akdak

المقالات

قسم الأدب

الخطابة عند الجاحظ

60

أ.م.د. حسن عبد المجيد الشاعر

من المسلّم به أنّ القرآن الكريم كلّه خطاب للناس، وفيه كثير من الآيات التي صرحت بذكر اللسان والبيان اللذين يجمعهما الخطيب، لأنه بحاجة إلى سلامة جهازه النطقي، وغايته الكشف بطريق الإقناع، وقد وردت لفظة (خطاب) في القرآن الكريم في موضعين في سورة واحدة منه هي (سورة ص)، الأوّل قوله تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (ص/20) ، وقد نوّه الجاحظ (ت255هـ) بذكرها في كتابه ( البيان والتبيين ) وفصّل القول فيها، والثاني قوله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) (ص/23). وقد وردت ألفاظ  أخرى نحو: خاطبهم وتخاطبني وخطبك وخطبكم، ولكن لا يعني بها معرفة الحكم والبصر بدقائق الأشياء كما هي الحال في الآية  الأولى.

وقد تحدث القرآن الكريم عن خطابة الأنبياء ورجاحة عقولهم ومنطقهم الفيّاض حال الكشف عن الخالق المبدع والدعوة إلى عبادته، ووقوع المجادلة بينهم وبين المشركين، وعرض الأدلة من لدن الأنبياء حتى يلزم المقابل الحجة؛ وكانت حال الرسول محمد( صلى الله عليه وآله ) كذلك، فهو لم يتوان في إقامتها فهي عنصر هام من عناصر الكشف والإقناع لديه، وقد سمع عنه(صلى الله عليه وآله) قوله: (كان شعيب خطيب الأنبياء)(البيان والتبيين: 1/201) ليبين للمسلمين أهميتها ودورها الكبيرين، وقد كان للرسول(صلى الله عليه وآله) خطيبان هما ثابت بن شماس الأنصاري وروح بن زنباع، وكان في صغره قد أعجب بخطبة قس بن ساعدة الإيادي التي ألقاها في سوق عكاظ وهو ما يجعلنا نلمس إكبار الرسول للخطابة.
وكان العرب يحبون البيان ويجلّون المبين، فتراهم أشد فخرا ببيانهم وطول ألسنتهم، ولعل قول ضمرة ابن ضمرة في حضرة النعمان خير دليل على ذلك، فقد كان للكلمة دورها الفاعل فيهم، فكأنهم إذا تكلموا فعلوا.
وعرفوا كثيرا من الخطب، القصار والطوال، وأطلقوا على ما أعجبهم منها بعض المسميات، وكانت لا تلقى قعودا غير خطبة النكاح، والخطيب لا يعبأ إذا خطب وهو على راحلته، ولكنها على الرغم من ذلك لم تعد الأنموذج البياني الأول قبل دخول الإسلام الجزيرة العربية، فقد كان الشِّعر يمثل الحياة البدائية البسيطة التي تتغنى ببطولاتها وأمجادها ومغامراتها الغزلية، وهو في رأي عمر بن الخطاب(علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه)(العقد الفريد: 5/281)، ولما انتفت حاجة الشعر أصبحت الحاجة ماسة لقيام الخطابة، وذلك بعد أن اتخذ الشعراء الشعر مكسبة فرحلوا إلى السوقة وتسرعوا إلى أعراض الناس، فلما جاء الإسلام أراد أن يتحول بالمجتمع العربي من مجتمع بدوي إلى مجتمع مدني، والمجتمع المدني يرفع من شأن الخطابة، لأنها ابنة التمدن والتحضر.

