akdak

المقالات

قسم القرآن الكريم

حقائق ومفاهيم قرآنية خلق الانسان

151

الشيخ كاظم الصالحي

من الموارد التي دعا القرآن الكريم الناس الى التفكر فيها.. هي مسألة خلق الانسان، فهذه المسألة تمدنا بثمار نفسية واخلاقية تحدث فينا تغييرات كبيرة في نظرتنا عن الكون وانطباعنا عن النفس وقواها وميولها وآمالها في الدنيا والآخرة، فمن يتفكر في وجوده وحقيقته المركبة من جسم وروح وما بينهما من ترابط وثيق فانه سيصل الى الايمان بالخالق العظيم والرب الكريم والاعتقاد بوحدانيته واجتناب الشرك والالحاد والكفر والنفاق فقد قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ){فصلت/53}.

ان خلق الانسان عملية معقدة مبهرة للعقول وذات مراحل اشار اليها القرآن الكريم في مواضع عدة احدها قوله تعالى في سورة المؤمنون (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ){المؤمنون/12-14}
فيما يأتي نستعرض هذه المراحل بنحو اجمالي:

1. مبدأ خلق الانسان: الملاحظ ان الايات القرآنية تذكر اكثر من مبدأ لخلق الانسان منها: التراب، الطين، الماء، النطفة، الذكر والانثى، والنفس الواحدة، ويمكن تصنيفها الى مبدأين:
الاول هو التراب قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ){الروم/20} وهناك ألفاظ عدة يصدق عليها هذا المبدأ، فالطين هو التراب المختلط بالماء، والصلصال هو الطين بعد تبخر الماء منه وحمأ مسنوناً وهو الطين الذي يتكون على ضفاف الانهار والارض وهي ترادف التراب واما (الذكر والانثى) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ){الحجرات/13} فالمقصود منها هما: ادم وحواء عليهما السلام وهما ابوا البشرية ولا ابوين لهما ومخلوقات من تراب، واما قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا){الأعراف/189} فان هذه النفس هي ادم عليه السلام وهو مخلوق من تراب.

المبدأ الثاني: الماء قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا){الفرقان/54} والمقصود هو ماء الرجل أي المني وهناك الفاظ اخرى يصدق عليها لفظ الماء وهي: الماء المهين، الماء الدافق، النطفة.

هنا سؤال يطرح نفسه: كيف نجمع بين الآيات التي تذكر المبدأين لخلق الانسان؟ الجواب: ان الانسان له مبدا واحد هو التراب لقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ){آل عمران/59} فالنبي عيسى عليه السلام لم يخلق من نطفة رجل وهكذا النبي ادم عليه السلام، اما المبادئ الاخرى التي مر ذكرها فهي ترجع في اصلها الى التراب ايضا وحتى ماء الرجل وما ينطبق عليه فانه يرجع الى التراب ايضا بان نقول: ان هذا الماء يتركب من جسم الرجل من عناصر موجودة في الاغذية التي يتناولها، فغذاؤه اما نباتي واصله التراب أو حيواني واصله اما نباتي او حيوان اصله نباتي وهو يرجع الى التراب ايضا، أو نقول: ان البشرية ترجع في اصلها الى ابوين هما ادم وحواء واصلهما التراب فيصح القول ان البشرية مخلوقة من التراب وان كان التوالد بسلسلة من الماء المهين وقد عبر القرآن الكريم عن التفسيرين بقوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ){السجدة/7-8}.

2. مرحلة النطفة: وتستغرق 40 يوما وفيها تبقى بويضة المرأة بعد تخصيبها بنطفة الرجل اسبوعا في ما يطلق عليه (بوق الرحم) ثم تنتقل الى جدار الرحم فتشق فيه نفقا تستقر فيه وما ألطف التعبير القرآني عن ذلك بقوله (قَرَارٍ مَّكِينٍ) في هذه المرحلة يتحدد جنس الجنين ذكر هو او انثى وتستعد النطفة لتصوير اعضاء الجنين ثم تتحول الى علقة في اخر المرحلة قال تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً).

3. مرحلة العلقة: وتستغرق 40 يوما ايضا وقد عرف بعض المفسرين العلقة بقطعة الدم الجامدة قال بعض اخر انها سميت علقة لانها تتعلق بجدار الرحم، وفي هذه المرحلة تتصور وتتخلق الاعضاء فيتضح الرأس ويظهر برعما السمع والبصر وبرعم الطرفين العلويين والشقوق الغلصمية التي يتكون منها الفم والفكّان، وسرعان ما يظهر الطرفان العلويان والاصابع وبرعم الطرفين السفليين في اليوم الـ46 ويبدأ الدماغ بالتشكل، وفي نهاية المرحلة يكون الجنين مكتمل الاعضاء وهو ما اشار اليه قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) فالفعل (سوى) يعني صوره تصويرا كاملا ولعله لأهمية هذه المرحلة تتحول العلقة وهي بطول 5سم الى مضغة.

4. مرحلة المضغة: وتستغرق هي الاخرى 40 يوما والمضغة تعني قطعة من اللحم حجم اللقمة التي تمضغ وتكون المضغة حسب القرآن الكريم مخلقة او غير مخلقة، والمخلقة عند بعض المسفرين تعني الجنين وغير المخلقة تعني السقط فيما قال بعض اخر ان المضغة تكون واحدة ولكن جزء منها مخلق وهو الجنين وجزء غير مخلق وهو المشيمة، وفي هذه المرحلة تبدأ عظام الجنين التي تصورت في مرحلة العلقة بالتصلب بعد ان كانت غضاريف ثم يأخذ اللحم بالتكون والتجمع حول العظام ويكون على هيأة العضلات المخططة التي تساعد الجنين على التحرك بعد ان كانت أليافا لينة في مرحلة العلقة.

5. مرحلة نفخ الروح: بعد اكتمال خلق اعضاء الجنين في مرحلة المضغة بنحو كامل يرسل الله سبحانه وتعالى حسب الحديث النبوي الشريف ملكا ينفخ الروح في هذا الجنين وبهذه الروح التي هي من امر الله لا تدرك حقيقتها وماهيتها يصبح الجنين خلقا اخر هو غير ما كان في المراحل السابقة لقوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) ولعل ما اكتشفه العلم الحديث يفسر هذه العبارة، فقد لوحظ ان أجنة الحيوانات الفقرية تتشابه في المراحل الاولى من الخلق تشابها كاملا كما هو الحال في اجنة السمكة والارنب والانسان ثم يتغير شكل الجنين كل حسب جنسه، فالعبارة تعني ان جنين الانسان بدا يحول من جنين يشابه الحيوانات الى جنين مميز للإنسان وهو خلق اخر، ولذا استعملت العبارة لفظ (أنشأناه) بدل (خلقناه)، ففي هذا المخلوق الجديد من الصفات كالقدرة والحياة والعلم لم يكن في المراحل السابقة حيث اصبح انسانا، واخيرا يثني الخالق العظيم على نفسه بقوله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

نشرت في الولاية العدد 94