akdak

المقالات

قسم القانون

نطاق تنفيذ المعاهدات

4369

علي خليل اسماعيل الحديثي

بعد ان تستوفي المعاهدة كافة شروطها الشكلية والموضوعية، تصبح نافذة في دائرة العلاقات القانونية الدولية، ومن ثم تصبح أحكامها ملزمة للدول الأطراف فيها. ومن الطبيعي ان هذه المعاهدة سوف لاتلزم إلا الدول التي عقدتها وفي حدود نطاق تنفيذها من حيث المكان والزمان والأشخاص الذين تمتد اليهم.

الفرع الاول

النطاق الاقليمي

وهذا ما أشارت اليه المادة 29 من أتفاقية فينا بالقول (ان المعاهدة تلزم كل طرف فيها عبر أقليمه بالكامل مالم ينصرف قصد أطرافها الى غير ذلك صراحة أو ضمنًا). وهذا يعني سريان المعاهدة عبرأقليم الدولة البري والجوي والبحري بالكامل إلا ان ذلك ليس مطلقًا، فقد يقتصر سريان المعاهدة على منطقة معينة خاصة في المعاهدات التي تنشئ نظامًا خاصًا لمرور الأشخاص والأموال في المناطق الحدودية.

فضلا على ذلك، فان للدولة المتعاقدة الحق في استبعاد مستعمراتها من تطبيق المعاهدة شرط ان تنص المعاهدة أو تعلن عن ذلك عند التوقيع أو التصديق على المعاهدة، ومثال ذلك المعاهدة المنشئة لحلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)، الذي قررت فيه فرنسا قصر أحكام المعاهدة على الأقليم القانون الدولي العام  الفرنسي فقط دون ان تمتد الى مستعمراتها(1)

الفرع الثاني

النطاق الزمني

لقد جرت العادة على تحديد وقت معين تكون فيه المعاهدة نافذة، وهو غالبًا مايتم من وقت تبادل التصديقات. ومع ذلك فقد يذكر صراحة في نص المعاهدة على تأريخ لاحق لتبادل التصديق كأن تكون المعاهدة نافذة بعد مرور شهر أو أكثر منذ تبادل الدول لتصديقاتها. كما يمكن للدول المتعاقدة الأتفاق على سريان آثار المعاهدة ليشمل وقائع حدثت في الماضي، شرط ان يتم ذلك في المعاهدة وبشكل صريح أو ضمني. ذلك لأن الأصل هو خضوع المعاهدة لقاعدة (عدم رجعية المعاهدات)، أي ان المعاهدة المعقودة لاتسري على وقائع تمت في الماضي وان الدول الأطراف فيها لايلتزمون بها إلا من تأريخ العمل بها أي تأريخ نفاذها. والمادة 28 من أتفاقية قانون المعاهدات تقرر صراحة بتبنيها لمبدأ عدم رجعية المعاهد ات الدولية بالنص انه (مالم يظهر قصد مغاير أو يثبت خلاف ذلك بطريقة أخرى فان نصوص المعاهدة لاتلزم طرفا فيها بشأن أي عمل أو واقعة تمت أو حالة انتهى وجودها قبل تأريخ بدء نفاذ المعاهدًة في مواجهة ذلك الطرف). إلا ان تطبيق هذا المبدأ (عدم رجعية المعاهدات)، قد يثير التساؤل حول الأتفاق الواجب التطبيق بشأن نزاع معين اذا ماتعاقبت بشأنه أكثر من أتفاقية بين أطراف النزاع؟ فكثيرًا ما يحدث ان يعرض النزاع على القاضي أو المحكم الدولي للفصل فيه ويكون ذلك في ظل قواعد قانونية معين و، ثم يحدث ان تطول مدة الفصل في النزاع فتكون تلك القواعد القانونية الدولية الأولى قد تغيرت لتحل محلها قواعد أتفاقية جديدة. فعلى أية قواعد سيستند القاضي أو المحكم الدولي في فصله للنزاع؟ والجواب على ذل ك، أن القضاء الدولي ذهب الى الأخذ بأحكام الأتفاق الذي كان قائمًا وقت حدوث النزاع، ولايعتد بأية قواعد قانو نية لاحقة على ذلك النزاع وخير مثال على ذلك، ما ذهب اليه (Max Huber) في قراره التحكيمي الشهير بشأن قضية جزيرة الماس ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وهولند ا، حيث جاء فيه (ينبغي على القاضي ان يعتد بالقانون الذي كان قائمًا وقت حدوث الوقائع محل النزاع، لترتيب الأثار القانونية عليه ا. حتى ولو تعاقبت على مثل هذه الوقائع قواعد قانونية  أخرى)(2) .

