akdak

المقالات

قسم التأريخ

من رجالات الشيعة: مالك بن نويرة

73

حسين الشاكري

يوم البطاح... أو يوم مالك بن نويرة وقومه من خالد بن الوليد، منذ اليوم الأول الذي جلس أبو بكر على كرسي الخلافة، عيّن خالد بن الوليد قائداً عامّاً لجيوش المسلمين وأعطاه صلاحيات واسعة ما سبقها أحد، فكان يأمر بما يشاء ويحكم فيها بما يريد، ولم يقتصر يومئذٍ على قتل المؤمنين صبراً بل تجاوز ذلك إلى المثلة وجعل رؤوس القتلى أثقبة لقدورهم وسبي المسلمات، وهتك أعراضهن واستباحة ما حرّم الله تعالى من الأموال والفروج، وتعطيل الحدود الشرعية، في أحداث لا نظير لها في الجاهلية ولا في الإسلام.

قال العلّامة الأميني في غديره: وفي تاريخ الخميس: 2/ 233 اشتد في ذلك عمر وقال لأبي بكر: ارحم خالداً، فغنّه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر: والله لا أفعل أن كان خالد تأوّل فأخطأ.

وفي شرح المواقفل فأشار عمر على أبي بكر بقتل خالد قصاصاً فقال أبو بكر: لا أغمد سيفاً شهره الله على الكفار، وقال عمر لخالد: لئن وليت الأمر لا قيدنّك به.

وفي تاريخ ابن عساكر. قال عمر: إني ما عتبت على خالد إلّا في تقدّمه وما كان يصنع بالمال، وكان خالد إذا صار إليه شيء فسّمه في أهل الغنى ولم يرفع إلى أبي بكر حسابه، وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل الأشياء التي لا يراها أبو بكر، وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته وصالح أهل اليمامة ونكح ابنة مجاعة بن مرار، فكره ذلك أبو بكر، وعرض الدية على متمم بن نويرة، وأمر خالداً بطلاق إمرأة مالك، ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.

أقول: كيف يرى أبو بكر أن مالك ابن نويرة مرتداً ثم يأمر باطلاق السبي وارجاع الأموال المنهوبة وتطليق امرأة مالك ـ ويخرج ديّته من بيت مال المسلمين، ولا يقيد خالداً بذلك الجرم الفظيع. انّا لله وإنّا إليه راجعون.

كان جُرم مالك بن نويرة تريّثه في النزول على حكم أبي بكر في أمر الزكاة وغيرها، باحثاً عن تكليفه الشرعي في ذلك، ليقوم على ما شرّع الله عزّ وجلّ ورسوله| وما كان موقفه عن ارتياب ولا عن شقّ عصا المسلمين، ولا ابتغاء فتنة ولا إرادة قتال، وإنّما كان الخلاف محتدماً بين السابقين الأوّلين في أمر الخلافة، فأهل البيت وأوليائهم متمسكين بولاية علي× على أساس بيعة الغدير، وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم وأتباعهم على رأي آخر، والأنصار على رأي حتى غُلب نقيبهم سعد بن عبادة على أمره فاعتزلهم واعتزل أمرهم.

وفي مستهل خلافة أبي بكر أمر خالداً بالزحف على أسد وغطفان وبعد الفراغ  منهم أزمع الزحف والمسير إلى البطاح، يلقى فيها مالك ابن نويرة وقومه، من يربوع، وكان مالك قد أخلى له البطاح، وفرّق قومه، احتياطاً منه على التمسك بالإسلام في تلك الأيام حتى لا يصطدم بالحكم الجديد، فلما عرف الأنصار في جيش خالد عزم خالد على المسير إلى مالك، توقفوا عن المسير معه وقالوا: «ما هذا بعهد الخليفة الينا إنّما عهده ان نحن فرغنا من البراخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا» فأجابهم خالد: انه ان لم يكن عَهَد إليكم بهذا فقد عَهَدَ إليَّ أن أمضي وأنا الأمير وإليَّ تنتهي الأخبار.

وهذا مالك بن نويرة بحيالنا وأنا قاصد له بمن معي. ثم سار ومن معه يقصد البطاح، فلما بلغوها لم يجدوا فيها أحداً. وأرسل خالد سراياه في أثرهم فجاءته بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع فحبسهم، ثم ما كان من أمرهم ممّا سنأتي على طرف منه بكل حسرة وأسف.

