akdak

المقالات

قسم الحوزة العلمية

طالب العلم - والسيرة الأخلاقية

156

--------

الأمر العاشر - تعظيم المعلّم والتواضع له

 

 

آية الحقّ الشهيد الثاني أعلى الله مقامه الشريف في منيته يذكر آداباً يختصّ بها المعلّم ، وإنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام : آدابه في نفسه ، وآدابه مع طلبته ، وآدابه في مجلس درسه .

فمن الأوّل ـ أي آدابه في نفسه ـ فاُمور :

1 ـ أن لا ينتصب للتدريس حتّى تكمل أهليّته ويظهر استحقاقه لذلك .

2 ـ أن لا يذلّ العلم فيبذله لغير أهله .

3 ـ أن يكون عاملا بعلمه .

4 ـ زيادة حسن الخلق والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس .

5 ـ أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النيّة .

6 ـ بذل العلم عند وجود المستحقّ وعدم البخل به .

7 ـ أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله .

8 ـ إظهار الحقّ بحسب الطاقة من غير مجاملة لأحد من خلق الله تعالى .

ومن الثاني ـ أي آدابه مع طلبته ـ فاُمور :

1 ـ أن يؤدّبهم على التدريج بالآداب السنيّة والشيم المرضية ورياضة النفس بالآداب الدينيّة والدقائق الخفيّة .

2 ـ أن يرغّبهم في العلم ويذكّرهم بفضائله وفضائل العلماء وأ نّهم ورثة الأنبياء (عليهم السلام) .

3 ـ أن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشرّ .

4 ـ أن يزجره عن سوء الأخلاق وارتكاب المحرّمات والمكروهات أو ما يؤدّي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب ، أو كثرة كلام من غير فائدة ، أو معاشرة من لا تليق معاشرته .

5 ـ أن لا يتعاظم على المتعلّمين ، بل يلين لهم ويتواضع .

6 ـ إذا غاب أحد منهم أو من ملازمي الحلقة زائداً على العادة يسأل عنه وعن أحواله .

7 ـ أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم وكناهم ومواطنهم وأحوالهم .

8 ـ أن يكون سمحاً ببذل ما حصله من العلم .

9 ـ صدّ المتعلّم أن يشتغل بغير الواجب قبله .

10 ـ أن يكون حريصاً على تعليمهم ، باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم .

11 ـ أن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه من قواعد الفنّ .

12 ـ أن يحرّضهم على الاشتغال في كلّ وقت ، ويطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم .

13 ـ أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة والنكت الغريبة ، يختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل .

14 ـ أن ينصفهم في البحث .

15 ـ أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودّة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات .

16 ـ أن يقدّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق .

17 ـ إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله ، أوصاه بالرفق بنفسه .

18 ـ إذا كان متكفّلا ببعض العلوم لا غير ، لا ينبغي له أن يقبّح في نفس الطالب العلوم التي وراءه .

19 ـ أن لا يتأذّى ممّن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره أيضاً لمصلحة راجعة إلى المتعلّم .

20 ـ إذا تكمّل الطالب وتأهّل للاستقلال بالتعليم واستغنى عن التعلّم فينبغي أن يقوم المعلّم بنظام أمره في ذلك ، ويمدحه في المحافل ويأمر الناس بالاشتغال عليه والأخذ عنه .

ومن الثالث ـ أي آدابه في درسه ـ فاُمور :

1 ـ أن لا يخرج إلى الدرس إلاّ كامل الاُهبة ، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللباس والهيئة والنظافة في الثوب والبدن .

2 ـ أن يدعو عند خروجه مريداً للدرس .

3 ـ أن يسلّم على من حضر إذا وصل إلى المجلس ، ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد إذا كان في المسجد ، وإلاّ نوى بهما الشكر لله تعالى .

4 ـ أن يجلس بسكينة ووقار وتواضع وخشوع وإطراق .

5 ـ قيل : يجلس مستقبل القبلة .

6 ـ أن ينوي قبل شروعه ، بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره .

7 ـ أن يستقرّ على سمت واحد مع الإمكان ، ويتّقي كثرة المزاح والضحك .

8 ـ أن يجلس في موضع يبرز وجهه فيه لجميع الحاضرين .

9 ـ أن يحسن خُلقه مع جلسائه زيادة على غيرهم .

10 ـ أن يقدّم على الشروع في البحث والتدريس تلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم تيمّناً وتبرّكاً .

11 ـ أن يتحرّى تفهيم الدرس بأيسر الطرق ، وأعذب ما يمكنه من الألفاظ .

12 ـ إذا تعدّدت الدروس ، فليقدّم منها الأشرف فالأشرف، والأهمّ فالأهمّ.

13 ـ أن لا يطوّل مجلسه تطويلا يملّهم ، أو يمنعهم فهم الدرس أو ضبطه .

14 ـ أن لا يشتغل بالدرس وبه ما يزعجه ويشوّش فكره من مرض أو جوع أو مدافعة حدث أو ما شابه ذلك .

15 ـ أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين من دخان أو غبار أو صوت مزعج وغير ذلك .

16 ـ مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار .

17 ـ أن لا يرفع صوته زيادة على الحاجة ، ولا يخفضه خفضاً يمنع بعضهم من كمال فهمه .

18 ـ أن يصون مجلسه عن اللغط .

19 ـ أن يزجر من تعدّى في بحثه ، أو ظهر منه لَدَد أو سوء أدب ، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحقّ .

20 ـ أن يلازم الإرفاق بهم في خطابهم وسماع سؤالهم .

21 ـ أن يتودّد لغريب حضر عنده وينبسط له لينشرح صدره .

22 ـ إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتّى يجلس ، وأعادها .

23 ـ إذا سُئل عن شيء لا يعرفه ، فليقل : لا أعرفه ، فإنّ لا أدري نصف العلم ، حتّى يراجع ويرى المسألة .

24 ـ إنّه إذا اتّفق له تقرير أو جواب توهّمه صواباً ، يبادر إلى التنبيه على فساده وتبيّن خطأه قبل تفرّق الحاضرين ، ولا يمنعه الحياء أو غيره من المبادرة .

25 ـ التنبيه عند فراغ الدرس أو إرادته بما يدلّ عليه إن لم يعرفه القارئ .

26 ـ أن يختم الدرس بذكر شيء من الرقائق والحكم والمواعظ وتطهير الباطن ، ليتفرّقوا على الخشوع والخضوع والإخلاص .

27 ـ أن يختم المجلس بالدعاء كما بدأ به .

28 ـ أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة ، فإنّ فيه فوائد وآداباً له ولهم .

