akdak

المقالات

قسم التأريخ

مندوبو قريش عند النبي (صلى الله عليه واله)

337

الشيخ جعفر السبحاني

بعثت قريش بعدة مندوبين إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) ليتعرفوا على مقصده وهدفه في هذا السفر.

وكان أول أولئك المبعوثين هو : بديل بن ورقاء الخزاعي  الذي أتى رسول الله (صلى الله عليه واله) في رجال من خزاعة فكلّموه نيابة عن قريش وسألوه : ما الذي جاء به؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه واله) : إنّا لم نجيء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين.

فرجعوا إلى قريش وأخبروهم بأن رسول الله (صلى الله عليه واله) لم يات لقتال وإنما جاء معتمرا زائرا لبيت الله، ولكن قريشا لم يصدقوهم وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدّث بذلك عنّا العرب.

ثم بعثوا مكرز بن حفص  فسمع من النبي (صلى الله عليه واله) ما سمعه سابقه، فعاد وصدّق ما أخبر بديل قريشا به، ولكن قريشا لم تصدق مكرزا أيضا كما لم تصدّق سابقه.

فبعثت في المرة الثالثة الحليس بن علقمة  وكبير رماة العرب، لحسم الموقف، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه واله) مقبلا قال : إن هذا من قوم يتألّهون ( أي يعظمون أمر الله ) فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه.

فلما رأى الحليس، الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محلّه، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) إعظاما لما رأى، فقال لهم : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا الّذي عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظما له وقد ساق الهدي معكوفا إلى محلّه؟!، والذي نفس الحليس بيده لتخلّنّ بين محمّد وما جاء له، أو لأنفّرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، وهكذا امتنع الحليس من مواجهة رسول الله بالقوة واستخدام العنف معه لصده، وقد لاحظ بأم عينيه ان النبي (صلى الله عليه واله) والمسلمين لا يريدون إلاّ العمرة والزيارة لا القتال والحرب، بل عاد يهدد قريشا اذا هي أرادت صدّه عن ذلك.

فشق هذا الكلام وهذا التهديد على قريش وخافوا من مخالفته، فقالوا : مه، كفّ عنا يا حليس حتّى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

ثمّ بعثوا أخيرا عروة بن مسعود الثقفي  وكان رجلا لبيبا تطمئن قريش إلى درايته وحكمته وخيره وكان لا يحبّ أن يمثّل قريشا في هذه المفاوضات لما رآه من معاملتهم مع الممثلين السابقين، ولكن قريشا تعهدت له بان تقبل بما تقول، وأعلنت له عن ثقتها الكاملة به، وبما سيخبر به، وبأنه غير متّهم عندهم.

فخرج من عندهم حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه واله) فجلس بين يديه ثم قال : يا محمّد جمعت أو شاب الناس ( أي أخلاطهم ) ثم جئت بهم إلى أهلك وقبيلتك، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، ( أو قال : أن يفرّوا عنك ويدعوك ).

وعند ما بلغ ابن مسعود في كلامه إلى هذا قال له أبو بكر وكان جالسا خلف رسول الله (صلى الله عليه واله) : أنحن ننكشف عنه، وندعه؟

لقد كان عروة  كأيّ دبلوماسيّ ماكر، يحاول إضعاف معنويات أصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) بكلامه، وروغانه.

وأخيرا انتهت المباحثات دون جدوى. وهنا جعل عروة  يتناول لحية رسول الله (صلى الله عليه واله) ازدراء به (صلى الله عليه واله)، والمغيرة بن شعبة ـ وكان واقفا على رأس رسول الله (صلى الله عليه واله) ـ يقرع يده إذا تناول لحية النبي (صلى الله عليه واله) ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله (صلى الله عليه واله) قبل أن لا تصل إليك.

فسأل عروة : يا محمّد من هذا؟ فقال النبي (صلى الله عليه واله) : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة ( ويبدو أن جميع من كان حول النبي آنذاك أو بعضهم كانوا مقنعين رعاية للظروف الأمنية ).

فغضب عروة وقال : أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلاّ بالأمس وكان المغيرة قد قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف فودى عروة المقتولين وأصلح الأمر.

فقطع رسول الله (صلى الله عليه واله) الكلام على عروة وقال له مثل ما قال لبديل ورفيقيه، وأنه لم يات يريد حربا، بل جاء يريد العمرة، ولأجل أن يرى عروة مكانته بين أصحابه وأتباعه، قام (صلى الله عليه واله) وتوضأ أمامه، فرأى عروة بام عينيه كيف أنه لا يتوضّأ إلاّ وتسابق أصحابه على التقاط القطرات المتناثرة من وضوئه، فرجع إلى قريش وقال لهم : يا معشر قريش إنّي قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشيّ في ملكه، وإنّي والله ما رأيت ملكا في قوم قطّ مثل محمّد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء قط فروا رأيكم.

سؤال وجواب