akdak

المقالات

القسم الولائي

الشهداء من أصحاب النبي في نهضة كربلاء -ج1-

408

الشيخ عبد الرزاق النداوي

الصحبة ـ بشرطها وشروطها ـ وسام شرف يحمله المرء على صدره، ويفتخر به أيام دهره، وهي من النعم الخاصة بالجيل الذي عاصر المصطفى صلى الله عليه وآله، وخاصة إذا اجتمع مع شرف الصحبة شرف الشهادة مع إمام عادل مفترض الطاعة من الله عز وجل في مواجهة سلطان جائر، فإنه حينئذ سيكبر ويعلو مقام هذا الصحابي لحصوله على وسامَي شرف، الصحبة والشهادة، والمثال الواضح لذلك هم الصحابة الذين استُشهدوا في نهضة الإمام الحسين عليه السلام، سواء كانت شهادتهم قبل معركة كربلاء أو فيها أو بعدها، وهو شرف ما بعده شرف، والذين بلغوا هذه الرتبة ثلة قليلة، وهم موضوع بحثنا هذا.

تقسيم البحث

يقع البحث في ثلاث محاور وهي:

المحور الأول: حول مفهوم الصحبة والصحابة.

المحور الثاني: حول مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين عليه السلام وتقييمها، مع ذكر عدد الصحابة الذين استُشهدوا في ركب النهضة الحسينية.

المحور الثالث: ترجمة أحوال من استشهد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في سبيل النهضة الحسينيّة.

المحور الأول: مفهوم الصحبة والصحابة

ذُكر لمفهوم الصحبة في كتب اللغة استعمالات ومعان كثيرة جدّاً، ولم يخصّوه بالصحبة بين شخصين، قال ابن منظور: «صَحِبَه يَصْحَبُه صُحْبة، بالضم، وصَحابة، بالفتح، وصاحَبه: عاشره. والصَّحْب: جمع الصاحب مثل راكب وركب. والأَصْحاب: جماعة الصَّحْب، مثل فَرْخ وأَفْراخ. والصاحب: المُعاشر؛ لا يتعدَّى تَعَدِّيَ الفعل، أَعني أَنك لا تقول: زيد صاحِبٌ عَمْراً؛ لأَنهم إِنما استعملوه استعمال الأَسماء...»[1].

وقال الطريحي: «الصاحب للشيء: الملازم له، وكذا الصحبة للشيء هي الملازمة له، إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً...»[2].

وقد وردت الصحبة كجذر ومادة في كثير من الآيات القرآنية بمعناها الواسع والعريض في اللغة، فيختلف طرفا الصحبة باختلاف الآيات وتنوعها، فقد تكون بين نبي وعبد صالح، كما في قصة موسى والخضر[3]، أو بين كافرين[4]، أو بين مؤمن وكافر[5]، أو بين نبي وكافر![6]، أو بين إنسان وحيوان[7]... أو غير ذلك من الاستعمالات الواردة في القرآن الكريم.

ومن مجموع الاستعمالات الواردة في هذا المجال نرى أن للصحبة معنيين رئيسين:

الأول: وهو معنى واسع يشمل كل تلك الاستعمالات وغيرها.

الثاني: وهو معنى يراد به فضل الصحبة وشرفها، وهو معنى أضيق من المعنى الأول بكثير، بدليل أن الكافرين لا ينالون مثل هذا الشرف حتى لو رأوا النبي وسمعوا حديثه، بل حتى لو رووا عنه صادقين، وكذا الفاسقين، والمستقيمين في حياة النبي صلى الله عليه وآله المنحرفين بعد وفاته، والناكثين للعهد، والمحُدِثين المبدلين، والمنقلبين...، وهذا المعنى يؤيده القرآن الكريم في كثير من الآيات، كقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ  أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚوَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا  وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ[8]. وأيضاً تؤيده السُّنة في قوله صلى الله عليه وآله في حديث الحوض المعروف: «وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»[9].

فالأساس في نيل فضل الصحبة وشرفها هو الإيمان والاستقامة، والسير على هدي النبي صلى الله عليه وآله إلى آخر الخط حتى يلقى الإنسان ربه، وليست هي المعاشرة والملازمة طالت أم قصرت.