29 ـ أن ينصب لهم نقيباً فطناً كيّساً يرتّب الحاضرين .

30 ـ أن يقول إذا قام من مجلسه : سبحانك اللهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّـا يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله ربّ العالمين .

هذه خلاصة ما ذكره الشهيد الثاني عليه الرحمة بالنسبة إلى آداب المعلّم[1] ، إنّما ذكرتها في هذا الفصل المنعقد لبيان آداب المتعلّم مع اُستاذه وتعظيمه والتواضع له استطراداً ولتعميم الفائدة .

وأمّا آداب الطالب والتلميذ مع شيخه واُستاذه ، وما يجب عليه من تعظيم حرمته ، فقد ورد ذلك في الآيات والروايات الكثيرة ، منها :

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : إنّ من حقّ العالم أن لا تكثر عليه السؤال ، ولا تأخذ بثوبه ، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم عليهم جميعاً وخصّه بالتحيّة دونهم ، واجلس بين يديه ، ولا تجلس خلفه ، ولا تغمز

بعينك ، ولا تشر بيدك ، ولا تكثر من القول : قال فلان وقال فلان ، خلافاً لقوله ، ولا تضجر لطول صحبته ، وإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتّى يسقط عليك منها شيء ، والعالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله .

وفي حديث الحقوق الطويل المرويّ عن سيّد الساجدين الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) : « وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه ، وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه ، وألاّ ترفع عليه صوتك ، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتّى يكون هو الذي يجيب ، ولا تحدّث في مجلسه أحداً ، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء ، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ، ولا تجالس له عدوّاً ولا تعادي له وليّاً ، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله جلّ وعزّ بأ نّك قصدته ، وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس .

وهذا الشهيد الثاني عليه الرحمة يذكر وجوهاً لطيفة وآداباً ظريفة تستفاد من ثلاث آيات في قصّة موسى والخضر (عليهما السلام) في قوله تعالى :

( هَلْ أتِّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَني مَمَّـا عُلِّمْتَ رُشْداً )[2].

وقوله عزّ وجلّ :

( سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أعْصي لَكَ أمْراً )[3].

وقوله تعالى :

( إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً )[4] ، فراجع .

ثمّ يقول : إذا تقرّر ذلك فلنعد إلى ذكر الآداب المختصّة بالمتعلّم مع شيخه ، حسب ما قرّره العلماء ، تفريعاً على المنصوص منها ، وهي اُمور :

1 ـ أن يقدّم النظر فيمن يأخذ عنه العلم ، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه ، وقد مرّ بيان ذلك ، بأنّ الطالب لا بدّ أن يختار المعلّم الصالح ، العامل بعلمه .

2 ـ أن يعتقد في شيخه أ نّه الأب الحقيقي والوالد الروحاني ، وهو أعظم من الوالد الجسماني . وقد ورد في الخبر الشريف : الآباء ثلاثة : أب ولّدك ، وأب زوّجك ، وأب علّمك ، وهو أفضلهم ، فيؤدّي حقّ الاُبوّة ولا يكون عاقّاً لوالده ، وقد سئل الاسكندر : ما بالك توقّر معلّمك أكثر من والدك ؟ فقال : لأنّ المعلّم سبب لحياتي الباقية ، ووالدي سبب لحياتي الفانية .

وما أروع ما ينقل عن الشريف الرضي ، أ نّه كان أبيّ النفس لم يقبل الهدايا ، فوهبه اُستاذه داراً ، فأبى قائلا : لا أقبل الهديّة حتّى من أبي . فقال له اُستاذه : ولكنّي اُستاذك وأباك الروحاني ، فقبل منه الهديّة .

وحكي عن السيّد موسى الصدر في أيّام زعامته ، دخل قم المقدّسة ، وفي طريقه رأى شيخاً كبير السنّ فانحنى ليقبّل ركبتيه ، فتعجّب من كان معه وسألوه عن سبب ذلك ؟ فقال : لقد قرأت ألفيّة ابن مالك عند هذا الشيخ ، فهو اُستاذي ، ولا بدّ لي من تقديره واحترامه .

فاحترام الأساتذة والعلماء وتوقيرهم يعني توقير الله سبحانه ، وأ نّه من أسباب التوفيق وهو أمر واجب على كلّ مسلم ، لا سيّما طلاّب العلوم الدينية .

فعدم احترامهم ذنب لا يغتفر وسبب للشقاء والهلاك ، وقصر العمر والحرمان من تحصيل العلم والعمل الصالح .

فلا تردّ على أهل العلم إلاّ عن علم واطّلاع ورجوع إلى المصادر ، فتعظيم علماء الدين وأهل التقوى وأصحاب الورع من المؤمنين وتكريمهم ، منشأ البركات وصلاح الدين والدنيا ، ونجاة العقبى .

ولمّـا سئل المحقّق الوحيد البهبهاني (قدس سره) : كيف بلغت هذا المقام العلمي والعزّة والشرف والإذعان من الآخرين ؟ فكتب في الجواب : أنا لا أعتبر نفسي شيئاً أبداً ، ولا أعدّ نفسي في مستوى العلماء الموجودين ... ولعلّ الذي أوصلني إلى هذا المقام ، وهو أ نّني لم أكفّ أبداً عن تعظيم العلماء وإجلالهم ، وذكر أسمائهم بالخير ... وإنّي لم أترك الدراسة في أيّ وقت ما استطعت ذلك ، وكنت اُقدّمها دائماً على سائر الأعمال .

كان المحدّث الجليل الشيخ عباس القمي (قدس سره) شديد الاحترام لأهل العلم ، وخصوصاً السادات وأولاد رسول الله ، وإذا وجد سيّداً في المجلس لم يكن يتقدّم عليه ولا يمدّ رجله باتّجاهه .

وكان نصير الدين الطوسي (رحمه الله) إذا جرى ذكر السيّد المرتضى علم الهدى يقول : صلوات الله عليه ، ويلتفت إلى القضاة والمدرّسين الحاضرين درسه ، ويقول : كيف لا يُصلّى على المرتضى .

عندما جاء آية الله الكلباسي إلى مدينة قم المقدّسة وذهب إلى مزارها الشريف ، كان يمشي في طريقه إلى المزار حافياً ، وقال : هذا المزار وطريقه مليء بالعلماء ورواة الحديث لذا ورعايةً للآداب لا اُريد أن أسير على قبورهم منتعلا .

