بسم الله الرحمن الرحيم
هـذه
النتائج التي يملك العقل الحصيف أن يصل إليها بفطرته ، وبالذخائر
الضرورية التي أعدّت له في تكوينه ، أترى فيها ظلا من الريب ، أم
ترى فيها شيئاً من الغموض ؟ .
تأمـل فيها ملياً
وقلّب وجوه النظر ما شئت ، ثم اقرأ هذه السورة القصيرة من قرآن محمد
( صلى الله عليه و آله و سلم ) :
﴿
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ 1 .
هذه
السورة التي يسمونها سورة (التوحيد) ، وسورة (الإخلاص) ، ويقول
الأثر : إنها تعدل ثلث القرآن ، اقرأها وقارن بين فكرتها وبين
النتائج الآنفة الضرورية التي وصل إليها العقل .
﴿
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ 2 .
ماذا
يعنيه هذا الوصف الكريم : لفظ ( أحد ) ؟ .
إن
كلمة الواحد لا تعني إلا نفي الشركاء ، وقد استعملها القرآن لما
أراد نفي الأضداد والأنداد فقال : ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ 3 .
﴿
وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ
إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ 4 .
أما
نفي الشريك في الإلوهية ، ونفي المثيل أو المؤازر في الربوبية ،
ونفي الشبيه من كل موجود ، ونفي الأجزاء والأبعاض في الحقيقة . .
أما هذا فإنما تدل عليه كلمة ( أحد ) .
أرأيت ؟ لقد
انطوت هذه الآية الصغيرة على مفصلات هذه الفكرة الكبيرة، وسائر آيات
السورة إنما هي تفصيل قصير لهذا الإجمال .
وقد
روى في معنى ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ 5 :
( أنه الذي لا يوصف بالنظائر ) و ( أنه القائم بنفسه الغني عن غيره
) ، و ( أنه الذي لا شريك له ، و لا يؤوده حفظ شيء ، و لا يعزب عنه
شئ ) ، و ( أنه الدائم لم يزل و لا يزال ) ، و ( أنه السيد الذي
ينتهي إليه السؤدد ) ، و ( أنه الذي يصمد ( أي يقصد ) إليه في
الحوائج ) ، و أنه ( السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر ولا
ناه) 6 ،
ورويت له تفاسير أخرى تتصل بهذه المعاني .
وإذا
كان معنى ﴿ ... اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ 7 أنه
متنزه عن المثيل ، متعالٍ عن الحدود ، متقدس عـن الحاجة، متفرد
بالخلق والتدبير فهو صمد بكل هذه المعاني المتقدمة ، وبكل ما ذكر
لهذا اللفظ من معاني التنزيه و التقديس .
نعم
، وإذا وجبت له الأزلية ، واستحالت عليه الحاجة ، وتنزه عن الشباهة
، وامتنعت عليه الأجزاء ، وامتنع عليه التغيرّ فما علاقته بأبوة ؟ ،
وما رابطته ، وما حاجته ببنوة ؟ ، وما صلته بصاحبة ؟ ، وما كفءٌ و
ما ندّ ؟ ، و ما وزير وما ظهير ؟؟!! .
كلا
. كلا . بل ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ
يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ
﴾ 1 .
﴿
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ 8 ،
والنسق الطبيعي أن يقدم نفي الوالد على نفي الولد ، ولكن هكذا سبق
الوهم وفشا في بعض الأذهان وعند بعض الناس ، فنزهوا الباري عن
الأبوة ولم ينزهوه عن البنوة ، فلعله -من أجل ذلك- استوجب التقديم
في العلاج ، واستوجب التقديم في التنزيه .
﴿
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ 8 ،
والعلل التي نزهته عن أن يكون مولوداً نزهته كذلك عن أن يكـون
والداً .
