akdak

المقالات

القسم الولائي

القيم الإنسانية في معركة الطف

28

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني

بعث الله النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم رحمة للعالمين إذ تهدف الشريعة الإسلامية الغراء إلى إرساء مبادئ إنسانية في وقت السلم والحرب على حد سواء، وفي مقدمها صيانة الكرامة الإنسانية حيث يقول تعالى في محكم كتابه العزيز "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

 

كما حرص النبي وآل بيته الكرام عليهم السلام على إرساء مبادئ إنسانية لم تعرف لها البشرية نظيراً، ففي الوقت الذي يحاول معسكر الإمام الحسين عليه السلام السير على هدى السيرة النبوية العطرة والتعامل بمنتهى الإنسانية مع الآخرين، حيث تدللنا النصوص المروية عن الإمام يوم العاشر على أنه أجتهد في نصح القوم ودعوتهم إلى ما ينجيهم في الدنيا والآخرة خشية منه على هؤلاء ورحمة منه بهم، في حين نجد إن العسكر المقابل لم يتوانى عن ضرب كل قواعد الشريعة الإسلامية والقيم الإنسانية المنظمة لحالة الحرب والنزاعات المسلحة ومسوغاتها إذ ينبري أحد القوم ليقف أما الحسين ويقول له نقاتلك بغضاً بأبيك، وهل ما تقدم يسوغ الأفعال الحربية والانتهاكات الخطيرة التي وقعت؟.

 

وتكيف معركة الطف على أنها نزاعاً مسلحاً وطنياً كونه وقع داخل الدولة الإسلامية بين طرفين أولهما الإمام الحسين وأنصاره وأهل بيته، والطرف الثاني هو جيش يمثل الحكومة الأموية الحاكمة آنذاك، فكانت الفوارق الفردية والجماعية بين الفئتين واضحة المعالم ويمكننا إن نستعرض بعضاً منها:

 

1- الاجتماع على الحق:

حيث يمتاز معسكر الإمام الحسين انه يتكون من جماعة يمتازون بالتجانس فهؤلاء أصحاب عقيدة ويدافعون عن قضية تتمثل بمبدأ أساسي ألا وهو إقامة الحق والعدل ونصرة المظلوم ورفع الضيم عن الناس، بإعادة الحق المسلوب من قبل السلطة الأموية الغاشمة، فلا نجد بينهم أي فوارق على المستوى الفردي ولأي سبب كان فالإمام الحسين عليه السلام يعد إنسانا مسدداً ويعامل أنصاره وأهل بيته بأسلوب واحد ويضعهم في كفة واحدة فكلهم جاؤوا نتيجة قناعة تامة بالتضحية من أجل المبادئ، فالمحدثون وكتب السيرة تشير إلى عشرات المرات التي طلب فيها الإمام ممن كانوا معه مغادرة الحرب والسلوك بين الجبلين كونه لا يحب لهم السوء إلا أنهم جميعاً أصروا بشكل عجيب على مرافقته والتضحية بالغالي والنفيس لأجله، ولأجل الدين والمبادئ الإنسانية التي آمنوا بها وكانت مصداقاً لسلوكهم فكانوا من العباد التقاة المعرفون بين الناس بحسن السيرة والسلوك.

 

بينما المعسكر المقابل يتكون من خليط غير متجانس منهم:

 

أ‌- المخطط أو الأمر بالحرب والقتل (يزيد - عبيد الله بن زياد) وهؤلاء من أشد الناس خروجاً عن أوامر الشرع والشريعة وهما من مدمني الخمر والرذائل، وهل نتوقع من هؤلاء أن يراعوا حرمة المبادئ الإسلامية والقيم السماوية والسنن الإنسانية؟.

 

ب‌- المنفذون للجريمة: وهم جمع يتكون من فئات أهمها:

 

- اللاهثون خلف مصالحهم الشخصية: ولو كانت على حساب الشريعة الإسلامية وأوامرها من أمثال عمر بن سعد وشبث ابن ربعي وهلم.

 

- المرتزقة: وهم جمع كبير من معسكر الجيش الأموي همهم الوحيد الكسب ولو كان بشكل غير مشروع وكانوا الغالبية، وأشتهر عنهم السلب والسرقة.

 

- الناكثون: وهم أرسلوا الرسائل إلى الإمام الحسين عليه السلام يدعونه إلى المجيء إلى الكوفة وأنهم أنصاره ومريدوه، ومن ثم نكثوا الوعود التي قطعوها له ومنهم شبث ابن ربعي وجمع كبير من الناس، قاتلوا الإمام وأنكروا ما صدر عنهم من وعود.

 

- الحاقدون: وهم جماعة كبيرة من الناس اجتمعوا على بغض الإمام علي عليه السلام وعتره النبي الأكرم ومنهم قيس ابن الأشعث وجمع من الناس.

 

- الخوارج: وهم فئة قاتلها الإمام علي عليه السلام وانتصر عليهم في النهروان فأضمروا له الحقد والكره ودأبوا على إيذائه وأهل بيته.

 

وهذه الطبقات من الناس التي حاربت الإمام عليه السلام، جلهم من المنافقين لذا لا يتوقع منهم إلا الرذائل وليس فيهم من يرعى الحرمات أو يصون المقدسات بما إنهم يتحركون بوحي من حقد دفين وبحث عن مزايا شخصية بعيدة كل البعد عن الانتماء لدين عظيم مثل الإسلام حريص كل الحرص على إرساء القيم والمبادئ وتنشئة الناس عليها ليدافعوا عن الأفكار السليمة وليس عن الأشخاص أو الملذات.