يقول آية الله الشهيد دستغيب (قدس سره) : ورد الوعيد بالعقوبة الشديدة على كفران نعمة وجود العلماء ، منها ما ورد عن النبيّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) : « سيأتي زمان على الناس يفرّون من العلماء كما يفرّ الغنم من الذئب ، فإذا كان ذلك ابتلاهم الله بثلاثة أشياء : الأوّل : يرفع البركة من أموالهم ، والثاني : سلّط الله عليهم سلطاناً جائراً ، والثالث : يخرجون من الدنيا بلا إيمان »[5].

ويقول العلاّمة الشعراني (قدس سره) : والنصيحة الأخيرة أن لا يعتبروا أنّ العلم بدون التقوى والورع ذا قيمة أبداً ، وأن لا يستخفّوا بكلام علماء الدين ، وأن يعلموا أنّ تعظيمهم أحياءً وأمواتاً يوجب مزيد التوفيق .

وأنا أغتنم هذه الفرصة هنا واُحذّر طلاّب العلوم الدينية الذين هم مثلي لم يصلوا إلى كمال العلم ، أن لا يسيئوا الظنّ أبداً بكبار علماء الدين ، إذ أنّ أقلّ جزاء لهذا العمل هو الحرمان من فيض علومهم .

هذا بالنسبة إلى تعظيم العلماء ورجال الدين ، ومن وقّر عالماً فقد وقّر ربّه ، وأمّا تعظيم الاُستاذ فله امتياز خاصّ ، فإنّ يشتدّ الاحترام بالنسبة إليه ، فإنّ من لم يحترم اُستاذه سلب منه بركة العلم ، ولا يوفّق في الدراسة .

فهذا الآخوند الخراساني صاحب الكفاية المحقّق الكبير لم يرتقِ المنبر للتدريس طيلة حياة اُستاذه الميرزا الكبير الشيرازي مع أنّ عمر الآخوند كان قد جاوز الخمسين ، وكان مجتهداً ويدرّس طلاّبه جالساً على الأرض .

وفي أوّل درس بعد وفاة الميرزا في سامراء ارتقى الآخوند المنبر وجلس في صدره وقال : قال الاُستاذ رحمه الله ، وأقول .

قالوا : وقد كان لهذه الـ ( أقول ) دويّ في المحافل العلميّة في النجف الأشرف .

وكان بعد وفاة اُستاذه يقدّم ولده الميرزا علي على نفسه ، فلمّـا سُئل عن سبب ذلك ؟ قال : هذا ابن اُستاذي واحترامه واجب عليّ ـ وذلك من باب يحفظ المرء في ولده ـ .

ويحدّثنا آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري عن والده مؤسّس الحوزة العلميّة بقم أ نّه قال : التوفيقات التي كانت من نصيبي واستطعت في ظلّها أن أؤسس الحوزة كلّها رهن الخدمات التي قدّمتها لاُستاذي المرحوم السيّد محمّد الفشاركي ، في الفترة التي ابتلي بها سماحته بمرض شديد ، بلغ به إلى حدّ أ نّي كنت طيلة ستّة أشهر اُقدّم له الإناء لقضاء الحاجة ... وكنت أفتخر بذلك .

وكثير من علمائنا الأعلام حينما يذكرون اسم أساتذتهم يتبعونه بقولهم : ( روحي فداه ) .

هذا في مقام التعظيم والاحترام ، وأمّا سوء الأدب مع الاُستاذ فتلك الشقاوة والهلاك .

يقول المحدّث الجليل آية الله العظمى السيّد نعمة الله الجزائري (قدس سره) : وكان في إصفهان رجلٌ عالم من مجتهدينا رأيناه ، وقرأنا عليه ، وقد كان في أوّل تحصيله يقرأ عند مجتهد آخر ، فلمّـا نشأ ذلك التلميذ ، أنكر قراءته على ذلك الشيخ ، ولم يقرّ له بالفضل ، فبلغ الاُستاذ قوله ، فدعا عليه وقال : اللهمّ اسلبه كلّ ما قرأه عندي وأخذه عنّي ، فسلبه الله الحافظة بعدما كان مشهوراً بالحفظ ، فصار لا يحفظ مسألة على خاطره ، بل لا بدّ له في كلّ مسألة من مراجعة كتبه ومؤلفاته ، وهو الآن موجود في إصفهان ، ونحن نحمد الله على توفيقه لنا لبرّ المشايخ ، والقيام بوظائف خدمتهم ، والاستغفار لهم أحياءً وأمواتاً ورضاهم عنّا[6].

وجاء في هامش الأنوار النعمانيّة : كان في النجف رجل فاضل له خبرة بالعبارات الغامضة والمطالب المعقّدة في مختلف الكتب ، وكان يبحث عن مثل هذه المسائل ويستخرجها من الكتب ويطرحها على العالم الجليل الشيخ محمّد حسن المامقاني ـ الذي كان من المراجع الكبار وتوفّي سنة 1323 هـ ـ يطرحها عليه في المجالس العامّة ومجالس العلماء والطلاب ، ولم يكن له هدف إلاّ إهانة ذلك الرجل العظيم وتحقيره وإظهار عجزه أمام الآخرين . وعندما تنبّه العلماء لنيّته ، نهوه عن هذه العادة القبيحة ، ونصحه أصدقاءه ، ولكنّه لم يكن يتقبّل النصيحة ، وسرعان ما مات ، إذ ابتلي بمرض عضال ، وقضى في شبابه ، ولم يشكّ أحد أنّ السبب في مرضه وقصر عمره إساءته الأدب مع الشيخ المامقاني .

وأخيراً : كان الشيخ الأنصاري (قدس سره) عائداً من كربلاء إلى النجف ومعه جمع من العلماء ، منهم العارف الكبير السيّد علي الشوشتري وصي الشيخ ، فعندما ركبوا السفينة وقع حذاء الشيخ سهواً على بساط أحد مشايخ العرب ، وكان يبغض الشيخ ويحسده ، فقال بوقاحة : العجم لا أدب لهم ولا معرفة ، خصوصاً أهل شوشتر ، فلم يقل الشيخ شيئاً ، وطلب السيّد علي الشوشتري من الشيخ أن يجيبه على وقاحته ، إلاّ أنّ الشيخ بقي ساكتاً ، وعصر ذلك اليوم ابتلي الشيخ العراقي بالقولنج ، وبعد قليل أخرجوا جنازته من السفينة للدفن[7].

الله الله في تعظيم واحترام العلماء والاُستاذ ، وإيّاكم وسوء الأدب ، فإنّ فيه الهلاك والحرمان ، وأمّا حسن الأدب ففيه البركة والتوفيق والإحسان .

3 ـ أن يعتقد الطالب أ نّه مريض النفس واُستاذه هو الطبيب ، ولا يصحّ في مقام المعالجة مخالفة الطبيب .