أركان الخطابة الثلاثة:
وقد صور لنا الجاحظ أركان الخطابة الثلاثة التي لا تقوم إلا بها، وهي الخطيب والموضوع والجمهور، وأعطى لكل واحد منها حقه، وما عيوب الخطيب والموضوع إلا أصداء الجمهور حولهما والحال تنطبق على ما رغب فيهما، والخطابة عنده صنف من أصناف البلاغة التي تحدث عنها في قول الفارسي واليوناني والرومي والهندي، وقد تكون البلاغة بعينها نحو ما هو معروف لدى اليونان، ويقوي هذا القول دلالة لفظة rhetoric في المعاجم الإنجليزية (ظ. المورد، منير البعلبكي، طبعة دار العلم ببيروت: 787 ).
ولم يعنِ الجاحظ بالخطابة إلا الفن الشفاهي الذي يؤدى بالشعر إلى جانبها، الذي عرفه العرب كما عرفته الأمم الأخرى: اليونان، والهنود، والفرس قبل أن تتحول إلى فن كتابي على يد الجاحظ، وقد نزع الجاحظ نزعة غير عقلية لمّا صرح أنها للعرب والفرس وليس لغيرهما نصيب منها على الرغم من أن الفرس لا يجتلبونها إلا بعد طول التفكر وكثرة المدارسة، ثم يشرع بذم أرسطو صاحب كتاب (الخطابة) أو (فن الخطابة) ولا أعلم سبب ذلك، فإن الذي جاء في كتابه دليل على قيام الخطابة فيهم ووصولها الى الذروة على يد خطبائهم.
وقد ذم الجاحظ الشعوبيين لمّا عابوا العرب بحملهم المخصرة في أثناء أداء الخطابة، وقال بأنها ذات دور مهم في شحذ الذهن وتتابع الأفكار ، وصب جام غضبه عليهم لما جادلهم بالقرآن ونهج الرسول، ونحن نرفض ما دعا إليه، ولا نعد حمل المخصرة تأهبا للخطبة والإطناب فيها، وإنما جرت العادة بين العرب منذ القدم على حمل العصا لما في ذلك من منافع نحو منافع العمة.
ولم يكن الجاحظ مصيبا لما تعهّد لنا بأنه سيضع الخطباء في طبقات ويقدم من قدمه الله ورسوله في الحسب والنسب، لأنه عجز عن النظم والتبويب وتكلف ذكر كثير من الخطباء، وهو لا يختص برجل دون رجل، أو بجماعة دون جماعة، فهو سياسي محنك لا يود عند ذكر أحدهم خسارة الآخر، فنراه ذكر خطبا للرسول والخلفاء الراشدين وملوك بني أمية وبني العباس، وكان يفضلهم على غيرهم (ملوك بني العباس) وبعض أفراد الأحزاب(الطوائف والفرق) التي كانت لها اليد في إذكاء الصراع بعد وفاة الرسول، وذكر عددا غير قليل من خطباء الجاهلية رجالا ونساء، فقال إن لإياد وتميم مزايا لا تجتمع لغيرهم من حيث البيان، وذكر أن لعبد القيس ومذحج وغطفان وهذيل وغيرهم خطباء، ولم يهمل الجاحظ خطباء الأقطار: عمان واليمن والبحرين وخطباء الأنصار.

تفضيل كلّ ما هو مبين:
وحاول الجاحظ أن يبين لنا أنموذجه السامي في البيان، وهو الرسول في خطبه القصار والطوال بوصفه جامعا للكلم، فقال عنه في معرض خطبه الطوال: (وقد شاهدوا النبي(ص) وخطبه الطوال في المواسم الكبار، ولم يطل التماسا للطول، ولا رغبة في القدرة على الكثير، ولكن المعاني إذا كثرت، والوجوه إذا افتنت، كثر عدد اللفظ…) (البيان والتبيين: 4/28) وهو عنده صاحب كلام حروفه قليلة ومعانيه كثيرة لا ترى للصنعة والتكلف فيه مستقرا، فالجاحظ بحسب ذلك يفضل كل ما هو مبين وإن قصر، فالكلمة قد تكون أفضل من الخطبة والرسالة إذا بانت دلالتها بعد فصاحتها نحو قول رسول الله للأنصار: ( أما والله ما علمتكم إلا لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع) (البيان والتبيين:2/16 ، 17 ، 19) والإمام علي(عليه السلام) أخطب الخلفاء الراشدين عنده، فقد اشاد به إشادة رائعة لما أبان قولته المشهورة (قيمة كل امرئ ما يحسن) (البيان والتبيين : 1/83) فعدلها بكل ما جاء به في كتابه، فهي غنية ولا حد لغناها.
لقد أسهب الجاحظ في ذكر عيوب الخطيب ومضمون خطبته وراعى في ذلك كله مدح الكلام وذم الصمت وغايته من ذلك البيان ثم التبيين، أو الفهم ثم الإفهام، وبعد أن نظر البيان أخذ يضرب الأمثلة ليبصر القارئ دوره، فإن الخطيب بما يملكه من مؤهلات قد يستميل قلوب الجمهور إلى ما يريد، فقد يقود إلى ثورة، أو نصرة أحد وإن كان على باطل، فإن الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله ) بصر بما للبيان من قيمة فقال بحق عمرو بن الأهتم: ( إن من البيان لسحرا ) (البيان والتبيين : 1/52-53) .
ولم تصدر الخطب عن العرب بحسب فهمه إلا بالإلهام، فترى الألفاظ تنثال على الخطيب انثيالا من دون بذل أي جهد، والملاحظ أن فكرة مثل هذه الفكرة لا يمكن أن يعقلها العاقلون، فاللغة مكتسبة ولكنها لدى العرب لغة الفطرة التي فطروا عليها، وسليقتهم التي يتبادلون بها الحديث بينهم كما نعتاد اليوم لغتنا الدارجة أو العامية فنحسنها.

نشرت في الولاية العدد 79