akdak

المقالات

قسم الفكر الاسلامي

ويسألونك عن الأسماء الحسنى

23

السید عادل العلوي

الحمد لله كما هو أهله ومستحقّه، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وجمال أسمائه، وكمال صفاته. والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد وآله.

اعلم أنّ من خصائص القرآن الكريم أنّه يسوقک إلى معرفة الوجود وحقيقته ومعرفة مراتبه، حتّى تصل إلى مقام الشهود والحضور والكشف، في معرفة الكون وما فيه، وما وراءه من الأسرار والحقائق المجرّدة حتّى تنتهي إلى معرفة ربّ العالمين وتربط الحادث بالقديم والكون بربّه.

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْکَ الكِتَابَ تِـبْيَانآ لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).

وبعد رفع الستار عن الروح الإنسانيّة يقف الإنسان على حكمة الآيات وأسرار الكائنات. إلّا أنّه ما دامت النفس الإنسانيّة تحجبها الظلمات من اتّباع الأهواء والشهوات، فإنّه يُحرم الإنسان من معرفة أسرار الوجود وحقيقته من

 

الوحدة والكثرة.

فلو طهُر الإنسان من شوائب النقص ووصل إلى قمّة الكمال وشموخ المعرفة، بمعرفة نفسه ثمّ بمعرفة ربّه (من عرف نفسه فقد عرف ربّه ) من خلال الثقلين كتاب الله والرسول الأعظم وعترته الأطهار  :، فإنّه لا مال سيكون مظهرآ لأسماء الله، ومرآة حقّ لصفاته الجماليّة والجلاليّة، وسيعرف أنّ ما في الكون من مراتب الوجود وحقائقه إنّما هي تجلّيات وظهورات لأسماء الله وصفاته، وما الأسماء إلّا دلالة على مسمّيات متكثّرة تنتهي في مراتبها إلى الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى.

والقرآن الكريم كلام الله الهادي، إنّما تُفسّر آياته الكريمة بما عند المفسّرين من خلفيّات علميّة، فما ينطقون به إنّما هو وميض من قبسات القرآن الكريم، وإنّ فوق كلّ ذي علمٍ عليم، ولا يُفسَّر القرآن بكماله وتمامه إلّا الإنسان الكامل جامع الجمع، وهو الرسول الأعظم محمّد  9 ومن نزل القرآن في بيوتهم التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، آل محمّد الأئمّة الأطهار  :.

(وَأنزَلْنَا إلَيْکَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ) .

فإنّهم حقيقة القرآن الناطق، وكلام الله الصادق.

فالإنسان الكامل جامع جميع صفات الجمال والجلال، مظهر اسم الله الأعظم، إنّما هو العلّة الغائيّة لجميع المخلوقات المجرّدة وغيرها، وهو الحقيقة المحمّديّة «لولاک لما خلقت الأفلاک » تسري تجلّياتها في الكائنات لتمثّل توحيد الله، وتظهر أسماءه وصفاته، ويكون الإنسان الكامل وليّ الله الأعظم يتصرّف بإذن ربّه في الكائنات تقديرآ وتدبيرآ، تشريعآ وتكوينآ، وما المخلوقات والمصنوعات إلّا أسماء بارزة وآيات ناطقة عن مطلق الكمال والكمال المطلق، ولإمكانها الذاتي افتقرت في حدوثها وبقائها وكمالاتها إلى واجب الوجود بذاته، المستجمع لجميع صفات الجمال والجلال، وهو الله الأحد الصم الذي لم يكن له كفوٌ أحد.

والذات الإلهيّة غيب الغيب لا يعلم ما هو إلّا هو، بلا اسم ولا رسم تخلّى من كلّ قيد حتّى قيد الإطلاق وإطلاق القيد، إلّا أنّ الأسماء التي دلّت على تلک الذات الاُلوهيّة والربوبيّة، كانت أحسن الأسماء، فللّه الأسماء الحسنى.

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) .