4 ـ أن يحترم اُستاذه ، فإنّ بركة العلم في تعظيم الاُستاذ ، فيضرب صفحاً عن عيوبه إن كانت ، فإنّ ذلك أقرب إلى انتفاعه به ، ولقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدّق بشيء وقال : اللهمّ استر عيب معلّمي عنّي ، ولا تذهب ببركة علمه منّي .

وقال آخر : والله ما اجترأت أن أشرب الماء وشيخي ينظر إليَّ هيبةً له .

وقال حمدان الإصفهاني : كنت عند شريك ، فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي ، فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث ، فلم يلتفت إليه وأقبل علينا ، ثمّ عاد ، فعاد شريك لمثل ذلك ، فقال : أتستخفّ بأولاد الخلفاء ؟ قال : لا ، ولكنّ العلم أجلّ عند الله من أن اُضيّعه ، فجثا على ركبتيه ، فقال شريك : هكذا يطلب العلم .

وقد ذكرنا تفصيل هذا الأدب في ما مرّ ، وأتينا بشواهد من حياة علمائنا الأعلام .

5 ـ أن يتواضع للاُستاذ زيادة على ما اُمر به من التواضع للعلماء وغيرهم ، ويعلم أنّ ذلّه لشيخه عزّ ، وخضوعه له فخر ، وتواضعه له رفعة ، وتعظيم حرمته مثوبة ، وخدمته شرف .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من علّم أحداً مسألة ملك رقّه . قيل : أيبيعه ويشتريه ؟ قال : بل يأمره وينهاه .

6 ـ أن لا ينكر عليه ، ولا يتآمر ولا يشر عليه بخلاف رأيه ، فيرى أ نّه أعلم بالصواب منه ، بل ينقاد إليه في اُموره كلّها .

7 ـ أن يبجّله في خطابه وجوابه ، في حضوره وغيبته ، ولا يخطابه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعد ، بل يقول : يا سيّدي ، ويا مولاي ، وما شابه ذلك ، ويخاطبه بصيغ الجمع تعظيماً ، نحو : « ما تقولون في كذا » ، ولا يسمّيه في غيبته باسمه إلاّ مقروناً بما يشعر بتعظيمه .

8 ـ تعظيم حرمته في نفسه واقتداؤه به ، ومراعاة سيرته في حضوره وغيبته وبعد موته ، فيدعو له مدّة حياته ويردّ من يستغيبه ، زيادة عمّـا يجب رعايته مع غيره ، ويرعى ذرّيته وأقاربه ومحبّيه في حياته وبعد موته ، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له ، كما رأيت ذلك تكراراً ومراراً ، بل ما كان يدخل الحرم الشريف للسيّدة المعصومة (عليها السلام) شيخنا في الرواية آية الله العظمى الشيخ محمّد علي الأراكي إلاّ وكان يجلس على قبر آية الله العظمى السيّد الخوانساري (قدس سره) ويزوره ، وسيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني ما كان يبدأ بالدرس إلاّ ويقرأ سورة الحمد ليهدي ثوابها على روح أساتذته .

9 ـ أن يشكر الشيخ على توفيقه له على ما فيه فضيلة ، وعلى توبيخه له على ما فيه نقيصة أو كسل يعتريه ، أو قصور يعانيه ، أو غير ذلك .

10 ـ أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه واُستاذه ، أو سوء خلق ، ولا يصدّه ذلك على ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله ، ويتأوّل أفعاله على أحسن تأويل وأصحّه ، ويعتذر منه ، ومن لم يصبر على بذل التعليم ، بقي عمره في عماية الجهالة ، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزّ الدنيا والآخرة ، فلا بدّ من الصبر الجميل مع الاُستاذ .

11 ـ أن يجتهد على أن يسبق بالحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ، ويحترز أن يدع الشيخ جالساً بانتظاره .

12 ـ أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العامّ بغير إذنه ، سواء كان الشيخ وحده أم معه غيره .

13 ـ أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة ، فارغ القلب من الشواغل ، نشيطاً منشرح الصدر ، صافي الذهن ، متطهّراً متنظّفاً .

14 ـ أن لا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وما شابه ذلك ، ممّـا يشقّ عليه فيه البحث .

15 ـ إذا دخل على الشيخ ووجده مشغولا ويريد انصرافه فليسلّم ، ويخرج سريعاً ، إلاّ إذا طلب الشيخ مكثه فيستجيب .

16 ـ إذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ، ولا يفوّت على نفسه درسه .

17 ـ أن لا يطلب من الشيخ إقراءً في وقت يشقّ عليه فيه ، أو لم تجرِ عادته بالإقراء فيه .

18 ـ أن يجلس بين يديه جلسة الأدب بسكون وخضوع وإطراق رأس وتواضع وخشوع .

19 ـ أن لا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو وسادة ونحو ذلك ، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره .

20 ـ أن يصغي إلى الشيخ ناظراً إليه ، ويقبل بكلّيته عليه ، متعقّلا وفاهماً لقوله ، ولا يلتفت إلى الجهات من غير ضرورة ، ولا يتمطّى ولا يكثر التثاؤب ، ولا يلفظ النخامة من فيه بل يأخذها منه بمنديل ونحوه ، ولا يتجشّأ ، وإذا عطس حفظ صوته جهده ، وستر وجهه بمنديل وغيره ، وذلك كلّه ممّـا يقتضيه النظر المستقيم والذوق السليم .

21 ـ أن لا يرفع صوته رفعاً بليغاً من غير حاجة ، ولا يسار في مجلسه ، ولا يغمز أحداً ولا يغتاب عنده ولا ينمّ وما شابه ذلك .

22 ـ أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ، ولا يقول له : لِمَ ؟ ولا نسلّم ولا ( من نقل هذا ؟ ) ولا ( أين موضعه ) وما شابه ذلك ، فيراعي آداب الكلام وعفّة اللسان مع اُستاذه .

23 ـ إذا ذكر الشيخ تعليلا وعليه تعقّب ولم يتعقّبه أو بحثاً وفيه إشكال ولم يستشكله ، أو إشكالا وعنه جواب ولم يذكره ، فلا يبادر إلى ذكر ذلك ، بل يشير إليه بألطف إشارة .

24 ـ أن يتحفّظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه ولا يليق خطابه به مثل : أيش بك ؟ وفهمت ؟ وما شابه ذلك .

25 ـ إذا خطأ الشيخ في كلامه فلا يضحك ولا يستهزئ ويعيدها ، أو يلفت الطلاب إليه ، فإنّ هذا ممّـا يوجب مقت الله والحرمان من بركات العلم .

