akdak

المقالات

القسم الاجتماعي

كيف نُدرّب أطباءنا على الحديث عن الانتحار؟

183

رودولفو بونين، ليونارد إم جرالنيك

تزداد معدلات الوفاة الناتجة عن الانتحار بصورة واضحة، فهو أحد أسباب الوفاة الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 2020، كان الانتحار هو ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة في الولايات بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم من 10 أعوام إلى 14 عامًا، ومن 25 إلى 34 عامًا، وفي العام نفسه، وصل عدد البالغين الأمريكيين الذين فكروا في الانتحار، أو خططوا له، أو أقدموا عليه، إلى ملايين الأشخاص، وبلغت حالات الوفاة الناتجة عن الانتحار إلى 46 ألفًا، وفقًا لإحصائيات أصدرها مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC).

ووفق التقرير، فإن معظم الأشخاص الذين يقررون إنهاء حياتهم يتلقون خدمات الرعاية الأوليّة، وغيرها من الخدمات الطبية، في العام السابق لتنفيذهم هذا القرار، ما يثير الكثير من التساؤلات المحورية: هل لاحظ الطبيب أي علامات ظاهرة أو خفية تدل على أن المريض كان يعاني من أفكار انتحارية؟ هل ناقش الطبيب فكرة الانتحار مع المريض؟ وإذا لم يكن قد فعل، فما السبب الذي منعه من ذلك؟ هل كان طرح مثل هذا الموضوع يصيب الطبيب بالانزعاج؟ هل شعر بأنه غير مستعد للتحدث عن هذا الموضوع؟ وهل كان المريض مترددًا في الحديث عنه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل حدث شيء في أثناء التفاعل بين الطبيب والمريض أدى إلى تردُّد المريض؟

أحد كاتبي هذا المقال (جرالنيك) يعمل طبيبًا نفسيًّا معتمدًا له عمل أكاديمي، أما الآخر (بونين) فهو اختصاصي علم نفس متمرّس في تدريب الأطباء الإكلينيكيين، وقد شهد كلٌّ منا في أثناء رحلته المهنية عددًا من المرضى، والأطباء الممارسين والمقيمين، والطلاب، ممن يواجهون صعوبةً في الحديث عن هذا الموضوع، ومن خلال مشاهداتنا، وتجارب زملائنا الآخرين، لاحظنا أن الأطباء في كثير من التخصصات يواجهون صعوبة حقيقيّة في طرح أسئلة مهمة حول الانتحار، نتيجةً لتاريخ طويل من الوصم والقوالب النمطية وسوء الفهم التي تحيط بالانتحار، لكن ذلك ينبغي أن يتغيّر.

ولتحقيق تلك الغاية، أقمنا برنامجًا تدريبيًّا مبتكرًا في كلية هربرت فيرتهايم للطب بجامعة فلوريدا الدولية، أُدرجَ ضمن مقررات جميع سنوات الدراسة الأربع، وتكمن أهمية هذا التدريب في أننا نحتاج إليه في العديد من دورات كلية الطب، عكس برامج السلامة النفسية، التي عادةً ما تكون تطوعيةً ومصممةً لتقديم الدعم النفسي للطلاب، وفي حين أن برامج السلامة النفسية تلك قد تساعد طلبة الطب على التعامل مع شعورهم بالاكتئاب والعجز واليأس، فإنها لا تمنحهم المهارات اللازمة للتحدث مع مرضاهم المستقبليين حول الانتحار، أما في برنامجنا التدريبي، فتبدأ الجلسات -التي تنطلق من السنة الأولى في كلية الطب- بتثقيف الطلبة حول معدلات انتشار حالات الانتحار، وتدريبهم على كيفية التحدث مع المرضى الذين يعانون أفكارًا انتحاريةً بصورة فعّالة، بل ومساعدتهم على تطوير التعاطف، بوصفه مهارةً إكلينيكيةً مهمةً وجذرية.

وبناءً على خبراتنا السابقة في هذه المساحة، فإن الارتباك يغلب على الأطباء، مانعًا إياهم من التعاطُف مع مرضاهم، فيبدأون المحادثة بمقدمة أو حتى اعتذار، فعلى سبيل المثال، يبدأ الأطباء حديثهم بـ: "قد يبدو هذا سؤالًا غريبًا"، أو "يجب أن أسألك سؤالًا نطرحه على جميع المرضى"، أو "أنا آسف إذا كان هذا السؤال يبدو شخصيًّا أكثر من اللازم"، ورغم أن هذا النوع من العبارات يهدف إلى إشعار المريض بالراحة، فإن ذلك قد يزيد في الواقع من قلقه واضطرابه؛ لأن ذلك يعزز فكرة أن الحديث عن الانتحار أمرٌ "محظور" بصورةٍ ما، كيف نتوقع أن يكون مرضانا على استعداد للإفصاح عن أفكارهم الانتحارية إذا كنا نحن أنفسنا، أطباؤهم، لا نزال متخوفين من مناقشة الموضوع؟