 

2- سمو أهداف النهضة الحسينية:

فمعسكر الإمام الحسين يحرص على إن يكون مصداق لحقوق الإنسان وقد عبر عن ذلك بقوله "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن أأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"، بينما كانت غايات القوم خليط غير متجانس فالبعض كان يلهث وراء إسكات صوت المعارضة لتصفو له شؤون السلطة والحكم حيث يذكره الإمام في إحدى خطبه فيقول "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً عهده، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله إن يدخله مدخله"، والبعض كان يلهث وراء حطام الدنيا كقائد معسكر الكوفة الذي كان ينتظر كتاباً يوليه على منطقة الري حيث يقول في شعر نسب إليه ليلة خروجه لحرب الحسين عليه السلام "أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مأثوماً بقتل حسينٍ"، وهذا غيض من فيض بخصوص نوايا القوم ممن يحاربون الإمام الحسين عليه السلام.

 

3- مقارعة طغيان السلطة:

فقد أثبت الإمام الحسين عليه السلام بتضحيته العظيمة في يوم عاشوراء العام 61 هجرية أن الحكومة الأموية سلطة فعلية وليست شرعية وأنها سلطة غاشمة طاغية تستحق المقارعة وان توقف عند حدها، وبالعودة إلى ثوابت الشريعة الإسلامية نرى إن الحكم ينبغي إن يقوم على (شرعية السلطة من حيث تسنمها، وشرعية ممارستها) يقول تعالى "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، والآية المتقدمة متعلقة بمصدر السلطة الذي يشترط فيه الشرعية، كما يقول تعالى "يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ"، والآية المتقدمة تتعلق بشرعية ممارسة السلطة وكلاهما لم تكن متوافرة في الحكم الأموي عموماً وحكم يزيد على وجه الخصوص، لذا كانت ثورة الطف مقاومة ومقارعة لطغيان السلطة الفعلية التي قامت على القتل والترهيب وانتهاك الحرمات.

 

4- تصحيح المفاهيم المغلوطة:

حيث انقلب معاوية بن أبي سفيان على السلطة الشرعية بقيادة الإمام الحسن وقامت الحرب بينهما وانتهت الأمور إلى صلح وكان أجلى بنود ذلك الصلح ان تؤول السلطة بعد هلاك معاوية إلى الإمام الحسين إلا أن معاوية انتهك الصلح وبنوده في تحدي لأوامر الشريعة المقدسة إذ يقول تعالى "وَأَوْفُواْ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا"، وليس هذا وحسب بل أخذ البيعة من المسلمين قهراً لولده وهيأ الظروف اللازمة ليتمكن يزيد من مقاليد السلطة، وفي وصيته المروية بطريق المخالف والموال الدليل القاطع على ما تقدم.

 

5- مشروعية الحرب في الإسلام:

إن الإسلام دين الرحمة والسلام ولذا يمثل الأخير القاعدة والحرب حالة الاستثناء إذ يقول تعالى "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، وان اللجوء إلى الحرب في سيرة النبي محمد كانت للدفاع فحسب وليس للهجوم أو العدوان ولذا أنكر على قادة الجند حالات الاعتداء أياً كان السبب وأتحفهم بالوصايا المتتالية المانعة من العدوان على الصغير أو النساء أو المرضى أو قطع الأشجار أو إفساد أبار الماء وما إلى ذلك فعلى سبيل المثال قال صلى الله عليه واله وسلم في بعض وصاياه "‏اخْرُجُوا بِسْمِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ لَا ‏تَغْدِرُوا ‏وَلَا‏ ‏تَغُلُّوا‏ ‏وَلَا‏ ‏تُمَثِّلُوا ‏وَلَا تَقْتُلُوا الْوِلْدَانَ وَلَا أَصْحَابَ ‏الصَّوَامِعِ" بيد إن الجيش الأموي قام بإبادة لمعسكر الإمام الحسين فقتلوا الصبيان والنساء وحرموا الجميع من الماء وأشعلوا النيران ولم يتركوا للجبن وللؤم منقصة إلا وارتكبوها في كربلاء.

 

6- حقوق الإنسان عند الحسين عليه السلام:

كل ما روي لنا عن واقعة الطف يدل على رسوخ القناعة عند الإمام الحسين بأهمية الحقوق والحريات وقدسيتها ووجوب الدفاع عنها ولو كان الأمر يعود عليه بالضرر بالنفس أو المال فعلى سبيل المثال أمر يزيد واليه على المدينة (الوليد) بأخذ البيعة من الإمام عليه السلام فأرسل عليه وطلب منه البيعة فأخبره الإمام إن الوقت ليل وانه لا يبايع سراً وطلب إرجاء الأمر إلى اليوم التالي، وبعد إلحاح الوالي صرح الإمام بقوله "إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد فاسق، فاجر، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، ومعلن بالفسق، والفجور، ومثلي لا يبايع مثله"، وبذا نجد موقف قل نظيره في الدفاع عن حقوق الإنسان السياسية والحق في عدم مبايعة الحاكم الظالم بالقهر والقوة ما يدعونا اليوم إلى الاقتداء به عليه السلام في التعبير عن الإرادة الشعبية في الانتخابات التي يجب إن تصدر عن إرادة حرة وان الحاكم الذي نختار ينبغي إن يتمتع بأسمى معايير النزاهة والكفاءة والاحترام لحقوق الإنسان.