وقد روى الطبري بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري، وكان من رؤوساء تلك السرايا أنّه قال: لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح ، «قال أبو قتادة» قلنا لهم انّا المسلمون، قالوا ونحن مسلمون، قلنا: ما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ فقلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. ثم صلينا وصلّوا، قلت: «والحديث لأبي قتادة» وبعد الصلاة خفّوا [قومنا] غلى الإستيلاء على أسلحتهم وشدّ وثاقهم وسوقهم أسرى إلى خالد بن الوليد [بأمر منه] وفيهم زوجة مالك «ليلى بنت المنهال أم تميم» وكانت كما قال العقاد من أشهر نساء العرب جمالاً فتنت خالد، وقد تجادل في الكلام مع مالك وهي إلى جنبه، فكان ممّا قاله خالد إني قاتلك، وقال له مالك: أو بذلك أمرك صاحبك؟ «يعني أبا بكر» قال: والله لأقتلك، وكان عبد الله بن عمر، وأبو قتادة الأنصاري إذ ذاك حاضرين، فكلّما خالداً في أمره، فكره كلامهما فقال مالك: يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، فقد بعثت غليه غيرنا ممّن جرمه أكبر من جرمنا، وألحّ عليه عبد الله بن عمر، وأبو قتادة بأن يبعثهم إلى الخليفة فأبى عليهما ذلك، وقال خالد: لا أقالني الله إن لم اقتله، وتقدّم إلى ضرار بن الازور الأسدي بضرب عنق مالك، فالتفت مالك إلى زوجته، وقال لخالد: هذه التي قتلتني، فقال له خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام، فقال له مالك: إني على الإسلام، [وقد صلّيت الساعة] فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، فضرب 

 

والتي بعدها، والعقّاد في آخر ص267 من «عبقرية عمر» وغيرهما من أهل الأخبار وقد استفاضت بينهم فراجع.

عنقه، وقبض خالد على زوجته فبنى بها تلك الليلة، وفي ذلك يقول زهير السعدي:

أا قل لحي أوطئوا بالسنابك

تطاول هذا الليل من بعد مالك

قضى خالد بغياً عليه لعرسه

وكان له فيها هوىً قبل ذلك

فأمضى هواه خالد غير عاطف

عنان الهوى عنها ولا متمالك

وأصبح ذا أهل وأصبح مالك

على غير شيء هالكاً في الهوالك

فمن لليتامى والأرامل بعده؟

ومن للرجال المعدمين الصعالك؟

أصيبت تميم غثّها وسمينها

بفارسها المرجو وسحب الحوالك

وكان خالد قد أمر بحبس تلك السراة الأسرى من قوم مالك، فحبسوا والبرد شديد، فنادى مناديتهم في ليلة مظلمة أن ادفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة، كناية عن القتل فقتلوهم بأجمعهم، وهذه اشارة متفق عليها بين خالد وجلاديه أن يقتلوهم عند سماعهم هذا النداء. ولكنها لم تخف على أبي قتادة وأمثاله، فثار على خالد ورجع إلى المدينة، يخبر أبا بكر وعمر باقتراف خالد تلك الجريمة البشعة

قال هيكل في كتابه «الصديق أبو بكر»: ان أبا قتادة الأنصاري غضب لفعلة خالد إذ قتل مالكاً وتزوّج امرأته، فترك منصرفاً إلى المدينة، مقسماً أن لا يكون أبداً في جيش ولواء عليه خالد، وأن متمم بن نويرة أخا مالك ذهب معه، فلما بلغا المدينة ذهب أبو قتادة ولا يزال الغضب آخذاً منه مأخذه، فلقى أبا بكر فقصَّ عليه أمر خالد قال: لكن أبا بكر كان معجباً بخالد وانتصاراته! ولم يعجبه كلام أبو قتادة وغضبه، بل أنكر منه ذلك.