في العادة لا يبدأ طلاب الطب في تلقِّي تدريبات ذات أهمية حول التعامل مع الانتحار إلا في سنتهم الثالثة من كلية الطب، وذلك في خضم التدريب الإكلينيكي المرتبط بتخصص الطب النفسي، ما يوحي بأن الانتحار لا يحمل إلا قدرًا محدودًا من الأهمية للأطباء الذين سيمارسون تخصصات أخرى، واقتصار التدريب اللازم للتعامل مع المرضى ذوي الميول الانتحارية على طلاب تخصص الطب النفسي أدى إلى ترسيخ الاعتقاد الخطأ بأن مَن يُقدم على الانتحار لن يكون إلا مريضًا مُشخّصًا باضطراب نفسي، ونحن من جانبنا نرى أن جميع التدريبات الإكلينيكية اللازمة، بما فيها المرتبطة بتخصص الجراحة وطب الأطفال والطب الباطني وعلم الأعصاب وطب الأسرة وطب التوليد وأمراض النساء، ينبغي أن تتضمن تدريبًا مُعززًا للتعامل مع حالات الانتحار.

ومن خلال دمج التدريب على التعامل مع الانتحار في المنهج التدريسي بوصفه عنصرًا أساسيًّا، يمكننا تخفيف وصمة العار المرتبطة به، ليصبح مادةً لا تتجزأ من التدريب الطبي، ويتضمن التدريب أيضًا معلوماتٍ عامةً عن الانتحار، فهو يستهدف طلاب الطب والأطباء المقيمين والممارسين، ممن يعانون معدلات عالية من القلق والإنهاك والاكتئاب، ومن المفارقات اللافتة للنظر أن طلاب الطب غالبًا ما يهملون معاناتهم النفسية حتى في أثناء تلقِّي تدريب حول الاضطرابات النفسية.

الهدف طويل الأجل الذي نسعى إليه هو تهيئة كافة الأطباء، وغيرهم من العاملين في القطاع الطبي، لمناقشة الانتحار بصراحة مع مرضاهم، ما يمهد الطريق لتحسين العناية بالمرضى والحفاظ على سلامتهم، وبعد تطبيقنا لهذا المنهج، لاحظنا زيادةً كبيرةً في درجة الراحة والثقة والكفاءة عند الطلاب وقت إجرائهم مقابلات مع مرضى حقيقيين يعانون من أفكار انتحارية.

تجدر الملاحظة كذلك أن العديد من الأشخاص الذين يعانون أفكارًا انتحاريةً يستشيرون طبيبًا متخصصًا في أحد فروع الطب الأخرى غير الطب النفسي، ولذلك فمن المهم أن يكون أطباء التخصصات الأخرى مهيَّئين لملاحظة الأفكار الانتحارية وتقييم الشخص واتخاذ الإجراءات المناسبة، فقد يشعر المريض بالخوف من التحدث إلى طبيبه حول الانتحار، وقد يكون مرتاحًا أكثر للتحدث في ذلك مع الطبيب المعاون أو التمريض أو المساعد الطبي، ولذلك فمن المهم أن يتلقى هؤلاء الاختصاصيون كذلك تدريبًا مناسبًا حول تقييم الانتحار والوقاية منه.

ولكي نرى نتائج حقيقية في مساعي الوقاية من الانتحار في الوقت القريب، يتوجب علينا أن نبدأ الآن بتنفيذ برامج تدريبية معززة للتعامل مع الانتحار في جميع كليات الطب، فعلينا أيضًا تطوير وتنفيذ منهج طبي مستمر ومستدام، يركز على التعامل مع حالات الانتحار لتدريب الأطباء الممارسين الحاليين، ويساعد خريجي المستقبل على صقل المهارات الإكلينيكية المتعلقة بتقييم الانتحار والوقاية منه.

وفي وقت قريب، دخل رقم جديد (988) إلى الخدمة التي كانت تُعرف سابقًا بالخط الساخن الوطني لمنع الانتحار، ليحل محل الرقم القديم الذي كان يتكوّن من أحد عشر رقمًا، وأصبح يُعرف الآن بالخط الساخن للتعامل مع الانتحار والحالات الطارئة، هذا الرقم البسيط، المكوَّن من ثلاث خانات، هو خطوة طال انتظارها في الاتجاه الصحيح نحو مساعدة المحتاجين؛ فمن المهم تيسير الوصول إلى خدمات التعامل مع الحالات الطارئة وزيادة الوعي بشأن الانتحار، وإن كانت لا تزال هناك حاجة ماسَّة إلى تحسين مهارات الأطباء عند التعامل مع المرضى الذين لديهم ميولٌ انتحارية.

إن هدف المؤسسة الأمريكية لمنع الانتحار هو خفض المعدل السنوي للانتحار في الولايات المتحدة بنسبة 20% بحلول عام 2025، وصحيح أن بإمكاننا الوقاية من الانتحار، لكن ذلك سيتطلب تغييرًا جذريًّا في منهج تدريس كليات الطب؛ فمن الضروري أن نعرف أن أمامنا طريقًا طويلًا لنقطعه