26 ـ أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره ، إلاّ إذا علم من الشيخ أ نّه يودّ أن يجيب هو فلا بأس به .

27 ـ أن لا يقطع كلامه على الشيخ أيّ كلام كان ، ولا يسابقه فيه ولا يساوقه به بل يصير حتّى يتمّ الشيخ كلامه فيتكلّم .

28 ـ أن يصغي إلى كلام الشيخ حتّى فيما لو عرف كلام أو حفظ الشعر الذي يقرأه الشيخ أو ما شابه ذلك ، بل إذا سأله الشيخ هل يعرف ذلك ، فليقل : اُحبّ أن أستفيده من الشيخ أو أسمعه منه .

29 ـ لا ينبغي له أن يكرّر سؤال ما يعلمه ، ولا استفهام ما يفهمه ، فإنّه يضيّع الزمان وربما يوجب ضجر الاُستاذ ، فإنّ إعادة الحديث أثقل من نقل الصخر كما قيل .

30 ـ أن لا يسأل عن شيء في غير موضعه ، ففاعل ذلك لا يستحقّ جواباً ، والعاقل الذي يضع الأشياء في مواضعها .

31 ـ أن يغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه ، ويتلطّف في سؤاله ويحسن في جوابه .

32 ـ أن لا يستحيي من السؤال عمّـا أشكل عليه ، بل يستوضحه أكمل استيضاح ، فمن رقّ وجهه رقّ علمه ، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة .

33 ـ إذا قال له الشيخ : أفهمت ؟ فلا يقول : نعم . قبل أن يتّضح له المقصود اتّضاحاً جليّاً ، لئلاّ يكذب ويفوته الفهم ، ولا يستحي من قول : لم أفهم .

34 ـ أن يكون ذهنه حاضراً في جهة الشيخ ، بحيث إذا أمره بشيء أو سأله عن شيء أو أشار إليه ، لم يحوجه إلى إعادته ثانياً .

35 ـ إذا ناوله الشيخ الاُستاذ شيئاً تناوله باليمنى ، وكذلك العكس ، ولا يرمي إليه شيئاً من كتاب أو ورقة أو غيرهما .

36 ـ إذا ناوله قلماً ليكتب به فليعده قبل إعطائه إيّاه للكتابة .

37 ـ إذا ناوله سجّادة ليصلّي عليها نشرها أوّلا ، وأولى منه أن يفرشها هو عند قصد ذلك ، وبعبارة اُخرى يكون دائماً بخدمة اُستاذه .

38 ـ إذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجّادة إن كانت ممّـا تنقل له ، وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج إليه ، وإلى تقديم نعله إن لم يشقّ ذلك على الشيخ ، ويقصد بذلك كلّه التقرّب إلى الله تعالى بخدمته والقيام بحاجته ، وقيل : أربعة لا يأنف الشريف منهنّ ، وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم الذي يتعلّم منه ، والسؤال عمّـا لا يعلم ، وخدمته للضيف .

39 ـ أن يقوم لقيام الشيخ ، ولا يجلس وهو قائم ، ولا يضطجع بحضرته مطلقاً ، إلاّ أن يكون في وقت نوم ويأذن له .

40 ـ إذا مشى مع شيخه ، فليكن أمامه بالليل ووراءه بالنهار ، إلاّ أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها ، أو يأمره الشيخ بحالة فيتمثّلها .

فهذه جملة من الآداب التي على طالب العلم أن يراعيها مع اُستاذه ومعلّمه ، وهناك آداب كثيرة اُخرى يستنبط ممّـا قدّمناه ، يقف عليها الألمعيّ الذكي ، والله خير ناصر ومعين ، ومنه التوفيق والسداد .

 

 

 

الأمر الحادي عشر - رعاية آداب محفل الدرس

 

 

عندما كنت أكتب عن وظائف طالب العلم مع اُستاذه ، وكنت أعيش مع الشهيد الثاني وبستانه الفتّان ، ذات الأشجار اليانعة والأغصان المثمرة ، قلت في نفسي ، وكلّها شوق وسرور ، حقّاً ما أروع تلك المدرسة والحوزة التي يحكمها مثل هذه الأخلاق العالية والآداب الرفيعة ، وإنّها هي الجنّة ، وعرفت مغزى زهد سلفنا الصالح ، وأ نّهم زهدوا في الدنيا لمثل هذه المكارم والأخلاق السامية ، ولا ريب من يستلذّ بالعلم النافع والعمل الصالح ، يترك الدنيا وما فيها لأهلها ، بل يهتف صارخاً : أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذائذ الروحيّة والمستلذّات المعنويّة والعقليّة .

فيصبر على الغربة والفقر لطلب العلم ولا يشبع منه ، وقد قيل : لا يأتي العلم إلاّ بالغربة والفقر ، وفي الخبر الشريف : منهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب دنيا .

ومن أسعد الناس ذلك العالم الذي عمل بعلمه ، فإنّه فاز بخير الدنيا والآخرة ، وأنت يا طالب العلم ، إنّما توفّق في حياتك العلميّة والعمليّة ، لو تخلّقت بأخلاق الله ، وبأخلاق أنبيائه والأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، لو راعيت الآداب حقّ المراعاة ، فمن واجبك أن تحفظ حقوق وآداب الدرس ، وهي ـ كما يذكرها الشهيد الثاني (قدس سره) في منيته ـ كما يلي :

1 ـ بداية أمرك أن تحفظ كتاب الله الكريم حفظاً متقناً ، فهو أصل العلوم وأهمّها ، وكان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلاّ لمن حفظ القرآن المجيد ، وعليه أن يتعهّد دراسته حتّى لا ينساه .

2 ـ أن تقتصر على المطالعة على ما يحتمله فهمك وينساق إليه ذهنك ، واحذر من الاشتغال بما يبدّد الفكر ، ويضيع الذهن ، وليتقن الكتاب الذي يقرأه .

3 ـ عليك بالاعتناء التام بتصحيحك درسك تصحيحاً متقناً ، ثمّ تحفظه حفظاً محكماً ، ثمّ تكرّره تكراراً جيّداً .

وكان والدي العلاّمة السيّد علي بن الحسين العلوي (قدس سره) في مقام النصيحة يقول : إذا أردت أن تحفظ مادّة الدرس فعليك بالاُمور الأربعة التالية : أن تقرأ الدرس قبل حضوره ، ثمّ تحضر عند الاُستاذ وتتوجّه إليه أكثر في ذلك الموضع الذي لم تفهمه حين المطالعة ، ثمّ تطالعه مرّةً اُخرى ، ثمّ تتباحث فيه مع مباحثك ، ولا بدّ لك من زميل تتباحث معه الدرس ، بمعنى أن يكون يوماً هو الاُستاذ ، وأنت تناقشه ، وفي اليوم الآخر تكون أنت الاُستاذ وهو يناقشك ، وبهذا لا تنسى الدرس .