زبدة الكلام: إنّ الأسماء الحسنى الإلهيّة متأخّرة عن ذات الله، والأعيان الثابتة في علم الله أسماء الله، والأعيان الخارجيّة مع تعيّنها الخاصّ أسماء الأسماء، والألفاظ الدالّة على ذلک أسماء أسماء الأسماء.

ثمّ، كلّ اسم له ظهور خاصّ وتعيّن خاصّ بالنسبة إلى الذات المقدّسة، فما الأسماء إلّا تجلّيات الذات سبحانه وتعالى.

وما المخلوقات إلّا تجلّيات الأسماء، وما التجلّيات إلّا ظهورات لمطلق الكمال والكمال المطلق الجامع بين صفات الجلال والجمال «ذو الجلال والإكرام » فكلّ اسمٍ من ورائه أثر خاصّ، فالشافي للشفاء والمنتقم للانتقام، والعليم للعلم، والرزّاق للرزق، وهكذا في الأسماء الاُخرى، ويبقى اسم الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم الدالّ على الذات الإلهيّة، ترجع إليه كلّ الأسماء والصفات.

قال العلّامة الطباطبائي  1 في تفسيره القيّم (الميزان ) :

ومن هنا يظهر أنّ ما بين نفس الأسماء سعةً وضيقآ وعمومآ وخصوصآ على الترتيب الذي بين آثارها الموجودة في عالمنا، فمنها خاصّة، ومنها عامّة، وخصوصها وعمومها بخصوص حقائقها الكاشفة عنها آثارها وعمومها، وتكشف عن كيفيّة النسب التي بين حقائقها النسب التي بين مفاهيمها، فالعلم اسم خاصّ بالنسبة إلى الحيّ، وعامّ بالنسبة إلى السميع البصير الشهيد اللطيف الخبير، والرزّاق خاصّ بالنسبة إلى الرحمان، وعامّ بالنسبة إلى الشافي الناصر الهادي، وعلى هذا القياس.

فللأسماء الحسنى عرض عريض تنتهي من تحت إلى اسم أو أسماء خاصّة لا يدخل تحتها اسم آخر، ثمّ تأخذ في السعة والعموم، ففوق كلّ اسم ما هو أوسع منه وأعمّ حتّى تنتهي إلى اسم الله الأكبر، الذي يسع وحده جميع حقائق الأسماء، وتدخل تحته شتات الحقائق برمّتها، وهو الذي نسمّيه غالبآ بالاسم الأعظم.

ومن المعلوم أنّه كلّما كان الاسم أعمّ كانت آثاره في العالم أوسع، والبركات النازلة منه أكبر وأتمّ، لما أنّ الآثار للأسماء ـكما عرفت ـ فما في الاسم من حال العموم والخصوص يحاذيه بعينه أثره، فالاسم الأعظم ينتهي إليه كلّ أثر، ويخضع له كلّ أمر .

ثمّ يتعرّض لبيان الاسم الأعظم، فراجع.

الاسم لغةً واصطلاحآ :

الاسم لغة: من (وسم ) بمعنى العلامة، أو (سمو) بمعنى العلوّ، وأيّ كان فإنّه في المصطلح يطلق ويراد به أحد المعنَيَين :

1 ـ اللفظ الدالّ على الذات فقط أو الدالّ على الذات مع حكاية وصف من أوصافه كالعالم، ومن الأوّل الأعلام المرتجلة كزيد.

2 ـ ما يخرج من نفس الذات والوجود العيني، ويكون اللفظ الدالّ عليه يسمّى باسم الاسم. والمعنى الأوّل من مقولة اللفظ، والثاني من مقولة الوجود العيني، ثمّ الاسم غير المسمّى.

ورد في الحديث الصادقي  7 أنّه من عبد الاسم دون المسمّى فقد كفر، ومن عبدهما فقد أشرک، والعابد والموحّد حقيقةً مَن عبد المسمّى دون الاسم، فهذا يدلّ على المعنى الأوّل، وما يدلّ على المعنى الثاني ما ورد في الأدعية والروايات كقوله  7 : «أسألک بالاسم الذي خلقت به العرش، وبالاسم الذي خلقت به الكرسي، وبالاسم الذي خلقت به الأرواح » .