الفرع الثالث

النطاق الشخصي

كقاعدة عامة هو ان المعاهدة الدولية لاتنطبق إلا بين أطرافها ولا ترتب آثارًا إلا في مواجهتهم سواء كانت تلك الأثار حقوقًا أم التزامات، وهذه القاعدة هي ماتسمى (بنسبية أثر المعاهدات). وقد عبرت عن هذا المبدأ صراحة محكمة العدل الدولية الدائمة بقولها (أن المعاهدة لاتعد قانونًا إلا بين الدول التي عقدتها)، ونصت عليه أيضًا المادة 34 من أتفاقية فينا إذ تقرر (لاتنشئ المعاهدة التزامًا على الغير أو حقًا له بغير رضاه). واذا كانت القاعدة العامة هي نسبية أثر المعاهدات، فان الأستثناء الوارد على هذه القاعدة هو سريان المعاهدة على غير أطرافها شرط أن يتم ذلك بالقبول والموافقة الصريحة من جانب أطراف المعاهدة، وهنا يجب التفرقة مابين المعاهدات التي ترتب التزامات على عاتق الغير ومابين المعاهدات  التي تنشئ حقوقًا لصالح الغير(3).

اولا: المعاهدات التي ترتب التزاما على عاتق الغير :

وهذا النوع من المعاهدات يتخذ أشكالا متعددة في العمل الدولي. فقد تتضمن المعاهدة النص صراحة على التزام معين بالنسبة لدولة غير طرف  في المعاهدة شرط قبول ا لدولة الغير بهذا الألتزام صراحة وبشكل خطي(4) وقد تكون المعاهدة متعلقة بطرق المواصلات الدولية مثل القنوات والمضائق والأنهار الدولية كأتفاقية القسطنطينية لعام 1888 بشأن نظام الملاحة في قناة السويس، أو بتحقق الأمن والسلام الدوليين مثل ميثاق الأمم المتحدة، أو بقصد حماية الثروة القومية للأنسانية مثل معاهدات حماية البيئة من التلوث. كما يمكن ان تكون المعاهدة مقررة لمراكز قانونية موضوعية مثل أتفاقية فينا لعام 1815 ، والتي قررت حياد سويسرا الدائم.

ثانيا – المعاهدات التي تنشئ حقوقا للغير :

وفي هذا النوع من المعاهدات إما ان تقرر حقوقًا للغير بصورة تلقائية كالمعاهدات المتعلقة بطرق المواصلات الدولية أو تلك المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين. أو انها قد تقرر حقوقًا للغير وذلك بموجب نص صريح في المعاهدة كالأشتراط لمصلحة الغير أو حكم الدولة الأكثر رعاية.

أ- الاشتراط لمصلحة الغير

والأشتراط لمصلحة الغير عبارة عن عمل قانوني بواسطته تشترط دولة على أخرى بموجب أتفاقية باكساب حق أو منفعة أو ميزة الى دولة ثالثة لم تشارك في الأتفاقية وهي الدولة المستفيدة. كما وتعتبر وسيلة لمد آثار المعاهدات الى دول لم تشارك فيها. وان هذا الأمتداد يقتصر على الآثار النافعة أي تلقي الحقوق أو المزايا دون ان تتحمل الألتزامات الواردة فيها. والواقع ان الأشتراط في هذا النظام القانوني أنما يمثل عرضًا من جانب أطراف المعاهدة الى الدول الغير أي الدولة المستفيدة. وان هذه الدولة ليس لها ان تصدق على المعاهدة أو تنظم اليها، وأنما عليها ان تتملك أو تتنازل عن الحقوق المشترطة لصالحها، وذلك لأن هذا الحق أو المنفعة ثابت لها بموجب الأشتراط الأصلي في المعاهدة. والدولة المستفيدة قد يتم تحديدها في نص الأشترا ط. وخير مثال على ذلك، معاهدة فينا لعام 1815 والتي رتبت حقوقًا لصالح سويسرا على المناطق الحر ة.(5) وقد يكون المستفيد منها جميع الدول كما حصل ذلك في معاهدات الصلح فرساي لعام 1919 ، إذ نصت على (أعتبار قناة كييل  مغتوحة لجميع الدول التي ستكون في حالة سلام مع ألمانيا)(6) .ولقد فصلت المادة 36 من أتفاقية فينا أحكام الأشتراط لمصلحة الغير بالنص (ينشأ حق للدولة نتيجة نص في المعاهدة اذا قصد أطراف المعاهدة بهذا النص منح هذا الحق للدولة الغير أو مجموعة من الدول أو لسائر الدول الأخرى غير الأطراف فيها ووافقت الدولة أو الدول الغير على  ذلك)(7) .