فقد كانت ثورة أبي قتادة على خالد عنيفة كل العنف لذلك ذهب إلى عمر بن الخطّاب فقصّ عليه القصّة، وصوّر له خالداً في صورة الرجل الذي يغلب هواه على واجبه، ويستهين بأمر الله ارضاءً لنفسه. قال أبو قتادة: وأقرّه عمر على رأيه وشاركه في الطعن على خالد والنيل منه، وذهب عمر إلى أبي بكر وقد أثارته فعلة خالد أيما ثورة، وطلب إليه أن يعزله، وقال ان سيف خالد رهقاً. وحق عليه أن يقيّده، ولم يكن أبو بكر يقيّد من عماله. لذلك حين ألحَّ عمر عليه غير مرّة؛ قال أبو بكر: هبه يا عمر، تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد ـ لا يزال الكلام لهيكل ـ ولم يكتف عمر بهذا الجواب، ولم يكفّ عمر عن المطالبة بتنفيذ رأيه، فلما ضاق أبو بكر ذرعاً بالحاح عمر قال: لا يا عمر ما كنت لأشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين. قال هيكل: لكن كان يرى صنيع خالداً نكراً فلم تطب نفسه ولم يسترح ضميره، «كيف إذن يسكت وكيف يذر خالداً في طمأنينته يشعر كأنّه لم يأثم ولم يجن ِ ذنباً» قال أبو قتادة: لابد أن يعيد القول على أبي بكر، وأن يذكر له صراحة ان عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ونزا على امرأته فليس من الانصاف في شيء أن لا يؤاخذ بصنيعه، قال: ولم يسع أبا بكر أزاء ثورة عمر إلّا يستقدم خالداً ليسأله ما صنع، قال: وأقبل خالد من الميدان إلى المدينة، ودخل المسجد في عدّة  الحرب مرتدياً قباءً له، صدأ الحديد، وقد غرز في عمامته أسهماً، وقام غليه عمر إذ رآه يخطو في المسجد، فنزع الأسهم من رأسه وحطّمها وهو يقول: قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على إمرأته، والله لأرجمنّك بالأحجار، قال: وأمسك خالد فلم يعتذر، ودخل على أبي بكر فقصّ عليه قصّة مالك وتردّد، وجعل يلتمس المعاذير، فعذره أبو بكر وتجاوز عمّا كان منه في الحرب، لكنه عنّفه على الزواج من إمرأة لم يجف دم زوجها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وترى الاتصال بهنّ عاراً وأي عار في الجاهلية.

قال العّلامة السيد شرف الدين في النص والإجتهاد: الإسلام يحرم نكاح المتوفى عنها زوجها حتى تعتدّ فإن نكحت وبنى بها النكاح وهي في العدّة حرمت عليه مؤبداً، ولو فرضنا أنّ خالداً اعتبرها سبية، فالسبية لا يحل وطوؤها إلّا بعد الاستبراء الشرعي، ولا استبراء هنا وإنّما قتل زوجها ووطئها في تلك الحال.

قال هيكل: على أن عمراً لم يتزحزح عن رأيه فيما صنع خالد من مقتل مالك بن نويرة، وزواجه إمرأته وأن هذا الرأي له أثره فلما توفي أبو بكر وبويع عمر خليفة له، كان أوّل ما صنع أن أرسل إلى الشام ينعي أبا بكر، وبعث مع البريد الذي حمل النعي رسالة يعزل بها خالداً عن أمارة الجيش، «انتهى كلام هيكل».

وأن من أعجب الأمور وأغربها، أن تذهب في عهد أبي بكر، تلك الدماء، وهاتيك الأعراض، والأموال هدراً، وإن تستباح تلك الحرمات، وتعطّل حدودها الشرعية، حتى لم يعزل خالداً عن تلك الأمارة، ولم ينقص شيء من صلاحياتها الواسعة، واستمر ماضياً فيها غلوائها حتى توفى فعزله عمر بن الخطاب بمجرّد تبوئه الحكم.

وإن رأى أبو بكر في الجناة يوم البطاح، لمن أوائل الآراء المخالفة لنصوص الكتاب والسنة، وقدّم رأيه في المصلحة على التعبّد بها.

هذا ملخّص ما ذكره أصحاب السير والتاريخ مع بعض التبريرات من كتب أهل السنّة، كما ذكر ذلك علماء الشيعة ومؤرخيهم، من المصادر التالية:

المصادر:

1 ـ الاستيعاب لابن عبد ربه القرطبي 3/51.

2 ـ الاعلام للزركلي 4: 357.

3 ـ أسد الغابة لابن الأثير: 52.

4 ـ تاريخ ابن عساكر 5: 112.

5 ـ تاريخ الطبري ـ أحداث سنة 12 هـ 3: 591.

6 ـ النص والإجتهاد للسيد شرف الدين: 136.

7 ـ الغدير للعلامة الأميني 7: 158 فما بعده.

8 ـ الاصابة للعسقلاني 5: 755.

9 ـ الصديق أبو بكر محمد حسين هيكل : 147 فما بعده.

10 ـ عبقرية خالد للعقاد.

11 ـ خزانة الأدب للبغدادي 1: 236.

12 ـ بحار الأنوار 30: 471.