وعليه، فالصحابي بهذا المعنى: هو كل مَن رأى النبي صلى الله عليه وآله سواء سمع منه أم لا، وسواء روى عنه أم لا، على أن يكون مؤمناً به صلى الله عليه وآله مقتدياً بسنّته، لم يرتدّ ولم يُحدث ولم يبدل ولم ينقلب، ومات وهو على العهد والهدى والإيمان.

المحور الثاني: مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين عليه السلام وتقييمها

واحدة من كرامات السبط الشهيد عليه السلام التي تدل على عناية الرب تعالى به وبنهضته المباركة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل نصف قرن من مصرعه نوّه بمقتله، ونعاه وبكاه حتى ابتلّت كريمته، ودعا الصحابة والأُمة تلك اللحظة إلى نصرة أبي عبد الله عليه السلام، وقد روى الحفّاظ والمحدثون جملة من الروايات بلغت حدّ الاستفاضة في ذلك، وإليك ثلاثة نماذج منها:

الحديث الأول: ما أخرجه الحاكم في مستدركه: «عن عبد الله بن مسعود، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج إلينا مستبشراً، يُعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلّا أخبرنا به، ولا سكتنا إلّا ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلمّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً...»[10]. وقد أخرجه غير واحد من الحفّاظ والمحدثين، منهم ابن ماجة في سننه[11]، والطبراني في معجمه الكبير[12].

الحديث الثاني: ما أخرجه الطبراني أيضاً في المعجم الكبير بإسناده عن أبي أمامة، أنّ الحسين عليه السلام: «جلس في حِجر النبي صلى الله عليه وآله، فقال جبريل للنبي: إن أُمّتك ستقتل ابنك هذا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه. فتناول جبريل تربة، فقال: مكان كذا وكذا، فخرج رسول الله قد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً... إلى أصحابه وهم جلوس، فقال: إن أُمّتي يقتلون هذا، وفي القوم أبو بكر وعمر، وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبي الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟! قال: نعم، هذه تربته، فأراهم إياها»[13].

الحديث الثالث: ما أخرجه الطبراني وغيره عن معاذ بن جبل، قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله متغيّر اللون فقال:... نُعي إليّ حسين، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً»[14].

النهضة بين التحذير والتبشير

في هذه الأحاديث إشارة إلى البشارة بالفوز لمن يقف في صف الحسين من جهة، ومن جهة أُخرى إنذار للأُمة وتحذير من القعود عن نصرته عليه السلام. وقد ندم على القعود جمع من الصحابة والتابعين، كما روى المفيد في الإرشاد عن إسماعيل بن زياد، قال: إن علياً عليه السلام قال للبراء بن عازب يوماً: «يا براء، يُقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره»، فلما قُتِل الحسين بن علي عليهما السلام كان البراء بن عازب يقول: صدق ـ والله ـ علي بن أبي طالب، قُتِل الحسين ولم أنصره. ثم يظهر الحسرة على ذلك والندم[15]. وممن أظهر الحسرة والندم أيضاً على ترك نصرة الإمام الحسين عليه السلام عبيد الله بن الحر الجعفي، حيث كان في طريق الحسين عليه السلام فدعاه لنصرته فأبى[16].

وممن فاز بالنصرة أنس بن الحرث، وقد كان يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهيقول: إن ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره»[17]. قال الخوارزمي في مقتله: «فقُتل أنس بن الحرث مع الحسين بن علي عليه السلام»[18].

تقييم مواقف الصحابة

بالرغم من أن النبي صلى الله عليه وآله قد نعى سبطه الشهيد عليه السلام على رؤوس الأشهاد قبل نصف قرن من وقوع الكارثة، وبَشّر اللاحقين بركبه وحَذّر من مغبة عدم نصرته، إلّا أننا نجد أن الصحابة تجاه نهضة الحسين عليه السلام كانوا على ثلاثة أنواع:

1ـ المناصرون، وهم القلّة.

2ـ المعادون المخذّلون.

3ـ الواقفون على التلّ، وهم السواد الأعظم.

فمن الواقفين على التلّ البارزين عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والبراء بن عازب، وغيرهم كثير. ومن المعادين والمخذّلين الذين شركوا في دم السبط الشهيد شبث بن ربعي، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن الحجاج، والنعمان بن بشير وغيرهم.

وأما الصحابة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهم الثلة القليلة الذين استُشهدوا مع أبي عبد الله عليه السلام، وسنفصّل القول في عددهم، فيما يأتي.

الشهداء من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في نهضة الإمام الحسين عليه السلام

قال صاحب إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: «قُتِل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مع الحسين عليه السلام خمسة نفر في الطف: أنس بن الحرث الكاهلي، ذكره جميع المؤرخين، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ذكره ابن حجر، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقات، وفي الكوفة هاني بن عروة المرادي، فقد ذكره الجميع أنه نيف على الثمانين، وعبد الله بن يقطر الحمْيريّ فإنه لدة الحسين ذكره ابن حجر»[19].

وهنا عدة ملاحظات على قول السماوي، نذكرها تباعاً:

1ـ قال: «ومسلم بن عوسجة الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقات»، وهذا مما لم نعثر عليه في الطبقات.

2ـ قال: «وهاني بن عروة، فقد ذكر الجميع أنه نيف على الثمانين»، أقول: إن كبر السن ليس دليلاً على الصحبة، فالكثير من الناس في عصر النهضة الحسينية كانت أعمارهم تصل إلى التسعين أو أكثر أو أقل، وليس هذا دليلاً على صحبتهم، اللهم إلّا أن ينصّ بعض المؤرخين. أو أصحاب الرجال على كونهم من الصحابة، وهو ما وقع بالفعل لهاني.

3ـ إنّ السماوي نسي اثنين ممن عدّهم هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وهما: عبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاري[20]، وعمّار الدالاني[21]، فيكون مَن قُتِل في ساحة المعركة مع الحسين عليه السلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله خمسة هم: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وعبد الرحمن بن عبد ربّ، وعمار الدالاني، فإذا أُضيف لهم هاني وابن يقطر يصبح المجموع سبعة، وليس خمسة، كما ذكر.

4ـ هذا كله بحسب إبصار العين للشيخ السماوي، ولكننا بعد البحث تبيّن لنا أن بعضهم عدّ يحيى بن هاني بن عروة في شهداء كربلاء[22]. وقد عدَّه ابن الأثير في أُسد الغابة في الصحابة[23].

وتبيّن أيضاً أن عبيد الله بن الحارث بن نوفل ـ وقد ذكره جمع من المؤرخين ـ كان من الشهداء مع هانئ، وبإضافة هذين يكون العدد تسعة. وإذا أضفنا لهم الصحابة الذين استُشهدوا في طريق الحسين عليه السلام بعد الواقعة، وهما اثنان: سليمان بن صرد الخزاعي[24]، والمسيب بن نجبة[25]، فيكون مجموع من استُشهد في النهضة الحسينية من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أحد عشر نفراً، وهم:

أ ثلاثة قبل المعركة، وهم: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل.

ب ستة في المعركة، وهم: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وعبد الرحمن بن عبد رب، وعمار الدالاني، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ويحيى بن هاني بن عروة.

ج اثنان بعد المعركة، وهما: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة.

5ـ فإذا أضفنا إلى ذلك كلّه الإمام الحسين عليه السلام باعتباره صحابياً، وهو سيدهم وقائدهم، صار المجموع اثني عشر صحابياً.

6ـ وكذلك وقع الكلام في شخصين مهمين في النهضة الحسينية، هما: مسلم بن عقيل عليه السلام؛ لأن المؤرخين لم يثبتوا تاريخ ميلاده، والمختار بن أبي عبيد الثقفي كونه من مواليد عام الهجرة.

المحور الثالث: ترجمة مَن استُشهد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في نهضة كربلاء

ويقع البحث في هذا المحور في إطار العناوين التالية:

أولاً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا قبل واقعة الطف

وهم ثلاثة ـ كما تقدم ـ: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل:

1ـ هاني بن عروة

أبو يحيى، هاني بن عروة، وقد يُكتب بالهمز هانئ بن عروة بن الفضفاض بن نمران بن عمرو بن قماس قعاس بن عبد يغوث المرادي، ثم الغطيفي[26].

أدرك النبي صلى الله عليه وآله وتشرّف بصحبته[27] ولازم الوصي عليه السلام، فكان من خيرة شيعته، وشارك في حروبه الثلاثة: الجمل وصفين والنهروان[28]، من أشراف الكوفة وأعيانها، ورئيس مذحج وزعيهما[29]، بطل تهاب الفرسان سطوته، ثابت العقيدة راسخ الإيمان، ذو نفسية كريمة وعزيمة لا تلين، لا يعطي الحق بالباطل ولا يهادن، ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ هذا ما دلت عليه مواقفه تجاه العترة الطاهرة، وكان إذا ركب ركب معه من بني قومه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل يصحبونه، وله أحلاف من كندة إذا تنادوا معه بلغوا ثلاثين ألفاً[30]، وكان أبوه من الصحابة[31] ومن كبار الشيعة في الكوفة ومن الذين لازموا علياً عليه السلام طوال حياته[32]، ولما حصب[33] حجر بن عدي زياد بن أبيه في المسجد بالحصى وهو على المنبر، كان عروة أبو هاني معه يحصب زياداً، فاقتيد مع حجر إلى مرج عذراء، ولكنّ زياداً تشفّع فيه، فعفى عنه معاوية، وقتل حجراً[34].

ولم يزل هاني ملازماً للإمام أمير المؤمنين عليه السلام حتى استُشهد، فكان ملازماً لابنه السبط الأكبر الإمام الحسن عليه السلام، وبعد استشهاده بقي على تواصل مع الإمام الحسين عليه السلام حتى حلّ مسلم بن عقيل في داره، فنال شرف الشهادة مع مسلم بكل عزّ وشرف وإباء.

دور هاني بعد هلاك معاوية وامتناع الحسين عليه السلام من بيعة يزيد

بعد هلاك معاوية اجتمع المؤمنون في دار سليمان بن صرد الخزاعي، ولما عرفوا امتناع الحسين عليه السلام عن البيعة وخروجه إلى مكة كتبوا إليه مجموعة من الكتب يطلبون منه القدوم إليهم، ولما كثر الطلب وتكاثرت عليه الكتب، دعا الحسين عليه السلام ابن عمه مسلم ابن عقيل وطلب منه السفر إلى الكوفة والاطلاع على حقيقة الحال، فأقبل مسلم يجدّ بالسير حتى دخل الكوفة وحلّ في دار هاني، وبعد أن تمكّن عبيد الله بن زياد من الأمر نشر جواسيسه بحثاً عن مسلم، فاستطاع أحد الجواسيس ـ وهو معقل ـ من اختراق الجماعة ودخل على مسلم على أنه من شيعته ويحمل له أموالاً. فاستدعى عبيد الله هانياً إلى القصر، فلما حضر قال: أتتك بخائن رجلاه تسعى[35]. والتفت إلى هاني قائلاً: أتيت بابن عقيل إلى دارك وجمعت له المال والسلاح والرجال، فأنكر هاني، وأعاد القول ابن زياد، وكثر الجدال بينهما، فأحضر عبيد الله معقلاً، فلما انكشف الأمر، قال هاني لعبيد الله: إن لأبيك عندي بلاءً حسناً[36] وأنا أحب أن أكافيه، فامض إلى الشام في سلام أنت ومالك وعيالك، فقد جاء مَن هو أوّلى بالأمر منك ومن يزيد[37]، فصاح ابن زياد: أُدنوه، فابتدره الجلاوزة وقنعوا رأسه بضفيرته واستعرض ابن زياد وجهه بالسوط حتى كسر أنفه وتناثر لحم خديه، ثم سجنه في إحدى غرف القصر، فزحف المذحجيون إلى القصر وطوقوه، وهم يقولون: قُتل صاحبنا، فأخرج لهم عبيد الله بن زياد شريحاً القاضي، فأقسم لهم أنه لم يُقتل فانصرفوا[38].

وبقي هاني في السجن إلى أن أُلقي القبض على مسلم بعد فشل نهضته؛ ولما قُتل مسلم وأُلقي من أعلى القصر أمر عبيد الله بن زياد بإخراج هاني إلى السوق وضرب عنقه، فخرجوا به مكتوفاً، وهو ينادي: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، واستطاع أن ينتزع يديه من الكتاف، وحاول انتزاع السيف من أحد الجلاوزة وهو ينادي: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه؟ فوثبوا عليه وأوثقوه كتافاً، فقيل له مد عنقك، فقال: ما أنا بها سخي وما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي يُقال له: رشيد، فلم يصنع فيه شيئاً، فقال: إلى الله المعاد، اللهم رحمتك ورضوانك، ثم ضربه أُخرى فقتله.

وزيادة في التنكيل أمر عبيد الله بقطع رأس هاني ومسلم وبعث بهما إلى يزيد بن معاوية، وأمر بسحب جثتيهما في الطرقات والشوارع، ثم صُلبا منكوسين[39].

وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:

إذا كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري        إلى هانئ في السوق وابن عقيل

إلى بـطل قـد هشّم السيـف وجهـه                  وآخـر يهوي مـن طمار قتيل[40]

وكان مقتل مسلم وهاني يوم الأربعاء الثامن من ذي الحجة سنة 60هـ، وهو اليوم الذي خرج فيه الحسين عليه السلام يطلب الكوفة[41].

وقال ابن حجر: إن هانياً يوم قُتل كان له من العمر بضعاً وتسعين[42]، ونص بعضهم على أنه بلغ الثامنة والتسعين[43].

2ـ عبد الله بن يقطر الحميري

المجاهد الكبير عبد الله بن يقطر، بالرغم من أن التاريخ لا يحدثنا عن أيّ شيء من سيرته، إلّا أن الحادث الذي روي له في النهضة الحسينية المباركة يدل على عظمته، وكرم نفسيته، وعلو همته، وشاسع شهامته، وأنه أهل لحمل الأمانة، بطل، ثابت، عقائدي، مجاهد بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ويكفي أن نلتفت إلى أن السبط الشهيد اختاره لمهمة لا ينهض بها إلّا الأوحدي الذي وضع روحه فوق راحته، ودمه ريّاً لعقيدته.

لقد استخدمت سلطة الطلقاء أُسلوباً وحشياً وطريقة غاية في القسوة لتصفية رجالات الثورة، وهو الإلقاء من أعلى البناء، واستعملوا ذلك مع رسل الحسين عليه السلام الثلاثة مسلم بن عقيل وقيس بن مسهّر الصيداوي وعبد الله بن يقطر، ثم إخراج هاني وضرب عنقه في سوق الغنم زيادة في التنكيل، ثم سَحْبُه هو ومسلم في الطرقات والشوارع من أرجلهما وصلبهما منكوسين على رأسيهما. إن هذه الوحشية والقسوة المفرطة يُراد منها إرسال عدة رسائل:

الأُولى: إن السلطة لن يقف بوجها أيّ حاجز، وهي مستعدة لسحق أيّ شخصية مهما بلغت من المكانة والمقام والقدسية.

الثانية: إنها أرادت أن تبعث رسالة إلى الأُمة تشيع من خلالها الرعب والذعر، فجعلت من هؤلاء النفر الذين قُتلوا بهذه القسوة عبرة لكل مَن تسوّل له نفسه الوقوف مع الحسين عليه السلام.

الثالثة: أرادت أيضاً أن تبعث برسالة إلى القبائل الكبرى، ومَن يقف خلف هؤلاء النفر.. فكان ابن زياد يسأل عن قبيلة الرجل، ثم يأمر بأن تُضرب عنقه بين ظهرانيهم، وقد نجح اللعين في إيصال هذه الرسائل، فنسمع هاني ـ وهو رئيس قبيلة كبرى في الكوفة ـ ينادي: وامذحجاه، فلا يجد مَن يجيبه، في حين أننا نقرأ ـ كما تقدم في ترجمته ـ أنه إذا ركب مع أحلافه صاروا ثلاثين ألفاً.

أقبل عبد الله بن يقطر يجدّ السير ليُبلّغ الرسالة، فألقى القبض عليه في القادسية الحصين بن نمير، إذ إنّ عبيد الله بن زياد وضع نقاط التفتيش، وأعلن الأحكام العرفية، وبدأ يعتقل ويقتل على الظنة والتهمة.

هذا، ولكن الخوارزمي يطالعنا برواية مغايرة تماماً لذلك، إذ يقول: «... فبينما عبيد الله مع القوم في هذه المحاورة إذ دخل عليه رجل من أصحابه يُقال له: مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله الأمير، هاهنا خبر. فقال ابن زياد: ما ذاك؟ قال: كنت خارج الكوفة أجول على فرسي إذ نظرت رجلاً خرج من الكوفة مسرعاً يريد البادية فأنكرته، ثم إني لحقته وسألته عن حاله فذكر أنه من المدينة، فنزلت عن فرسي وفتشته فأصبت معه هذا الكتاب، فأخذه ابن زياد، فإذا مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، أما بعد، فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة ما ينيف على عشرين ألفاً، فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل، فإن الناس كلّهم معك، وليس لهم في يزيد بن معاوية هوًى ولا رأي. والسلام.

فقال ابن زياد: أين الرجل الذي أصبت معه الكتاب؟ قال: هو بالباب. قال: آتوني به. فأُدخل فلما وقف بين يدي ابن زياد، قال له: مَن أنت؟ قال: مولى لبني هاشم. قال: ما اسمك؟ قال: عبد الله بن يقطر. قال: مَن دفع إليك هذا الكتاب؟ قال امرأة لا أعرفها. فضحك ابن زياد، وقال: اختر واحدة من اثنتين: إما أن تُخبرني مَن دفع إليك هذا الكتاب، أو تُقتل. فقال: أما الكتاب فإني لا أُخبرك مَن دفعه إلي، وأما القتل فإني لا أكرهه؛ لأني لا أعلم قتيلاً عند الله أعظم أجراً من قتيل يقتله مثلك. فأمر به فضُرب عنقه»[44].

أقول: ويمكن الجمع بين ما رواه الخوارزمي وما رواه الآخرون بافتراض أن عبد الله بن يقطر نجح في إيصال رسالة الحسين عليه السلام إلى مسلم بن عقيل، ثم حمّله مسلم رسالة إلى الحسين وهي التي ذكرها الخوارزمي، وفي طريق العودة أُلقي القبض عليه.

وعلى أية حال، فقد روى بعضهم أن ابن زياد أمر عبد الله بن يقطر أن يصعد القصر ويلعن الكذاب ابن الكذاب ـ يعني الحسين عليه السلام والعياذ بالله ـ إلّا أنه لما صعد وأشرف على الناس صاح بأعلى صوته: أيها الناس، أنا رسول الحسين بن علي ابن بنت رسول الله إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي ابن الدعي. فأمر به عبيد الله بن زياد فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض، فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه عبد الملك بن عمير اللخمي ـ وكان قاضي الكوفة وفقيهها ـ فذبحه بمدية، فلما عيب عليه، قال: إني أردت أن أُريحه[45].

3ـ عبيد الله بن الحارث بن نوفل

عبيد الله بن الحارث بن نوفل بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن بلال بن أنس بن سعد الهمداني[46]. من رجال الكوفة المبرزين، أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وصحب أمير المؤمنين عليه السلام وشهد معه صفين، وكان من المتحمّسين لقدوم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وهو ممن كانوا يأخذون البيعة للحسين من أهل الكوفة[47].

ومما يدلنا على أهمية الرجل وجلالة موقعه وكبير خطره أن ابن مرجانة طلبه بالاسم، حيث انتفض مع مسلم براية حمراء، إلّا أنه وصل متأخراً مع المختار بن أبي عبيد، إذ جاء هذا الأخير براية خضراء، فاعتقلهما كثير بن شهاب فأودعهما عبيد الله بن زياد السجن، ولما تمّ القضاء على حركة مسلم وأعدم هاني، أحضره ابن مرجانة، فسأله: من أنت؟ فلم يتكلم، فقال: أنت خرجت براية حمراء وركزتها على باب دار عمرو بن حريث، وبايعت مسلماً، وكنت تأخذ البيعة للحسين؟ فسكت، فقال عبيد الله: انطلقوا به إلى قومه فاضربوا عنقه[48].

استشهد عام 60هـ في الكوفة بعد مسلم بأيام، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا مقدار عمره، ولكن بما أنه صحابي فلا ريب أن عمره جاوز الستين على أقل التقادير. ولم يذكر عنه في كتب التاريخ ولا معاجم الرجال أكثر مما ذكرنا.

أقول: وقد وقع الاشتباه من الشيخ علي النمازي؛ إذ قال: «عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.. حبسه ابن زياد مع المختار وميثم»[49]، فإنّ الذي حُبس هو صاحب الترجمة عبيد الله بن الحارث بن نوفل الهمداني، وذاك هاشمي وهو عبد الله وليس عبيد الله، ولكن تشابه الاسمين أوقعه في الاشتباه.

 

(بقي الكلام في تراجم الصحابة الذين استُشهدوا في واقعة الطف يأتي في الجزء القادم)