akdak

المقالات

القسم الولائي

دلالة النبأ العظيم على الولاية

167

أ.م.د. سيروان عبد الزهرة الجنابي

تعد آية النبأ العظيم في التعبير القرآني من جنس النصوص السماوية المعجزة الداعمة لولاية الإمام علي(عليه السلام)، لأننا لو قرأناها على وفق منطق التفسير الإشاري فإنَّا سنصل إلى محصلة تشير إلى أنَّ الأحقية في الولاية على المسلمين هي لأمير المؤمنين(عليه السلام) لا غير، إذ قال سبحانه: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)(1).

عند النظر في بطون المدونات التفسيرية فإننا نجد أنَّ أكثر المفسرينَ قد فسَّروا لفظة (النبأ) في الآية الكريمة بالقرآن الكريم، وقيل المراد به (البعث بعد الموت) فهم مختلفون فيه؛ ذلك بأنَّ الموتَ لا يختلفون فيه لأنَّه أمرٌ محسوسٌ مشاهدٌ أما البعثُ فهو أمرٌ غيبي غيرُ مدركٍ على مشهدِ الواقعِ؛ لذا وقعَ فيه الاختلافُ والتساؤل(2).
ولكي يُمنَحَ المسؤول عنه سمة التفخيم والتعظيم في نفس المتلقي سيق على سبيل السؤال؛ فجاء (الاستفهام للإيذان بفخامة شأن المسؤول عنه وهوله وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة؛ أي عن أيِّ شيءٍ عظيمِ الشأن يتساءلون)(3) فالسؤال ههنا ليس على وجه الحقيقة لأنَّ اللهَ تعالى هو العالم بكلِّ شيءٍ؛ بل تساءل سبحانه في النصِّ بقوله (عَمَّ) للبرهنة على عظم الأمر المسؤول عنه وزيادة أهميته في النفس.
جميل الصياغة في بالغ الأمر:
ومن الجميل في الصياغة النصِّية لهذه الآية أنَّ الله تعالى قد بنى فعلَ التساؤلِ فيه على زنة (يتفاعلون) وهذه الصيغة تدل على المشاركة ووقوع الفعل من كلِّ واحدٍ منهم على الآخر بالتساوي والمشاركة على حدٍّ سواء؛ إذ ترد (صيغة التفاعل في الأفعال المتعدية لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه بحيث يصير كل واحدٍ من ذلك فاعلاً ومفعولاً معاً)(4) فنلحظ أنَّ هذه الصيغةَ (يتفاعلون) قد أفادت التعددية في صدور فعل التساؤل وهذا ينمُّ عن انشغال المتسائلينَ كليّاً بهذا الأمر فقد نُقِلَ عن الفراء قوله: (التساؤل هو أن يسأل بعضُهم بعضاً كالتقابل: وقد يستعمل أيضاً في أن يتحدَّثوا به وإنْ لم يكن بينهم سؤال)(5).
من هنا نستدل على أنَّ هذا الأمر المتساءل عنه على جانب كبير من الأهمية إلى الحد الذي لايفتأ القوم يتساءلون عنه باستمرار فهو محور حديثهم ومناط كلامهم وتفكيرهم؛ و(ذلك يقتضي كون المطلوب مجهولاً فجعل الشيء العظيم الذي يعجز العقل عن أنْ يحيطَ بكُنهِهِ كأنَّه مجهول؛ ولهذا جاء سبحانه بلفظ (ما) عن النبأ العظيم، ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا وبيَّنه؛ فقال: (عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ)، فأورده سبحانه أولاً على طريقة الاستفهام مبهماً لتتوجه إليه أذهانُهم وتلتفت إليه أفهامُهم ثم بيَّنه بما يفيد تعظيمه وتفخيمه، كأنَّه قيل: عن أيِّ شيءٍ يتساءلون هل أخبركم به؟ ثم قيل بطريق الجواب:(عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ)(6).