4 ـ أن تحضر معك القلم والقرطاس للتصحيح وضبط النكات واللطائف التي يذكرها الاُستاذ .

5 ـ على طالب العلم أن يرتّب الأهمّ فالأهمّ في الحفظ والتصحيح والمطالعة ، وليذاكر بمحفوظاته ويديم الفكر فيها ، ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد .

6 ـ أن يقسّم أوقات ليله ونهاره على ما يحصّله ، ويغتنم ما بقي من عمره ، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار ، وللبحث الأبكار ، وللكتابة وسط النهار ، وللمطالعة والمذاكرة الليل وبقايا النهار .

7 ـ أن يبكّر بدرسه ، كما ورد في الخبر الشريف : « بورك لاُمّتي في بكورها » ، ولخبر : « اغدوا في طلب العلم ، فإنّي سألت ربّي أن يبارك لاُمّتي في بكورها ».

8 ـ أن يبكّر بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه ، فإنّه أحد جناحي العالم بالشريعة ، والجناح الآخر القرآن الكريم .

9 ـ أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها سيّما محفوظاته ، فإنّ الأسانيد أنساب الكتب .

10 ـ إذا حفظ وفهم المختصرات ، فلينتقل إلى المبسوطات والمطوّلات مع الفهم الدقيق والعناية التامّة ، ويقيّد فوائد العلم بالكتابة ، وقيل : العلم وحشي إن تركته يمشي ، فقيّدوا العلم بالكتابة .

11 ـ أن يبالغ في الجدّ والطلب والتشمير ، ولا يقنع من إرث الأنبياء باليسير ، ويغتنم وقت الشباب ، ولا يرى في نفسه أ نّه استغنى عن المشايخ .

12 ـ أن يلازم محفل اُستاذه فإنّه لا يزيده إلاّ خيراً وتحصيلا وعلماً وأدباً ، فلا يملّ من طول صحبته .

13 ـ إذا حضر مجلس اُستاذه ، فليسلّم على الحاضرين بصوت يسمعهم ، ويخصّ الاُستاذ بزيادة التحيّة والإكرام .

14 ـ إذا سلّم لا يتخطّى رقاب الحاضرين إلى قرب الاُستاذ ، وإن لم يكن منزلته كذلك ، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس كما ورد في الحديث ، فإنّ تخطّي الرقاب سخافة .

15 ـ أن يحرص على قربه من الشيخ حيث يكون منزلته ، ليفهم كلامه فهماً كاملا بلا مشقّة .

16 ـ أن يتأدّب مع زملائه في الدرس ، فإنّ التأدّب معهم تأدّب مع الاُستاذ ومن احترامه .

17 ـ أن لا يزاحم أحداً في مجلسه ، ولا يؤثر قيام أحد له من محلّه .

18 ـ أن لا يجلس في وسط حلقة الدرس ، ولا قدّام أحد لغير ضرورة ، فقد روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لعن من جلس وسط الحلقة .

19 ـ أن لا يجلس بين أخوين أو أب وابن أو قريبين أو متصاحبين إلاّ برضاهما معاً .

20 ـ ينبغي للحاضرين إذا جاء القادم أن يرحّبوا به ويفسحوا المجلس له ، ولا يضايقهم .

21 ـ أن لا يتكلّم في أثناء الدرس إلاّ بإذن من الاُستاذ .

22 ـ أن لا يشارك أحدٌ من الجماعة أحداً في حديثه مع الشيخ والاُستاذ .

23 ـ إذا أساء أحد الطلبة أدباً ، لم ينهه غير الاُستاذ ، إلاّ بإشارة منه .

24 ـ إذا أراد القراءة على الشيخ فليراعِ نوبته تقديماً وتأخيراً ، ويراعي النوبة في كلّ شيء ، حتّى لا يكون ظالماً للغير . وهذا من العدالة الاجتماعية ، كما أنّ حرّية الفرد ممدوحة ما لم تتجاوز حقوق الآخرين .

25 ـ أن يكون جلوسه مع الاُستاذ في كمال الأدب .

26 ـ أن لا يقرأ حتّى يستأذن الاُستاذ ، فإن أذن له استعاذ بالله ثمّ سمّى الله وحمده وصلّى على النبيّ وآله ، ثمّ يدعو للاُستاذ ولوالديه ولمشايخه وللعلماء ولنفسه ثمّ يقرأ .

27 ـ ينبغي أن يباحث ويذاكر من يرافعه من زملاء الدرس ومواظبي مجلس الشيخ بما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك .

28 ـ أن تكون المذاكرة والمباحثة المذكورة في غير مجلس الاُستاذ ، أو فيه بعد انصرافه .

29 ـ على الطلبة مراعاة الأدب المتقدّم أو قريباً منه مع كبيرهم ومعيد درسهم ، فإنّه بمنزلة الاُستاذ .

30 ـ يجب على من علم منهم بنوع من العلم وضرب من الكمال أن يرشد رفقته وزملائه ، ويرغّبهم في الاجتماع والتذاكر والتحصيل ، وإنّ زكاة العلم نشره ، فلا يبخل عليهم ما داموا من أهل العلم ، ولا يحتقرهم ولا يحسدهم ، ولا يعجب بفهمه وسبقه لهم ، وليحمد الله على ما أنعم عليه ، فإنّه كان مثلهم ، والله وليّ التوفيق[8].

 

الأمر الثاني عشر - حسن الخلق والحلم

 

 

من أهمّ فلسفة البعثة النبويّة نشر الخلق الحسن في المجتمع ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فهم أولى من غيرهم بحسن الخلق والتحلّي به ، ونشره سلوكاً وعملا وقولا ، فإنّ سوء الخلق ممّـا ينفّر الطباع ويوجب فرار الناس ، ورجل العلم والدين هدفه السامي هداية الناس كالأنبياء (عليهم السلام) ، وهذا يعني أ نّه لا بدّ أن يحتكّ بالناس بعد أن يهذّب نفسه ويزكّي قلبه ، وينشرح صدره ، ويتزيّن بالعلم والحلم والوقار والسكينة ، فيحتاج في مقام الإرشاد والتبليغ وأداء المسؤوليّة إلى خلق رفيع وحسن حتّى يجذب الناس إليه ، كما يشهد بذلك سيرة نبيّنا المصطفى حبيب القلوب وطبيب النفوس رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) .