وفي الحديث الرضوي الشريف حينما سئل عن معنى الاسم فقال : «صفة للموصوف » فإنّه يدلّ على المعنى الثاني ظاهرآ، وإن كان لا يبعد منه المعنى الأوّل أيضآ.

وأشار العلّامة الطباطبائي في تفسيره القيّم (الميزان ) إلى المعنيين فقال :

الاسم بحسب اللغة ما يدلّ به على شيء سواء أفاد مع ذلک معنىً وصفيّآ كاللفظ الذي يشار به إلى الشيء لدلالته على معنى موجود فيه، أو لم يفد إلّا الإشارة إلى الذات كزيد وعمرو خاصّة المرتجل من الأعلام .

ثمّ قال :وقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ )  مشعرٌ بأنّ هذه الأسماء أو أنّ مسمّياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء محجوبين تحت حجاب الغيب، وأنّ العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلّا كانت الملائكة بإنباء آدم إيّاهم بها عالمين بها، وصائرين مثل آدم مساوين معه، ولم يكن في ذلک إكرام لآدم ولا كرامة، حيث علّمه الله سبحانه أسماء ولم يعلّمهم. فقد ظهر ممّا مرّ أنّ العلم

بأسماء هؤلاء المسمّيات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم دون مجرّد ما يتكفّله الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم، فهؤلاء المسمّيات المعلومة حقائق خارجيّة، ووجودات عينيّة، وهي مع ذلک مستورة تحت ستر الغيب غيب السماوات والأرض والعلم بها على ما هي عليها كان أوّلا ميسورآ ممكنآ لموجود أرضيّ لا ملک سماوي، وثانيآ دخيلا في الخلافة الإلهيّة .

وقال أيضآ :

ومعنى تعليمه نبيّآ من أنبيائه أو عبدآ من عباده إسمآ من أسمائه أو شيئآ من الاسم الأعظم، هو أن يفتح له طريق الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلک في دعائه ومسألته، فإن كان هناک اسم لفظي وله معنى مفهوم، فإنّما ذلک لأجل أنّ الألفاظ ومعانيها وسائل وأسباب تحفظ بها الحقائق نوعآ من الحفظ، فافهم ذلک .

وجه تسمية الأسماء بالحسنى :

لِمَ توصف أسماء الله بالحُسنى ؟ فبأيّ اعتبار اسم الله أحسن الأسماء؟ وما معنى ذلک ؟لقد وردت كلمة (الأسماء الحسنى ) في القرآن الكريم في أربعة مواضع، في قوله تعالى :

1 ـ (وَللهِ الأسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .

2 ـ (قُلِ آدْعُوا اللهَ أوِ آدْعُوا الرَّحْمَنَِ أيّآ مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى).

3 ـ (اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى ) .

4 ـ (هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) .

والمقصود من الأسماء الحسنى لله سبحانه أنّه الاسم الذي يحكي عن الذات والصفة الدالّ عليه الاسم.

وهذا الإطلاق في المحاورات العرفيّة على نحوين: فتارةً يطلق ويراد منه كمال الصفة إلّا أنّه مشوب من جهة اُخرى بالنقص، واُخرى يطلق ويراد منه الكمال من دون أيّ نقصٍ آخر، فمن الأوّل (العفيف ) و(الشجاع ) فإنّهما وإن كانا صفات كمال، إلّا أنّه وراءهما الجسم والنقص والحدوث، فمثل هذه الأسماء لا تطلق على الله، ومن الثاني كإطلاق (الجواد) و(الرحيم ) الدالّان على الكمال من دون شوب النقص، فمثل هذه الأسماء تسمّى بالحُسنى، فإنّ الاسم (عفيف ) حسن يدلّ على عفّة الرجل وذلک من كماله، إلّا أنّ الاسم الأحسن (العدل ) الذي يطلق حقيقة من دون نقص على الله سبحانه دون غيره، وإن اُطلق على غيره فهو من التجوّز.

