بُني ، عليك بالدرس ولا تصرف وقتك في هذه الاُمور العبثيّة ، ثمّ قبل الهديّة وقال : بشرط أن لا تتوسّط بعد في مثل هذه الاُمور .

وأخيراً يقول العارف بالله الشيخ محمّد البهاري من تلامذة آية الله الشيخ حسينقلي الهمداني الكبار ، ومن الواصلين إلى حريم القرب الإلهي ، يتحدّث عن صفات العالم :

الثالث : لا بدّ أن يكون متوكّلا على مولاه ، آيساً عمّـا في أيدي الناس ، فلا يتملّق لأحد من الأغنياء ، ويسمّي ذلك تواضعاً ، فإنّ تواضع الفقير هو التكبّر عليهم من حيث أ نّهم أغنياء .

الرابع : أن لا يداهنهم بالخوض في الباطل طمعاً بما في أيديهم من حطام الدنيا ...

السابع : ما يعطيه إيّاه غيره من المال ، إن علم أ نّه حرام وجب عليه الامتناع ، وإن علم أ نّه مشتبه أو حلال فيه منّة فردّه له راجح ، وإن علم أ نّه هديّة محلّلة بغير منّة استحبّ له القبول تأسّياً بالنبيّ والأئمة (عليهم السلام) ، وإن كان من الصدقات وهو مستحقّ ، فإن علم أ نّه يعطي رياءً وسمعةً يمكن أن يقال بعدم جواز الأخذ إذا صدق أ نّه إعانة على الإثم .

وينبغي له التعفّف عن السؤال ما استطاع ، فإنّه فقر معجّل وحساب طويل لعدم خلوّه من الآفات غالباً ، إذ هو متضمّن للشكوى وذهاب ماء الوجه ، والذلّ عند غيرالله وإيذاء المسؤول ، وإعطائه استحياءً أو رياءً أو إلجاءً أمر يورث شتم السائل وإيذاءه ، إلى غير ذلك من الآفات ، ولذا روي : « أنّ مسألة الناس من الفواحش » ، نعم لو كان في مقام الاضطرار ، فله ذلك ، بل قد يجب ، إلاّ أنّ تشخيص درجات هذه المقامات في غاية الإشكال والصعوبة[8].

هذه بعض النماذج والوصايا من سيرة علمائنا الأعلام في عفّة النفس وعزّتها ، والعفّة تعدّ من اُمّهات الأخلاق الحسنة ، كما جاء في المحجّة البيضاء ، قال بعض الأعلام :

« كما أنّ حسن الصورة الظاهرة مطلقاً لا يتمّ بحسن العينين دون الأنف والفم والخدّ ، بل لا بدّ من الحسن في جميعها حتّى يتمّ حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق ، وهي : قوّة العلم ، وقوّة الغضب ، وقوّة الشهوة ، وقوّة العدل بين هذه القوى الثلاث ، وحسن القوّة الغضبيّة واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة ، فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمّي ذلك تهوّراً ، وإن مالت إلى الضعف والنقصان سمّي ذلك جُبناً وخوراً ، وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة سمّي شرهاً ، وإن مالت إلى النقصان سمّي خموداً ، والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة ، والطرفان مذمومتان . والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان ، بل له ضدّ واحد وهو الجور ، وأمّا الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبّاً وجربزة ، ويسمّى تفريطها بلهاً ، والوسط هو الذي يختصّ باسم الحكمة ، فإذن اُمّهات الأخلاق واُصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفّة والعدل ، فمن اعتدال هذه الاُصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلّها[9].

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا تكمل المكارم إلاّ بالعفاف والإيثار[10].

ويقول الشهيد الثاني في منيته في الآداب التي يشترك فيها المعلّم والمتعلّم :

الخامس : أن يكون عفيف النفس عالي الهمّة منقبضاً عن الملوك وأهل الدنيا ، لا يدخل إليهم طمعاً ، ما وجد إلى الفرار منهم سبيلا ، صيانة العلم عمّـا صانه السلف . فمن فعل ذلك ، فقد عرض نفسه وخان أمانته ، وكثيراً ما يثمر عدم الوصول إلى البُغْية ، وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفّف المنقبض ، وشاهده مع النقل والوجدان .

قال بعض الفضلاء لبعض الأبدال : ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون ولا يجدون للعلم مقداراً ، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك ؟ فقال : إنّ علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوك والأكابر وأهل الدنيا ، فيبذلون لهم دنياهم ، ويلتمسون منهم علمهم ، فيبالغون في دفعهم وردّ منّتهم عنهم ، فصغرت الدنيا في أعين أهلها ، وعظم قدر العلم عندهم ، نظراً منهم إلى أنّ العلم لولا جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا ، ولولا حقارة الدنيا وانحطاطها لما تركوها رغبةً عنها ، ولمّـا أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء الدنيا ، وبذلوا لهم علمهم التماساً لدنياهم ، عظمت الدنيا في أعينهم ، وصغر العلم لديهم لعين ما تقدّم .

وقد سمعت جملةً من الأخبار في ذلك سابقاً ، كقول النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « الفقهاء اُمناء الرسل ، ما لم يدخلوا في الدنيا . قيل : يا رسول الله ، وما دخولهم في الدنيا ؟ قال : اتّباع السلطان ، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم » ، وغيره من الأحاديث .

واعلم أنّ القدر المذموم من ذلك ليس هو مجرّد اتّباع السلطان كيف اتّفق ، بل اتّباعه ليكون توطئةً له ، ووسيلة إلى ارتفاع الشأن ، والترفّع على الأقران وعظم الجاه والمقدار ، وحبّ الدنيا والرئاسة ونحو ذلك ، أمّا لو اتّبعه ليجعله وصلةً إلى إقامة نظام النوع ، وإعلاء كلمة الدين ، وترويج الحقّ ، وقمع أهل البدع ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك ، فهو من أفضل الأعمال فضلا عن كونه مرخّصاً ، وبهذا يجمع بين ما ورد من الذمّ وما ورد أيضاً من الترخيص في ذلك ، بل عن فعل جماعة من الأعيان كعليّ بن يقطين وعبد الله النجاشي وأبي القاسم بن روح أحد الأبواب الأربعة الشريفة ، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيغ ونوح بن درّاج وغيرهم من أصحاب الأئمّة ، ومن الفقهاء مثل السيّدين الأجلّين المرتضى والرضي وأبيهما والخواجة نصير الدين الطوسي والعلاّمة بحر العلوم جمال الدين بن المطهّر وغيرهم كالعلاّمة المجلسي والشيخ البهائي قدّس الله أسرارهم الزكيّة .

وأخيراً ، يا طالب العلم ـ زاد الله في توفيقك ـ إجعل شعارك في الحياة قوله تعالى :

( يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ )[11].

 

 

________________________________________

[1]راجع في ذلك جامع السعادات للمرحوم المحقّق النراقي (قدس سره) ، وكذلك المحجّة البيضاء للمحقّق الفيض الكاشاني (قدس سره) .

[2]البقرة : 272 .

[3]النور : 60 .

[4]ميزان الحكمة 3 : 2006 ، الطبعة الجديدة .

[5]تعليم وتعلّم : 76 ، قصص وخواطر : 246 .

[6]منية المريد : 61 .

[7]سيماء الصالحين : 337 ، وفيه قصص بديعة في هذا المضمون ، فراجع .

[8]سيماء الصالحين : 349 .

[9]ميزان الحكمة 3 : 144 .

[10]المصدر : 147 .

[11]البقرة : 272 .