وعلماء الآخرة يتّصفون بصفات الله سبحانه ، ولهم علامات ودلائل ، أهمّها خمسة يفهم من خمس آيات ، وهي : الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد ، أي إيثار الآخرة على الدنيا الدنيّة .

أمّا الخشية ، فيدلّ عليها قوله تعالى :

( إنَّما يَخْشى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ )[9].

وأمّا الخشوع ، فمن قوله تعالى :

( خاشِعينَ للهِ لا يَشْتَرونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَليلا )[10].

وأمّا التواضع ، فشاهده قوله تعالى :

( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنينَ )[11].

وأمّا حسن الخلق ، فمن قوله تعالى :

( فَبِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ )[12].

وأمّا الزهد ، فمن قوله عزّ وجلّ :

( وَقالَ الَّذينَ اُوتوا العِلـْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ )[13].

فلين الجانب وحسن الخلق الذي هو مظهر رحمة الله سبحانه وتعالى اتّصف بها نبيّ الله محمّد الذي كان رحمةً للعالمين ، وقد ورث العلماء صفات الأنبياء وعلومهم وأخلاقهم الحسنة ، فعاشروا الناس برفق وحلم ولين ورحمة ومداراة ، وتجرّعوا الغصص والأحزان من أيدي الناس ، وتحمّلوا جهلهم وعداءهم وحتّى اتّهاماتهم وإشاعاتهم من أجل إعلاء كلمة الحقّ ، والذي كان يطيّب خاطرهم ويخفّف من آلامهم أ نّه كان بعين الله سبحانه .

فحسن الخلق من أهمّ العوامل في تعليم الناس وتربيتهم وتهذيبهم ، وإصلاح المجتمع وإدارته .

وما أروع ما يقوله سماحة المجدّد الشيرازي الكبير (قدس سره) قائد ثورة التبغ في إيران سنة ( 1891 م ) : إنّ للمرجعيّة مئة شروط ومواصفات ، أوّلها : العلم . والثانية : التقوى ، والبقيّة فنّ الإدارة لشؤون المجتمع ومداراة الناس والنظر في حوائجهم وفق مقتضيات العصر الذي يعيشونه[14].

ومن روائع قصص علمائنا الأعلام في حسن الخلق ومداراة الناس وآيات الحلم ما ينقل عن المحقّق خواجة نصير الدين الطوسي عليه الرحمة لمّـا شتمه شخص في رسالة قائلا : يا كلب . فأجابه بحلم وهدوء وسكينة : أمّا قولك : يا كلب ، فغير صحيح ; فإنّ الكلب من ذوات الأربع وهو نابح طويل الأظفار ، وأنا منتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ، ناطق ضاحك ، فهذه الفصول والخواصّ غير فصول وخواصّ الكلب .

ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم ، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه .

وهذا الآية العظمى الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدس سره) لمّـا كان جالساً في محراب الصلاة ، جاءه سيّد فقير وطالبه مالا ، ولم يكن عند الشيخ شيئاً ، فغضب السيّد وبصق في وجه الشيخ ، فقام الشيخ وأخذ طرف ردائه أو عمامته ودار بين صفوف المصلّين ، وهو يقول : من كان يحبّ لحية الشيخ فليساعد هذا السيّد ، وملأ الناس طرف رداء الشيخ بالمال فأعطاه الشيخ للسيّد ثمّ وقف يصلّي .

وبمثل هـذا الحلم والخلق الحسن كان يتعامل مراجعنا العظام مع عوامّ الناس .

قال الشهيد الثاني في منيته في بيان ما يلزم المعلّم والمتعلّم وآدابهما في أنفسهما :

فالأوّل : ما يجب عليهما إخلاص النيّة لله تعالى في طلبه وبذله ، فإنّ مدار الأعمال على النيّات ـ ثمّ يذكر الإخلاص من خلال القرآن الكريم والروايات الشريفة ـ .

ثمّ يتعرّض للأمر الثاني : وهو استعمال العلم .

ثمّ الأمر الثالث : التوكّل على الله سبحانه .

والرابع : حسن الخلق زيادة على غيرهما من الناس والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس . روى معاوية بن وهب ، قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول : اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم ، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبّارين ، فيذهب باطلكم بحقّكم . وروى الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ألا اُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه ؟ من لم يقنّط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمّنهم من عذاب الله ، ولم يرخّص لهم في معاصي الله ، ولم يترك القرآن رغبةً عنه في غيره ، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم ، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر ، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر .

واعلم أنّ المتلبّس بالعلم منظور إليه ، ومتأسّى بفعله وقوله وهيئته ، فإذا حسن سمته وصلحت أحواله وتواضعت نفسه ، وأخلص لله تعالى عمله ، انتقلت أوصافه إلى غيره من الرعيّة ، وفشا الخير فيهم ، وانتظمت أحوالهم ، ومتى لم يكن كذلك كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها فضلا عن مساواته ، فكان مع فساد نفسه منشأً لفساد النوع وخلله ، وناهيك بذلك ذنباً وطرداً عن الحقّ وبعداً ، ويا ليته إذا هلك انقطع عمله ، وبطل وزره ، بل هو باق ما بقي من تأسّى به واستنّ بسنّته .

وقد قال بعض العارفين : إنّ عامّة الناس أبداً دون المتلبّس بالعلم بمرتبة ، فإذا كان ورعاً تقيّاً تلبّست العامّة بالمباحات ، وإذا اشتغل بالمباح ، تلبّست العامّة بالشبهات ، فإن دخل في الشبهات تعلّق العامي بالحرام ، فإن تناول الحرام كفر العامي ، وكفى شاهداً على صدق هذه العيان وعدول الوجدان ، فضلا عن نقل الأعيان[15].

فعلى طالب العلم في سيرته الأخلاقيّة أن يراعي حسن الخلق غاية المراعاة ، ويحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام ، كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات محافظاً على شريف الأوقات ، وإفشاء السلام للخاصّ والعامّ مبتدئاً ومجيباً ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك ، صادعاً بالحقّ ، باذلا نفسه لله ، لا يخاف لومة لائم ، متأسّياً في ذلك بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وغيره من الأنبياء ، فإنّ العلماء ورثه الأنبياء ، متذكّراً ما نزل بهم من المحن عند القيام بأوامر الله تعالى .

ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز ، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها ، فإنّ العلماء هم القدوة وإليهم المرجع ، وهم حجّة الله تعالى على العوامّ ، وقد يراقبهم للأخذ منهم ، من لا ينظرون إليه ، ويقتدي بهم من لا يعملون به ، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه ، فغيره أبعد من الانتفاع به ، ولهذا عظمت زلّة العالم لما يترتّب عليها من المفاسد .