فالاسم الأحسن ما يدلّ على الكمال من دون النقص، ومثل هذه الأسماء لا تطلق إلّا على الله سبحانه (فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى ) على نحو القصر والحصر، ولما لا يعلم حقيقة الأسماء إلّا هو، وكانت الأسماء الإلهيّة (توقيفيّة) أي متوقّفة على إذن من الشارع المقدّس، كما أفتى به الفقهاء وهو المختار الموافق للاحتياط.

فالأسماء الحسنى الإلهيّة ما دلّت على الذات الكاملة، أو تنفي النقص عن ساحته المقدّسة، تنقسم إلى أسماء الجمال وأسماء الجلال. فإنّه جميل ويحبّ الجمال، ويجلّ ذاته عن النقائص والقبائح. ومن أطلق الاسم عليه بغير هذين المعنيين فإنّه قد ألحد في أسمائه، واللحد وإلحاد بمعنى واحد، وهو الميل من الحدّ الوسط إلى طرفي الإفراط والتفريط، واللحد حفرة مائلة عن الوسط، فالملحد في أسماء الله، أو نسبة النفع والضرر إلى الآلهة كقول عبّاد الأصنام، أو ينسب لله ما يُنسب إلى خلقه كالجسميّة، فإنّه إلحاد في وصفه وأسمائه، كما ينسبون إليه الجهل أو الظلم أو الاحتياج، أو رؤيته بالعين الباصرة في الدنيا أو الآخرة... فمن يدعو الله بأسمائه الحسنى وأنّه ذو الجلال والإكرام، فإنّه كان من الموحّدين المهتدين، أمّا من دعاه بغيرها، فإنّه كان من الملحدين الضالّين.

فسبحانه يتنزّه في ذاته عن أيّ تعيين وتعيّن. فكمال الإخلاص له، نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فإنّه في مقام الذات وجود محض ومحض الوجود، لا يتّصف بصفة أي لا تغاير في صفاته، وإنّ أسماءه وصفاته تظهر في مقام الصفات والأفعال، فهي من تجلّيات مقام الذات، وما يظهر في عالمي الأمر والخلق من شؤونات إنّما هي ظهورات للأسماء والصفات، (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأنٍ )

فالأسماء والصفات وسائط بين الذات والكائنات. فبقهّاريّته قهر العباد، وبعدم حدوده حدّ الخلائق، وبعزّته ذلّ له كلّ شيء، وبرفعته تواضع له ما في السماوات والأرض.

فللّه الأسماء الحسنى فادعوه بها.

لقد اختلف الأعلام في معنى الدعاء بأسماء الله، فقيل بمعنى التسمية أي سمّوه بهذه الأسماء الواردة في لسان الشرع المقدّس، وقيل بمعنى النداء أي نادوه بأسمائه الحسنى، وقيل: بمعنى العبادة أي أنّ أحسن الأسماء لله ألا فاعبدوا الله بهذه الأسماء الحسنى، ومال إليه العلّامة الطباطبائي مستدلّاً بآيات من الكتاب العزيز، فقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ آدْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )  فذكره الدعاء أوّلا ثمّ تبديله بالعبادة إيماء على اتّحادهما، ويؤيّده قوله تعالى : (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )  فلو كان المراد من الدعاء التسمية أو النداء دون العبادة لكان الأنسب أن يقال: بما كانوا يصفون. فمعنى الآية ـوالله العالم ـ ولله جميع الأسماء التي هي أحسن فاعبدوه وتوجّهوا إليه بها، والتسمية والنداء من لواحق العبادة . ومن كان له الأسماء  الحسنى فهو أحقّ بالعبادة من غيره، فلا إله ومعبود بحقّ وعلى الإطلاق إلّا الله سبحانه وتعالى.

ثمّ ما يتّصف بالحسن والقبح ما كان اسمآ وصفآ كاسم الفاعل أو اسم المفعول أو الصفة المشبّهة، لا ما كان علمآ، فأسماء الله باعتبار الوصفيّة أحسن الأسماء، كما أنّ أسماء الأئمّة الأطهار بالنسبة إلى غيرهم دون الله من أحلى الأسماء «أسماءكم في الأسماء... فما أحلى أسمائكم » ،  ويطلق في القرآن الكريم التسمية على التوصيف كقوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ )  أي صفوهم، فادعوا الله بأسماء الحسن وذروا الذين يلحدون في أسمائه، فيطلقون ما له على غيره، أو ما لغيره عليه عزّ وجلّ، فهذا انحراف وميل وإلحاد من الحقّ إلى الباطل، ومن الهداية إلى الضلال.