(لم
يولد) ، لأنه واجب الوجود لذاته ، ومعنى ذلك : أن وجوده ذاتي لا
يمكن أن يقتبس من سبب ، ومعنى ذلك أيضاً : أن وجوده أزلي لا يمكن أن
يسبق بعدم ، وكل ذلك ينفـي أن يكون مولوداً بأي معنى فسرنا الولادة
، وهذه اللوازم كلها آتية في الولد الذي يزعمه الزاعمون ، فان وليد
واجب الوجود لا محيد من أن يكون واجب الوجود كذلك . وإذن فكيف تمكن
له الولادة، وكيف يمكن فيه الافتقار؟ ، إن ذلك تناقض واضح لا يقول
به عاقل .
﴿
... وَلَمْ يُولَدْ ﴾ 9 ،
لأنه واجب الوجود لذاته ، ومعنى ذلك : ان له الوحدة المطلقة ، وان
لـه الكمال المطلق . فكيف يتصور أن يكون له شريك وإن يكن الشريك
أباً ، وكيف يتصـورّ أن يكون له مثيل وإن يكن المثيل ولداً ؟، وقد
تحدثت عن معاني وجوب الوجود هذه فيما سبق .
﴿
لَمْ يَلِدْ ... ﴾ 9 ،
وكيف يلد؟! . وما هو معنى الولادة ليجترئ أحد من الناس فينسبها
اليه؟ ، جزء ينفصل من الحي فيكون جرثومة لحياة جديدة .
وإذن
فقد شرطنا في الأصل أن يكون مركباً -ولو بحسب المقدار- فان المـركب
هو الذي يتصوّر فيه ان تنفصل بعض أجزائه . .
وإذن
فقد فرضنا طرو نقص وتغير على ذلك الأصل بهذه الولادة .
وإذن
فقد سوّغنا على جميع أجزائه أن تتفرق ، وأن تضمحل فإن جميعها على حد
سواء، وسبيلها في ذلك سبيل واحدة .
وإذن
فهو مفتقر -في استرداد كماله- الى أجهزة عاملة تتم منه ما نقص ،
والى مـادّة جديدة تعوّض ما فني ، وكل هذه اللوازم لا تتفق مع أحدية
الإله ، ولا تجتمع مع وجوب وجـوده وغناه المطلق من كل وجه ، وتنزهه
الكامل عن كل نقص .
﴿
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ 10 ،
فلا شريك له في وجوب الوجود .
ولا
عديل له في كماله المطلق .
ولا
قرين له في غناه المطلق .
ولا
مثيل له في الإلوهية .
ولا
نظير له في الربوبية .
ولا
شبيه له في صفة .
أجل
. لم يكن له كفو من الموجودين ليمكن ان يفرض ذلك الكفو اباً أو
ولداً . ولم يكن لـه كفو من الموجودات ليمكن ان تفرض له صاحبة .
وليس كمثله شيء ليمكن أن يكون له قريناً أو مثيلاً .
﴿
ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ
شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لاَّ
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ 11 .
أخــي
:
تفكر
وقلّب وجوه النظر ، ثم احكم مرضيّ الحكومة : أيمكن ان يكون إله
الكون على غيـر هذه الصفة ؟ ، أم يمكن أن تكون للتوحيد فكرة هي أسمى
من هذه الفكرة ؟ 12 .
1.a.b.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآيات : 1 - 4 ، الصفحة : 604 .
2.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآية : 1 ، الصفحة : 604 .
3.القران الكريم : سورة البقرة ( 2 ) ، الآية : 163 ، الصفحة : 24 .
4.القران الكريم : سورة النحل ( 16 ) ، الآية : 51 ، الصفحة : 272 .
5.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 604 .
6. يراجع تفسير البرهان ، المجلد الرابع ، ص 525 ، ط طهران ، سنة 1375 هجرية .
7.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآية : 1 ، الصفحة : 604 .
8.a.b.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآية : 3 ، الصفحة : 604 .
9.a.b.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآية : 3 ، الصفحة : 604 .
10.القران الكريم : سورة الإخلاص ( 112 ) ، الآية : 4 ، الصفحة : 604 .
11.القران الكريم : سورة الأنعام ( 6 ) ، الآية : 102 و 103 ، الصفحة : 141 .
12. من كتاب ( رسالات السماء ) للشيخ محمد أمين زين الدين .
اكثر قراءة