akdak

المقالات

القسم الولائي

التنظيم المجتمعي عند الإمام الحسين(عليه السلام)

18

م.د منيرة محمد جواد

التنظيم هو العلم الذي يدرس المؤسسات والجماعات الكبيرة التي يمكن تحليلها إلى عناصرها الاولية كتحليل المؤسسات الاجتماعية الى الادوار الوظيفية وتحليل الادوار الى الحقوق والواجبات الاجتماعية.
والتنظيم عند الإمام الحسين(عليه السلام) من المسائل المهمة من خلال بناء هيكلية المجتمع وتربيته على الأسس القرآنية والاخلاقية التي تمنع الظلم والتجاوز وتعطي الحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في الساحة الاجتماعية كلها لكي تسري مبادئها بين الناس .
فالغاية إذن هو البناء الاجتماعي السليم والتماسك المتمحور حول المبادىء الحقيقية للاسلام التي ارادها الله وجاهد من اجلها وثباتها رسول الله (صلى الله عليه وآله)وضحى من اجلها الامام الحسين(عليه السلام).
إن هذه المفاهيم تؤدي الى الصورة المثالية التي هيَّأها الحسين (عليه السلام) للإنسانية كمجتمع عام تسير عليه وحينما أقول الصورة المثالية لا اعني بذلك جمهورية افلاطون او المدينة الفاضلة عند الفارابي انما الانسانية بحاجة الى مبادى عامة انسانية عادلة تصون كرامتها وتحفظ شرفها وتبعد المخاطر عنها وهذا هو الدين وهدف الامام الحسين (عليه السلام).
إذن فالانسان هو رأس المال الاساسي عند الامام الحسين (عليه السلام) فاذا ضاع او تلف رأس المال خسرنا كل شيء واذا استثمر في مجالاته الصحيحة زاد ونما وعمت بركته على الجوانب الأخرى .
وهذا يطبق العدل اولآ لأن المربي هو الاساس والمؤثر على طبيعة اخلاق المجتمع فاذا ما شعر المجتمع بأن الحاكم انسان زاهد عابد في العلن وظالم فاسق في السر فأن اثارة السلبية على المجتمع اعمق مما يتصور بحيث يسحق الضعيف تحت اقدام القوي وتسلب ارادته وحقه وحريته فيأكل القوي الضعيف وتصبح الشريعة شريعة غاب وليست شريعة محمد (صلى الله عليه واله) بحيث يتقادم المجتمع ويهرم قبل اوانه وينهار الكيان الاجتماعي والسياسي قبل موعده وتموت الحضارة والعمران في وقت واحد قبل بلوغ سلم الأمن والاستقرار .
ان وجود تنظيم اجتماعي يستلهم اصوله ومبادئه من العقيدة الاسلامية ويقوم بالإسهام في تنظيم الحياة الانسانية كلها امر اساسي، اذ لابد من صيانة الفرد والجماعة والدولة صيانة تنظيمية على النحو الذي شرعه الاسلام في تنظيمه القرآني بحيث تسوده الأخلاق الإسلامية في التصرفات والقرارات والتطبيقات وسائر الاحوال الى درجة كبيرة في ايجاد خضوع للقانون مضمونا وجوهرا لا شكلا ومظهرا وهذا امر يحتاج الى تنظيم عملي يوصل الى الهدف.
وان اي تغيير يحصل في هذه البنى لابد من أن يؤثر على بقية البنى المؤسسية، وعلى المدى البعيد ينتج تغير للمجتمع من درجة غير تامة إلى درجة تامة متطورة اي يجب ان يكون هناك ترابط نسقي, كذلك ماركس أكد ان البناء المادي للمجتمع أي موارده الطبيعية والبشرية ومصادر رزقه ووسائل استثماره هو الذي يحدد أفكار المجتمع وإذا تغير البناء المادي لابد من يترك انعكاسه وأثاره على البناء القومي ومن ثم يتغير المجتمع.
وهنالك من تحدث عن التنظيم مثل ابن خلدون وبين ان التكامل والتضامن الاجتماعي له دور في تنظيم المجتمع فالغرب المتقدم في طبقة الظلام الدامس حيث انتشار الفساد بأنواعه التي ستقضي على أثار التقدم العلمي فهناك من يريد الدنيا وزينتها فيعيش سعيدا في ملذاتها وهو ينظر الى ملايين المعوزين وهم يتضورون جوعا ويقاسون الآلام ويعيشون المأساة بكل معانيها.
لذا نجد من رفض هذه الدنيا وخرج لمواجه الباطل وترك ملذات الدنيا اذ يقول الحسين(عليه السلام) اني لم اخرج أشرا ولا بطرا وظالما ولا مفسدا ولكن خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي رسول الله (صلى الله عليه واله) اريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.
لقد كانت ثورة الحسين (عليه السلام) من أهم الثورات التنظيمية اذ لاحظ الأمام وجود خروقات كثيرة في الجانب الديني والجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وهذه الثورة حملت عطاءآ فكريا ودرسا تنظيمية مشرفة لجميع شعوب العالم لإنقاذها من ويلات الظلم والاستعمار والاستعباد فكان لها دور كبير في تنمية السلوك وتنظيم المجتمع وتهذيب الأخلاق، أن ضرورة أن يكون الحسين (عليه السلام) مشروعا لبعث الحياة في جسد ووعي ألامه لا يمكن أن يتصور وجود كل تلك المفاسد في المجتمعات فالحسين ثورة على المجتمعات التي تعاني الذل والهوان وثورة على كل الطغيان والمستكبرين الذين يحاولون تغيير مسار التقوى والتنظيم الالهي في الأرض لصالح أمزجتهم وأهوائهم ومنافعهم الخاصة ومن اجل تصحيح ما لحق بالبناء المجتمعي وما لحق من تشويه وتحريف على يد الحاكم.
ولقد وضع الأمام الحسين (عليه السلام)أسس تنظيمية تهدف الى منع التفرقة والعنصرية والتمييز بين الناس وكذلك وضع شروط الكفاءة والاستقامة في تولي شؤون الأمة فضلا عن ممارسة حق النقد والبيعة والنصح والتوجيه ومناقشة سياسة الحكم كما قال(عليه السلام): انا أهل بيت النبوة ومعدن العلم ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله.

نشرت في الولاية العدد 113