نقول إنَّ الله تعالى قد أوضحَ بجلاء مديات الاهتمام البالغ بالأمر المتساءل عنه في الآية؛ ويبدو أنَّ غلبة سمات الاهتمام في النصِّ هي التي دفعتْ المفسِّرينَ إلى تفسير معنى النبأ العظيم بالقرآن أو البعث، لكن يمكن أنْ يُقالَ غير هذينِ المعنيينِ في معنى (النبأ)؛ إذ يمكن أنْ يُشير النبأُ -ههنا- إلى ولاية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(7)، فهو النبأُ العظيمُ الذي يتساءلون عن مدى أحقيته بالولاية بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روي عن الإمام الصادق قوله: ((النبأ العظيم الولاية))(8)، وفي موضع آخر وثَّقَ الإمام الصادق(عليه السلام) هذه الدلالة التفسيريَّة بإجابته عن سؤال أبي حمزة، إذ نُقِلَ عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعِلْتُ فداكَ، إنَّ الشيعةَ يسألونك عن تفسير هذه الآية:((عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ))، قال: ذلك إلي، إنْ شئتُ أخبرتُهم، و إنْ شئتُ لم أخبرهم، ثم قال: لكنّي أخبرُكَ بتفسيرها، قلت: عَمَّ يَتَساءَلُونَ؟ قال: فقال: هي في أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان أميرُ المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما لله عزَّ وجلَّ آية هي أكبر مني، و لا لله من نبأ أعظم مني(9).
أهمية الأمر عند الله تعالى:
ولا يخفى ما لهذا الأمر من أهمية عظمى عند الله سبحانه لأنَّ الإمام علياً(عليه السلام) هو الامتداد الطبيعي والأمثل بعد الرسول الأعظم؛ إذ لابدَّ لكلِّ نبي مِنْ ولي وخليفة، ولما كان الدينُ الإسلامي أعظمَ الأديان وأكملها على وجه العموم كان من الواجب أنْ تكونَ مسألةُ الولايةِ بعد الرسول لقيادة هذا الدين محطَ اهتمامٍ وموئلَ تعزيزٍ ورعايةٍ من الله تعالى.
من هنا يتحقق إمكان حمل دلالة (النبأ) على مضمون ولاية أمير المؤمنينَ(عليه السلام)، فالكثيرون قد اختلفوا فيه قديماً وما زالوا؛ لهذا ينبئهم الله تعالى -ههنا- بأنَّهم سيعلمون بأنَّه الحقُّ وأنَّه لامحيص عنه البتة، والذي يعزّز هذا المعنى في النصِّ أنَّ جميعَ خطابات النص تتّجه إلى بيان الأمر المتساءل عنه وإظهار عظمته إلى الحدِّ الذي أخفاه الله تعالى من كلامه العزيز إجلالاً له وإكباراً لمضمونه.
ونحسبُ أنَّ الولايةَ والنصَّ عليها من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هي أعظمُ نبأ يمكن أنْ يختلفَ فيه الناسُ وحريٌّ بالنص القرآني أنْ يقولَ فيه بأنَّه نبأٌ عظيمٌ، فالتساؤلُ عنه قائمٌ والاختلافُ فيه دائمٌ حتّى يعلمَ المتسائلون أنَّه الحقُّ الأجلى بلا شائبة أو تردد.

——————————————————
الهوامش:
(1)
سورة النبأ: 1-5.
(2)
القرطبي: تفسير القرطبي:19/170، والطبري: تفسير الطبري:30/1-2، والآلوسي: روح المعاني:30/3، والشوكاني: فتح القدير:5/510.
(3)
الآلوسي: روح المعاني:30/3.
(4)
م.ن: 30/3.
(5)
الشوكاني: فتح القدير: 5/509.
(6)
الشوكاني: فتح القدير: 5/509- 510، الآلوسي: روح المعاني:30/3- 4.
(7)
الشيرازي: الأمثل: 19/ 322- 323.
(8)
الشيرازي: الأمثل:19/323، والبحراني: البرهان: 5/565.
(9)
البحراني: البرهان: 5/565.

نشرت في الولاية العدد 80