ب- شرط الدولة الاكثر رعاية

وهو شرط خاص جرى العمل الدولي على إدراجه في معظم المعاهدات ذات الطبيعة الأقتصادية، وبواسطته تعد دولة دولة ثانية ان تمنحها المزايا التي أعطتها في الماضي أو ستعطيها في المستقبل بواسطة معاهدات الى دول أخرى. كذلك فهو أتفاق بين دولتين تضمن كل منها للأخرى الأستفادة مما تمنحه أو ستمنحه من مزايا لدولة أو أكثر في معاهدة أخرى تتعلق بذات الموضوع.(8).  كما ان هذا الشرط هو ليس اشتراطًا لمصلحة الغير الذي لم يكن طرفًا في معاهدة ، بل هو تطبيق لأحكام المعاهدة الأولى التي كان تطبيقها معلقًا على شرط قوامه عقد معاهدات لاحقة تكفل للغير رعاية أفضل من الرعاية المتفق عليها في المعاهدة الأولى، ومثال ذلك المعاهدة المنشئة لشركة النفط الأنكلو- ايراني ن، حيث تشترط فيها بتمتع أنكلترا بأية معاهدة أخرى تبرمها ايران وتتعلق بأمتيازات نفطية أفض ل. لذلك فقط تمتعت بريطانيا بالحقوق الناشئة عن المعاهدة الثنائية مابين ايران والدنمارك رغم أنها لم تكن طرفًا  فيها.(9) . وقد أتسع مجال الشرط ليظهر في معاهدات متنوعة الموضوعات والأهداف مثل معاهدات الملاحة ووسائل النقل والمواصلات وتنظيم مراكز الأجانب والأقامة وتنازع القوانين والمعاهدات المتعلقة بالعمل وحماية الملكية الفكرية والأدبية، وكذلك المعاهدات المتعلقة بالحصانات الدبلوماسية والقنصلية. وقد قررت لجنة القانون الدولي مشروعًا بشأن أحكام شرط الدولة الأكثر رعاية يتألف من 30 مادة قانونية. وقد جاء في نص المادة 4 من هذا المشروع بأن شرط الدولة الأكثر رعاية يعتبر نصًا تعاهديًا تتعهد فيه دولة  ما بمنح دولة أخرى معاملة أكثر رعاية في مجال علاقات متفق عليها.(10)

__________________

1- للزيادة أنظر، د. محمد طلعت الغنيمي و الدكتور محمد السعيد الدقاق: القانون  الدولي العام، دار المطبوعات الجامعية، الأسكندرية، 1991، ص 260

2- للزيادة أنظر، د.أبراهيم أحمد شلبي، مبادئ القانون الدولي العام،  الدار الجامعية، القاهرة، 1985 ، ص 234

3-Malcolm Show، a.a.O.، S. 831.

4-  راجع المادة 35 من أتفاقية فينا لقانون المعاهدات.

- United Nation، a.a.O.، S. 368.

5- أنظر، د. أبراهيم محمد العناني: قانون العلاقات الدولية، دار النهضة  العربية، القاهرة، 2007 ، ص 220.

6- أنظر، د. محمد مجدي مرجا ن، آثار المعاهدات بالنسبة للدول غير الأطراف، دار  النهضة العربية، القاهرة، 1981 ، ص 158

7- United Nation، a.a.O.، S. 368.

8- أنظر، د. ابراهيم محمد العناني، مرجع سابق، ص 221 .

9- أنظر، د. ابراهيم محمد العناني، مرجع سابق، ص 222 .

10- United Nation، a.a.O.، S. 186.