akdak

المقالات

قسم الفكر الاسلامي

اقل ما يجب اعتقاده‏

338

العلامة المحدث الفيض الكاشاني

قال حجة الفرقة الناجية نصير الحق و الدّين محمّد بن الحسن الطوسي (طاب ثراه) : أقل ما يجب اعتقاده على المكلف هو ما ترجمه قول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه (صلى الله عليه واله) ثم إذا صدّق الرّسول فينبغي أن يصدّقه في صفات اللّه و اليوم الآخر و تعيين الامام المعصوم ، كل ذلك بما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد و برهان.

أمّا في صفات اللّه فبانّه حيّ قادر عالم مريد متكلم ليس كمثله شي‏ء و هو السّميع البصير، و أما في الآخرة فبالايمان بالجنة و النار و الصراط و الميزان و الحساب و الشفاعة و غيرها ، و لا يجب عليه أن يبحث عن حقيقة الصّفات و أنّ الكلام و العلم و غيرهما حادث أو قديم ، بل لو لم تخطر هذه بباله و مات مات مؤمنا  فان غلب على قلبه شك أو إشكال فان أمكن إزالته بكلام قريب‏ من الأفهام و إن لم يكن قويا عند المتكلمين  ولا مرضيّا ، فذاك كاف و لا حاجة إلى تحقيق الدليل.

فان الدّليل لا يتم إلّا بذكر الشبهة و الجواب و مهما ذكرت الشبهة لا يؤمن أن يتشبّث بالخاطر و القلب فيظنها حقّة لقصوره عن إدراك جوابها ، إذا الشّبهة قد تكون جليّة و الجواب دقيقا لا يحتمل عفله ، و لهذا ورد الزجر عن البحث و التفتيش و الكلام و إنما زجروا ضعفاء العوام و أمّا أئمة الدّين فلهم الخوض في غمرة الاشكالات.

ومنع العوام عن الكلام يجري مجرى منع الصبيان عن شاطى‏ء الدّجلة خوفا من الغرق ، و رخصة الأقوياء فيه تضاهي رخصة الماهر في صنعة السّباحة إلّا أنّ ههنا موضع غرور و مزلة قدم ، و هو أن كلّ ضعيف في عقله يظن انه يقدر على إدراك الحقايق كلها و انه من جملة الأقوياء ، فربما يخوضون و يغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون ، و الصّواب منع الخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا يسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين من  تجاوز سلوك أهل العلم في الايمان المرسل و التصديق المجمل بكل ما أنزل اللّه و أخبر به رسول اللّه (صلى الله عليه واله) فمن اشتغل في الخوض فيه فقد أوقع نفسه في شغل شاغل.

إذ قال رسول اللّه (صلى الله عليه واله) حيث رأى أصحابه يخوضون بعد أن غضب حتّى احمرت و جنتاه : أفبهذا امرتم؟ ، تضربون كتاب اللّه بعضه ببعض انظروا فما أمركم اللّه به فافعلوا و ما نهاكم عنه فانتهوا.

فهذه تنبيه على منهج الحق.

وفي مصباح الشريعة قال الصادق (عليه السلام): «اتق اللّه و كن حيث شئت و من أيّ قوم شئت فانه لا خلاف لأحد في التقوى و المتقى محبوب عند كل فريق و فيها جماع كل خير و رشد إلى أن قال : فالزم ما أجمع عليه أهل الصفاء و التقى من اصول الدّين و حقايق اليقين و الرضا و التسليم و لا تدخل في اختلاف الخلق ومقالاتهم فيصعب عليك ، و قد اجتمعت الامة المختارة بأن اللّه واحد ليس كمثله شي‏ء و أنه عدل في حكمه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لا يقال له في شي‏ء من صنعه لم و لا كان و لا يكون شي‏ء إلّا بمشيّته و انّه قادر على ما يشاء ، و صادق في وعده و وعيده و أنّ القرآن كلامه ، و أنه كان قبل الكون و المكان و الزمان ، و أنّ إحداثه و افناءه غيره سواء لا يزداد باحداثه علما و لا ينقص بافنائه ملكه عزّ سلطانه وجلّ سبحانه ، فمن أورد عليك ما ينقض هذا الاصل فلا تقبله و جرّد باطنك لذلك ترى بركاته و تفوز مع الفائزين»(1).

________________

(1) مصباح الشريعة : ص 59.