ويتخلّق بالمحاسن التي ورد بها الشرع وحثّ عليها ، والخلال الحميدة والشيم المرضية ، من السخاء والجود وطلاقة الوجه من غير خروج عن الاعتدال وكظم الغيظ وكفّ الأذى واحتماله والصبر والمروّة والتنزّه عن دنيّ الاكتساب والإيثار وترك الاستئسار والإنصاف وترك الاستنصاف وشكر المتفضّل والسعي في قضاء الحاجات وبذل الجاه والشفاعات والتلطّف بالفقراء والتحبّب إلى الجيران والأقرباء ، والإحسان إلى ما ملكت الأيمان ومجانبة الإكثار من الضحك والمزاح والتزام الخوف والحزن والانكسار والإطراق والصمت بحيث يظهر أثر الخشية على هيئته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته ، لا ينظر إليه ناظر إلاّ وكان نظره مذكّراً لله تعالى ، وصورته دليلا على علمه .

وملازمة الآداب الشرعيّة القوليّة والفعليّة الظاهرة والخفيّة ، كتلاوة القرآن الكريم متفكّراً في معانيه ، ممتثلا لأوامره ، منزجراً عند زواجره ، واقفاً عند وعده ووعيده ، قائماً بوظائفه وحدوده ، وذكر الله تعالى بالقلب واللسان ، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء الليل والنهار ونوافل العبادات من الصلاة والصيام وحجّ البيت الحرام ، ولا يقتصر من العبادات على مجرّد العلم ، فيقسو قلبه ، ويظلم نوره ، كما تقدّم التنبيه عليه ـ وسيأتي أيضاً ـ .

وزيادة التنظيف بإزالة الأوساخ ، وقصّ الأظفار وإزالة الشعور المطلوب زوالها ، واجتناب الروائح الكريهة ، وتسريح اللحية ، مجتهداً في الاقتداء بالسنّة الشريفة والأخلاق الحميدة المنيفة .

ويطهّر نفسه من مساوئ الأخلاق وذميم الأوصاف : من الحسد والرياء والعجب واحتقار الناس ، وإن كانوا دونه بدرجات ، والغِلّ والبغي والغضب لغير الله ، والغش والبخل والخبث والبَطَر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزيّن للناس وحبّ المدح بما لم يفعل ، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الناس ، والحميّة والعصبيّة لغير الله ، والرغبة والرهبة لغيره ، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول .

ولهذه الأوصاف تفصيل وأدوية وترغيب وترهيب ، محرّر في مواضع تخصّه ـ كجامع السعادات والمحجّة البيضاء وآداب النفس ومرآة الرشاد ـ والغرض من ذكرها هنا تنبيه العالم والمتعلّم على اُصولها ، ليتنبّه لها ارتكاباً واجتناباً على الجملة ، وهي وإن اشتركت بين الجميع ، إلاّ أ نّها بهما أولى ، فلذلك جعلناها من وظائفهما ، لأنّ العلم ـ كما قال بعض الأكابر ـ عبادة القلب وعمارته وصلاة السرّ ، وكما لا تصحّ الصلاة التي هي وظيفة الجوارح ، إلاّ بعد تطهّرها من الأحداث والأخباث ، فكذلك لا تصحّ عبادة الباطن إلاّ بعد تطهيره من خبائث الأخلاق .

ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب المتنجّس بالكدورات النفسيّة والأخلاق الذميمة ، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« ليس العلم بكثرة التعلّم ، وإنّما هو نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب من يريد الله أن يهديه ».

ونحوه قال ابن مسعود : « ليس العلم بكثرة الرواية ، إنّما العلم نورٌ يقذف في القلب ».

وبهذا يعلم أنّ العلم ليس هو مجرّد استحضار المعلومات الخاصّة ، وإن كانت هي العلم في العرف العامي ، وإنّما هو النور المذكور الناشئ من ذلك العلم الموجب للبصيرة والخشية لله تعالى[16].

قال الله تعالى : ( وَاللهُ عَليمٌ حَليمٌ ) ، ( إنَّ إبْراهيمَ لَحَليمٌ أوَّاهٌ مُنيبٌ ) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فأمّا الحلم فمنه ركوب الجميل ، وصحبة الأبرار ، ورفع الضعة ، ورفع الخساسة ، تشهي الخير ، ويقرب صاحبه من معالي الدرجات والعفو والمهل والمعروف والصمت ، فهذا ما يتشعّب للعاقل بحلمه . ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا بدّ من معاشرته . وما جمع شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم .

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : الحلم سجيّة فاضلة ، زينة ، غطاء ساتر ، فاستر خلل خلقك بحلمك ، حجاب من الآفات ، رأس الرئاسة ، عشيرة ، نور جوهره العقل ، تمام العقل ، نظام أمر المؤمن ، خليل المؤمن ووزيره ، أنصر من شجعان العرب ، زينة الأدب ، جمال الرجل ، وخير الحلم التحلّم ، ومن لم يتحلّم لم يحلم ، والحليم من احتمل إخوانه ، وبوفور العقل يتوفّر الحلم ، ولا يكون حليماً حتّى يكون وقوراً ، وعليك بالحلم فإنّه ثمرة العلم ، ومن حلم ساد ، ويظفر من حلم ، فكفى بالحلم ناصراً وبه تكثر الأنصار ، والحلم كظم الغيظ وملك النفس مع القدرة ، وكمال العلم الحلم ، وكمال الحلم كثرة الاحتمال والكظم ، فلن يثمر العلم حتّى يقارنه الحلم ، والعلم أصل الحلم ، والحلم زينة العلم ...

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : عليك بالحلم فإنّه ركن العلم ، الحلم لباس العالم فلا تعرينّ منه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

________________________________________

[1]منية المريد : 179 ـ 221 .

[2]الكهف : 66 .

[3]الكهف : 69 .

[4]الكهف : 67 .

[5]الذنوب الكبيرة 2 : 35 .

[6]الأنوار النعمانيّة 3 : 91 .

[7]نقلت القصص من الكتاب القيّم والمفيد « سيماء الصالحين » : 209 ـ 228 ، فراجع .

[8]منية المريد : 263 ـ 276 .

[9]فاطر : 28 .

[10]آل عمران : 199 .

[11]الشعراء : 215 .

[12]آل عمران : 159 .

[13]القصص : 80 .

[14]قصص وخواطر : 655 .

[15]منية المريد : 162 .

[16]) منية المريد : 162 ـ 168 . (2) النساء : 12 . (3) هود : 75 . (4) ميزان الحكمة 2 : 511 .