akdak

المقالات

قسم الادارة

الدراسات الإدارية المرتبطة بأثر الثقافة على الإدارة والتنظيم

273

عادل محمود السيد

من الدراسات التي حاولت تفسير الممارسة الإدارية والتنظيمية العربية( 1) من منظور مجتمعي وثقافي دراسة كل من ديفيد هيكسون وديريك بوق، وحسين دادفر، وعباس علي، وديفيد وير، وعادل الرشيد، وحميد عطية، وجميل جريسات، وحسن الطيب.

لقد شخّصت هذه الدراسات الممارسة الإدارية العربية وأبرزت خصائص لها، كما فسرتها من منظور مجتمعي وثقافي واسع، وانتقدت طروحات هذه الدراسات (باستثناء دراسة ديفيد وير) الممارسة الإدارية العربية، وبيّنت أنها تتسم بالتقليدية، وبضعف المأسسة، وبالمحسوبية، وبالمركزية، وبضعف المشاركة، وبغياب النظرة المستقبلية، وبعدم إدارة الوقت بفاعلية، وبضعف الاحتراف، وبالولاء الشخصي وليس المؤسسي، وببدائية سياسة إدارة الموارد البشرية، وبضعف وضوح التنظيم وترابطه، وازدواجية الممارسة وقلة اتساقها، مع ضآلة فرص الترقي الوظيفي، ومع محدودية الفرص الوظيفية للمرأة المديرة. وجاء تفسير هذه الدراسات للممارسة الإدارية العربية المعاصرة ملتقياً -إلى حد كبير- مع ما توصلت إليه نتائج الدراسات السياقية التشخيصية، والدراسات الثقافية التحديثية المشار إليها سابقاً.

وأبرزت دراسة هيكسون وبوف المعنونة "الإدارة في العالم كله" والمنشورة عام  ( 2)1995التراث البدوي، والعشائرية والإسلام، والحكم الأجنبي، والغرب المتعطش للنفط، كعوامل بارزة مفسرة للممارسة الإدارية العربية المعاصرة. وعزت دراسة عباس علي المعنونة "الانقطاع الثقافي والتفكير الإداري العربي" والمنشورة عام 1995 ( 3) ضعف الممارسة الإدارية إلى عدم التوصل إلى فلسفة إدارية عربية فاعلة بسبب الانقطاع الثقافي عن القيم الإسلامية، والتي كانت سائدة في الفترة الإسلامية الأولى. كما عزت الدراسة هذا الضعف إلى التصنيع المفاجئ، وغياب المتطلبات التعليمية والأكاديمية الفاعلة التي يحتاجها تطوير النماذج الإدارية. وردت دراسة عادل الرشيد المعنونة "مظاهر الإدارة والتنظيم العربية التقليدية في بيئة الأعمال الأردنية" والمنشورة عام 2001 ( 4)  ضعف الممارسة الإدارية إلى تقليدية المنظومة القيمية العربية وإلى البعد السياسي الاقتصادي غير الديمقراطي، وإلى تقليدية النظام التعليمي، وإلى أبوية البناء الاجتماعي العربي.

أما دراسة جميل جريسات المعنونة "السياسة بدون صيرورة: إدارة التطوير في العالم العربي"، والمنشورة عام (5 )1997، فلقد اعتبرت غياب المؤسسية والنظم السياسية السلطوية سبباً في ضعف الممارسة الإدارية والتطويرية.

وفسّرت دراسة حميد عطية المعنونة "جذور المشاكل الإدارية والتنظيمية في البلاد العربية: ثقافية أم غير ثقافية؟" المنشورة عام 1993 (6 )  السبب في ضعف الممارسة الإدارية العربية ومركزيتها بردها إلى النظام السياسي التسلطي.

وعزت دراسة حسن الطيب المعنونة "الإدارة العربية بين الأصالة والمعاصرة" والمنشورة عام 2002 (7 )  ضعف الممارسة الإدارية العربية إلى ضعف النهج المؤسسي، وغياب الديمقراطية، وتغريب النظم القانونية.

أما حسين دادفر في دراسته المعنونة "البحث في اتجاه الإدارة العربية وهويتها" المنشورة عام 1993

( 8) فيرى في العشائرية، والقيم الإسلامية والتغريب (westernization) عوامل مفسرة للممارسة الإدارية العربية.

كما اعتبر ديفيد وير في دراسته المعنونة "الإدارة في العالم العربي" المنشورة عام ( )1993، والذي شخص الممارسة الإدارية العربية- على أساس البعد القرابي، والمهارة التجارية، وشبكة العلاقات الشخصية الممتدة-  براديماً متمايزاً، وطرحه برادايماً عالمياً رابعاً ليضاف إلى البرادايم الامريكي، والأوروبي، والياباني(9).

ودعت دراسات كل من عباس علي، وحسين دادفر، وحسن الطيب إلى تبني القيم الإسلامية الأصيلة في الممارسة الإدارية العربية المعاصرة دون أن توضح الكيفية التي يمكن أن يتم من خلالها تبني هذه القيم.  ودون أن تبحث في الشروط التي تقتضيها صيرورة المواءمة بين المعطى الإداري والسياق الثقافي، وبخاصة من المنظور الفكري والمعرفي.

ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ مثل هذه الدراسات التي تمت مراجعتها أعلاه تمثل محاولات أولية في معالجة موضوع الإدارة العربية المرتبط بالسياق الثقافي، الذي ما زال البحث فيه في مراحله الأولية.

كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسات -باستثناء دراسة هيكسون وبوف- لم توظف مداخل مفهومية ملائمة، كالمدخل الثقافي لدراسة هذا الموضوع.  أما دراسة هيكسون وبوف فلقد استند المدخل المفهومي فيها إلى الأبعاد التي طورها جيرت هوفستد( 10)، والتي تستخدم في قياس أثر الثقافة في اختلافات قيم العمل( 11).

_____________________________________

1- مما يجدر ذكره أن هناك وجهات نظر معاصرة مغايرة لهذا الطرح. ومن الأمثلة على ذلك دراسة حسام الخطيب، أي أُفق للثقافة العربية وأدبها في عصر الاتصال والعولمة، مجلة عالم الفكر، مجلد 28، عدد 2، اكتوبر/ ديسمبر 1999، ص 227-261، والذي يرى أن أصالة التراث تمثل أساساً يفترض أن ترتكز إليه الثقافة العربية المعاصرة دون اجراء تحولات عميقة فيها.  وفي الوقت نفسه يرى أن الاتكاء على الانتاج الأدبي والعزوف عن التراث الفكري، والأسلوب التلفيقي في الروائع القديمة، والتسلح بمفاتيح التفكير الغربي في عملية إعادة اكتشاف التراث صدوعاً في الثقافة العربية المعاصرة.

2- فهمي جدعان، الثقافة الكونية والنظم الثقافية العربية، مجلة البصائر، جامعة البتراء الأردنية، مجلد 6، عدد 1، آذار 2002، ص 19-59. انظر أيضاً: فهمي جدعان (1997)، الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، وبخاصة القسم الثالث المعنون "مراكب الحداثة"، ص 435-602.

3- تركي الحمد (1999)، الثقافة العربية في عصر العولمة، دار الساقي، بيروت. انظر أيضاً: تركي الحمد (1993)، الثقافة العربية أمام تحديات التغيير، دار الساقي، بيروت.

4- محيي الدين صابر، الثقافة العربية وتحديات المستقبل، في كتاب المثقف العربي: همومه وعطاؤه لمجموعة من الباحثين والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسة عبدالحميد شومان، 1995، ص 291-313.

5- حيدر ابراهيم،  العولمة وجدل الهوية الثقافية، مجلة عالم الفكر، مجلد 28، عدد 2، اكتوبر/ديسمبر 1999، ص 95-123.

6- محمد الدعمي، في حصاد الثقافة العربية في القرن العشرين: عبء الماضي ووطأة الغرب، مجلة قضايا استراتيجية، العدد 2، حزيران 2000، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، ص 138-149.

7- انور الزعبي، مستقبل الثقافة العربية في عالم متغير، في كتاب العولمة والهوية، اوراق المؤتمر العلمي الرابع لكلية الآداب، جامعة فيلادلفيا الأردنية، تحرير صالح أبو اصبع وعز الدين مناصرة ومحمد عبيد الله، 1999، ص 173-211.

8- علي حرب (1998)، الماهية والعلاقة: نحو منطق تحويلي، المركز الثقافي العربي، بيروت.  وأيضاً، علي حرب (2000)، حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية، المركز الثقافي العربي، بيروت.

9- ارتبط الفكر الحداثي بالفكر الفلسفي الذي صاحب عصر النهضة الأوروبية وساد حتى منتصف القرن العشرين واستند إلى العقلانية والوضعية ومحورية الانسان في التفكير.  كما اعتمد على العقل المجرد في تطوير مفاهيمه ونظرياته.  وارتبط الفكر ما بعد الحداثي بالفكر الفلسفي الأكثر معاصرة والذي برز منذ النصف الثاني من القرن العشرين واقترن بالبنيوية والتفكيكية واعتمد على السياقات والنصوص والمحايثة كأدوات للتحليل وتوليد المفاهيم والأفكار.

10- تجدر الإشارة هنا إلى أن الممارسة الإدارية والتنظيمية العربية لا تمثل براديماً بالمعنى المصطلحي للكلمة (انظر الهامش رقم 1 لتعريف المصطلح) حيث ما زالت المحاولات عاجزة عن تطوير برادايم وفق نظريات ونماذج متفق عليها، فضلاً عن أنه لا يوجد أطر مدخلية متفق عليها بين البحاثة الإداريون والتنظيميون العرب يستعان بها من أجل تشخيص هذه الممارسة وتأطيرها معرفياً.

11- ،(Hickson & Pugh، 1995) مرجع سبق ذكره، الفصل الثامن، ص 188-221.