akdak

المقالات

القسم الولائي

قتال الإمام للمارقين

238

باقر شريف القرشي


خاف أصحاب الإمام من السير لحرب معاوية ويتركوا الخوارج من ورائهم يستبيحون أموالهم وأعراضهم من بعدهم فانكشفت نواياهم التخريبية بقتلهم عبد الله بن خبّاب وزوجته فطلبوا من الإمام مناجزتهم فإذا فرغوا منهم ساروا لحرب معاوية فأجابهم الإمام إلى ذلك وسار بجيشه حتّى انتهى إلى النهروان حيث كانوا يقيمون فيه فأرسل إليهم أن يمكّنوه من قتلة عبد الله بن خبّاب ليقتصّ منهم ويمضي إلى قتال معاوية فأجابوه جميعا بلهجة واحدة : ليس بيننا وبينك إلاّ السيف إلاّ أن تقرّ بالكفر وتتوب كما تبنا ؛ فردّ عليهم الإمام قائلا :  أصابكم حاصب  ولا بقي منكم آبر أبعد إيماني بالله وجهادي مع رسول الله (صلّى الله عليه واله) أشهد على نفسي بالكفر! {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 56] ! فأوبوا شرّ مآب وارجعوا على أثر الأعقاب ، أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا وسيفا قاطعا وأثرة يتّخذها الظّالمون فيكم سنّة .

وأخذ الإمام (عليه السلام) يعظهم تارة ويراسلهم اخرى فجعل كثير منهم يتسلّلون ويعودون إلى الكوفة وقسم منهم التحق بجيش الإمام وفريق آخر اعتزل الحرب ولم يبق منهم إلاّ ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي زعيمهم ومعه ثلاثة آلاف ، ولمّا يئس الإمام من هدايتهم عبّأ جيشه تعبئة عامّة وأمرهم أن لا يبدؤوهم بقتال حتى يكونوا هم الذين يبدؤون به ولمّا نظر الخوارج إلى تهيئة الإمام للحرب تهيّأوا أيضا وكانت نفوسهم تتحرّق إلى الحرب وهتف بعضهم : هل من رائح إلى الجنة؟

فصاحوا جميعا : الرواح إلى الجنّة وحملوا حملة منكرة على جيش الإمام وهم يهتفون بشعارهم : لا حكم إلاّ لله .

وانفرجت لهم خيل الإمام فرقتين : فرقة تمضي إلى الميمنة وفرقة تمضي إلى الميسرة والخوارج اندفعوا بين الفرقتين فتلقّاهم أصحاب الإمام بالنبل وما هي إلاّ ساعة حتى قتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم إلاّ تسعة .

وقيل للإمام : هلك القوم بأجمعهم.

وراح الإمام يخبرهم بما أخبره به النبي (صلى الله عليه واله) من أنّهم لم يهلكوا جميعا وأنّه سيدين بفكرتهم من في أصلاب الرجال قائلا : كلاّ والله! إنّهم نطف في أصلاب الرّجال وقرارات النّساء  كلّما نجم منهم قرن قطع حتّى يكون آخرهم لصوصا سلاّبين .

ولمّا وضعت الحرب أوزارها طلب الإمام (عليه السلام) أن يلتمسوا له ذا الثدية  في القتلى ففتّشوا عنه فلم يظفروا به فعادوا إليه وأخبروه أنّهم لم يجدوه فأمرهم بالبحث عنه ثانيا وقال :  والله! ما كذبت ولا كذّبت ويحكم التمسوا الرّجل فإنّه في القتلى .

فانطلقوا يبحثون عنه فظفر به رجل من أصحابه وهو جثّة هامدة فمضى مسرعا إلى الإمام فأخبره بذلك فخرّ الإمام ساجدا وكذلك فعل بعض أصحابه ثمّ رفع رأسه من السجود وهو يقول : ما كذبت ولا كذّبت قتلتم شرّ النّاس .

وحدّث الإمام أصحابه بما سمعه من النبيّ (صلى الله عليه واله) في شأن ذي الثدية قائلا : قال رسول الله (صلى الله عليه واله) لي : سيخرج قوم يتكلّمون بكلام الحقّ لا يجاوز حلوقهم يخرجون من الحقّ خروج السّهم أو مروق السّهم سيماهم أنّ فيهم رجلا مخدج اليد في يده شعرات سود فإن كان فيهم فقد قتلتم شرّ النّاس ؛ وأمر الإمام بإحضار جثّته فأحضرت له فكشف عن يده فإذا على منكبه ثدي كثدي المرأة وعليها شعرات سود تمتدّ حتى تحاذي باطن يده الاخرى فإذا تركت عادت إلى منكبه فلمّا رأى الإمام ذلك خرّ ساجدا ثمّ إنّ الإمام عمد إلى القتلى من الفريقين فدفنهم وقسّم بين أصحابه سلاح الخوارج الذين سمّوا بالشراة  ثمّ ردّ الأمتعة والعبيد إلى أهليهم كما فعل مثل ذلك بأصحاب الجمل ؛ وانتهت بذلك حرب النهروان التي تفرّعت من رفع المصاحف وقد أسفرت عن تشكيل حزب ثوري عنيف ظهر في الإسلام قد أخذ على نفسه التمرّد وإعلان الثورة على الحكومات القائمة في بلاد المسلمين ممّا أدّى إلى إراقة أنهار من الدماء وإشاعة الفتنة والخلاف بين المسلمين ، لقد كان البارز في أنظمة الخوارج الحكم بكفر من لا يدين بنظامهم من المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم.