akdak

المقالات

قسم الفكر الاسلامي

رمزية العفة والحجاب في محنة الأَسر والسبي

312

زينب عبد الله كاظم

ان من أجلّ المظاهر الواضحة التي تخص المراة المؤمنة التي تعرضت للسبي بعد واقعة كربلاء هو تمسكها والتزامها باحكام الله تعالى ومراعاتها لمسألة الحجاب والعفة، وفي الواقع ان تمسكا كهذا يكشف أن إسهام المراة في ميادين الجهاد والدفاع عن الحق لا يتقاطع مع التزامها بحجابها والحفاظ على عفتها وما يجب عليها من حسن السلوك ورزانة في التصرف

كانت النساء اللواتي شاركن في نهضة الامام الحسين عليه وعليهن السلام وهن في مرحلة السبي مثالا في العفة، ورمزا في الالتزام بالحجاب على الرغم من اعتداءات جيش الكوفة عليهن اذ سلبوهن واضطهدوهن، وذلك لأن بعضهن حرائر بيت النبوة والرسالة ولأن بعضهن الآخر كن من المؤمنات حقا، وقد خرجن بعقيدة قوية مع امامهن المفروض الطاعة، فقد كن المعترضات بصرامة وشدة على هتك حرماتهن، وهذا دليل واضح على اهمية وقداسة حفظ الحجاب، ورمزية العفة حتى في احلك الظروف التي تفرض على المرأة الملتزمة ذات المبدأ.

ام كلثوم نموذج العفة:
وخير مثال وانموذج يمكن للمرأة اليوم ان تقتدي به في هذا الصدد هو السيدة ام كلثوم ابنة امير المؤمنين عليه وعليها افضل التحية والسلام، اذ كانت طوال مدة الاسر تفضح بخطبها وكلماتها ظلم بني امية، كما كشفت عن شدة طغيانهم، وافصحت للناس عن عظم جرائمهم وهي على ما هي عليه من الحشمة والوقار والسكينة.
ولما دخل ركب الاسارى الى مدينة الكوفة واجتمع الناس للتفرّج عليهم، خطبت عليها السلام في جموع المتفرجين، وقرعتهم على موقفهم من امامهم الحسين عليه السلام وتقاعسهم عن نصرته عليه السلام .
وفي لحظة دخولهم للكوفة وعند رؤيتها لجموع الناس الذين وقفوا للتفرج على السبايا صاحت بهم: (يا اهل الكوفة أما تستحون من الله ورسوله ان تنظروا الى حرم النبي).
كل هذا وهي بكامل عفتها وحجابها.

زينب رمز الحجاب والوقار:
ومثل موقفها هذا كان موقف اختها قائدة المسيرة السيدة زينب عليها السلام، اذ خطبت في اهل الكوفة خطبة ودّوا بسببها لو انهم لم يولدوا، ثم انها عليها السلام لما تكلمت مع ابن زياد وردّت عليه في مجلسه ومزقته بكشفها عن حقيقته الباطلة امام الملأ، خاف ان يثور الناس عليه، فامر الشرطة بحبس الاسارى في دار الى جنب المسجد الاعظم.
ولكن حتى عندما امر اللعين بحبسهم بقيت هي ومن معها على الوتيرة نفسها من الشجاعة والجرأة، ولم تخضع بل كانت تتحكم بالامور وفق ما تراه مناسبا مع تكليفها الشرعي غير مبالية بالسلطة ولا بالحكام الظالمين.
فمما يروى ان حاجب ابن زياد قال: كنت معهم حين امر بهم الى السجن، فرأيت الرجال والنساء مجتمعين يبكون ويلطمون وجوههم، فصاحت السيدة زينب(عليها السلام) بالناس: لا تدخل علينا الا مملوكة او ام ولد، فانهن سُبين كما سُبينا، وهذا لذكائها وعزة نفسها ذلك لان المسبية تعرف مضض العناء والظلم فلا يصدر منها غير المحمود من شماتة وغيرها، وكان ذلك ايضا لرعاية حريم بيت العصمة وحريم الأوفياء الذين قتلوا بين يدي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وابعاد اعين الناس عن ذرية النبي صلوات الله تعالى عليه وبنات الامام الحسين عليه السلام وبقية نساء الركب الحسيني، وكذا لكسب مودة الذين يعرفون اكثر من غيرهم معاناة الاسارى فيتعاملون مع عوائل الشهداء بطريقة لائقة ومهذبة.

على مشارف الشام:
ولما وصل ركب الاسارى الى الشام وصاروا بالقرب من دمشق، ارسلت السيدة ام كلثوم الى الشمر تسأله ان يدخلهم في درب يكون عدد الناس فيه اقل، وطلبت منه ان يخرجوا الرؤوس من بين المحامل لكي يشتغل الناس عن النظر للنسوة بالنظر الى رؤوس الشهداء، فما كان منه لعنه الله إلا أن جعلهم على حالة لا يرتضيها كل ذي غيرة ، فقد مررهم من بين الجموع الغفيرة، وامر بأن تجعل الرؤوس في وسط المحامل، لكي تتوجه انظار الناس الى الرؤوس والى النسوة في آن واحد، وقد فعل ذلك بغضا وعنادا فهو يعلم يقينا أن اولئك النسوة كن حريصات على عفتهن وحجابهن وسترهن.
وهذا الطلب ذاته قد قدمته السيدة سكينة بنت الامام الحسين عليهما السلام لاحد اصحاب رسول الله حين لقيها بالشام، إذ ينقل عن سهل ابن سعد انه كان في الشام فرأى طلائع سبايا الحسين عليه السلام عند دخولهن اليها، فاقترب من احداهن فقال: من انت؟
فأجابته: انا سكينة بنت الحسين، فقال ألك حاجة اليّ؟ فأنا سهل صاحب جدّك رسول الله صلى الله عليه واله.
فقالت: يا سهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدمه أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر اليه، ولا ينظروا الى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال سهل: فدنا من صاحب الرأس وقال له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ منّي اربعمئة دينار؟ قال: ماهي؟
قال: تقدم الرأس امام الحرم، ففعل ذلك، فدفع اليه ما وعده به، وبذلك تباعد الرأس عن النساء وابتعدت انظار الناس عنهنّ.

الحجاب مع شدة المصاب:
كل ذلك ينبئ عن انه مع شدة المصاب وصعوبة الموقف، كان همّ اولئك النسوة المحافظة على سترهن، وابعاد النظر عنهن بقدر ما استطعن.
والمثال الاكثر وضوحا والأجلى ظهورا للاعتراض على هذا الهتك للحرمة وللدفاع عن الحجاب، ما تجسد في خطبة السيدة زينب بطلة كربلاء عليها السلام، تلك الخطبة البليغة السديدة التي ألقتها امام يزيد وامام الملأ من الناس في قصره بالشام، إذ توجهت صوبه قائلة: (أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك واماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه واله سبايا، قد هتكت ستورهن وابديت وجوههن تحدو بهن الاعداء من بلد الى بلد، ويستشرفهن اهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد..).
هذه الاحتجاجات والاعتراضات على انتهاك حكومة بني امية المتجسدة بشخص يزيد آنذاك لحرمة المرأة وعدم مراعاته للحرمات الالهية، لهي خير دليل على تصديها ودفاعها عن العفة والحشمة، ولسوف تبقى هذه الاحتجاجات والاعتراضات من المرأة على انتهاك أي ظالم لحرمة العفاف والحجاب خالدة على مر الزمن وتعاقب الاجيال ، وستكون هذه الاحتجاجات رمزا للدفاع عن القيم الدينية والمقدسات الربانية.
ولم يكن الحجاب ولم تكن الحشمة لتمنع اولئك النسوة من الوقوف بوجه الباطل، والتشنيع بجناية بني امية في هتكهم لحرمات اهل البيت عليهم السلام، والاعتراض على سوء معاملة الحكام الظالمين واتباعهم لحرم النبي صلى الله عليه واله على مدى جريمة السبي التي ارتكبت بحقهن.