فالأسماء منها ما هي قبيحة في الوصف كالظالم والجاهل، ومنها ما هي حسنة كالعالم والعادل، والأحسن منها ما لم يكن فيها شائبة النقص والإمكان كالحيّ والقدير، فمثل هذه الأسماء يوصف الله بها.

وإنّما يقف على مثل هذه الحقائق الملكوتيّة، من قرب من ربّه قاب قوسين أو أدنى، فإنّه يرى ملكوت الأشياء وبواطنها، فإنّ الملكوت هو الوجه الباطن من الأشياء الذي يلي جهة الربّ سبحانه وتعالى :(إنَّمَا أمْرُهُ إذَا أرَادَ شَيْئآ أنْ يَـقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) .

(أوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) .

فهذا النظر والتدبّر والاستدلال مفتوح لكلّ واحد من الناس، إلّا أنّ كثيرآ منهم حقّ عليهم القول بما كانوا يكسبون من الذنوب والآثام،

فحجبت عن أبصارهم وسمعهم، وجذبتهم الظواهر وغرّتهم الحياة الدنيا، فعاشوا الاضطراب والشکّ وكفران النعم فاستدرجهم الله ليهلكهم ويعذّبهم عذابآ أليمآ.

فمثل إبراهيم الخليل يرى الملكوت وحقائق الاُمور :(وَكَذَلِکَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ) .

ومثل هذا النظر يستلزم اليقين والاطمئنان :(ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ).

فللّه الأسماء الحسنى إنّه منزّه عن كلّ حاجة ونقيصة، يرجع إليه كلّ شيء في رفع حاجته ونقيصته :(أنْتُمُ الفُقَرَاءُ إلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ)  الصمد والسيّد المقصود في كلّ حاجة، ذو القوّة المتين، له الملک والملكوت، فله الظاهر والباطن من كلّ شيء على نحو الإطلاق.

(فهو حيّ قادر عليم سميع بصير، لأنّ في نفيها إثبات النقص ولا سبيل للنقص إليه، ورازق ورحيم وعزيز ومحيي ومميت ومبدئ ومعيد وباعث إلى غير ذلک، لأنّ الرزق والرحمة والعزّة والإحياء والإماتة والإيذاء والبعث له، وهو السبّوح القدّوس العليّ الكبير المتعال إلى غير ذلک، نعني بها نفي كلّ نعت عدمي وكلّ صفة نقص عنه.

فهذا طريقنا إلى إثبات الأسماء 

والصفات له تعالى على بساطته، وقد صدّقنا كتاب الله في ذلک، حيث أثبت المِلک ـبكسر الميم ـ والمُلک ـبضمّ الميم ـ له على الإطلاق في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها) .

الفرق بين الصفة والاسم :

لا فرق بين الصفة والاسم في حكايتهما عن الذات، إلّا أنّ الصفة تدلّ على معنى من المعاني يتلبّس به الذات أعمّ من العينيّة والغيريّة، والاسم هو الدالّ على الذات مأخوذة بوصف من الأوصاف، فالحياة والعلم صفتان، والحيّ والعالم اسمان، وإذ كان اللفظ لا شأن له إلّا الدلالة على المعنى وانكشافه به، فحقيقة الصفة والاسم هو الذي يكشف عنه لفظ الصفة والاسم، فحقيقة الحياة المدلول عليها بلفظ الحياة هي الصفة الإلهيّة وهي عين الذات، وحقيقة الذات بحياتها التي هي عينها هو الاسم الإلهي، وبهذه النظرة يعود الحيّ والحياة اسمين للاسم والصفة، وإن كانا بالنظر المتقدّم نفس الاسم ونفس الصفة.

وقيل في صفات الله الإيجابيّة كإثبات العلم أنّها ترجع إلى النفي، أي نفي الجهل عنه، رعايةً لتنزيهه عن صفات خلقه، فالله الحيّ العالم القادر معناه نفي الجهل والعجز والموت عنه التي هي من صفات خلقه، إلّا أنّه يردّ عليه أنّه يلزمه نفي جميع صفات الكمال والجلال عن الله سبحانه وتعالى، كما أنّه يتنافى مع ظواهر الآيات الكريمة، ويدفعه أيضآ السلوک الفطري من مشاهدته إلى ما في الكون من صفات الكمال، فمالكه أولى به من غيره. ونظير هذا القول المردود ما قيل من زيادة صفات الله على ذاته، أو نفي الصفات وإثبات آثارها وغير ذلک  ممّا هو ثابت البطلان في محلّه من (علم الكلام ).

ثمّ تنقسم الصفات الإلهيّة إلى أقسام، فمنها ما يفيد معنىً ثبوتيّآ كالعلم والحياة، وهي المشتملة على معنى الكمال، ومنها ما يفيد معنى السلب وهي التي للتنزيه كالسبّوح والقدّوس، وبذلک يتمّ انقسام الصفات إلى قسمين: ثبوتيّة وسلبيّة.

ثمّ من الصفات ما هي عين الذات ليست بزائدة عليها كالحياة والقدرة والعلم بالذات، وهي المسمّاة بالصفات الثبوتيّة الذاتيّة، ومنها ما يحتاج في تحقّقه إلى فرض تحقّق الذات قبلا كالخلق والرزق وهي الصفات الفعليّة، وهي زائدة على الذات منتزعة عن مقام الفعل.

وتنقسم إلى النفسيّة والإضافيّة، فما لا إضافة في معناها إلى الخارج عن مقام الذات كالحياة تكون نفسيّة، وما له إضافة إلى الخارج سواء كان معنىً نفسيّآ ذا إضافة كالصنع والخلق فهي النفسيّة ذات الإضافة، أو معنىً إضافيّآ محضآ كالخالقيّة والرازقيّة فهي الإضافة المحضة.

وأمّا الأسماء الحسنى فتنقسم باعتبار الذات والصفات والأفعال إلى ثلاثة أقسام :

1 ـ الأسماء الذاتيّة: فيما ظنّ ظهور الحقّ ينشأ من ذاته كاسم الجلالة (الله) و(ذو الجلال ) و(القدّوس ) و(الصمد) فمثل هذه الأسماء التي تطلق على الذات الإلهيّة من دون إضافتها إلى الخلق والممكنات تتحقّق في الأعيان الثابتة فيحيط الله بخلقه قبل وجوده إحاطة علميّة، فيقوم الاسم بالذات في أعلى مراتب وجود واجب الوجود، تخبر عن الذات الإلهيّة الجامعة لجميع صفات الجمال والجلال.

2 ـ الأسماء الصفاتيّة: تلک الأسماء التي تعرّف الذات الإلهيّة في كمال من كمالاته، فتصف الذات بنحو من الأنحاء كاسم (الرحمن ) (الرحيم ) (الكريم ) (القاهر) فإنّها تشير إلى وصف من الأوصاف بلا نهاية.

3 ـ الأسماء الفعليّة: فإنّها تظهر بحسب التجلّي الفعلي للحقّ سبحانه ويكون الظهور الفعلي بيان للإرادة والمشيّة الإلهيّة كاسم (الرزّاق ) (التوّاب) (الهادي ).

وفي سورة الحشر إشارة إلى الأقسام الثلاثة في قوله تعالى :(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ المَلِکُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَـيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُـتَكَـبِّـرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) .

وتجتمع أسماء الأفعال في صفة (القيّوم )، كما أنّ أكثر الأسماء مطلقآ من المشتقّات وتحمل المعاني الوصفيّة حتّى كلمة الجلالة (الله) فإنّه مشتقّ من (وله ) بمعنى الحيران فيكون العقل حيران في معرفة ربّه وفي حبّه، أو مشتقّ من (أله ) بمعنى المعبود فإنّ الله هو مستحقّ العبادة حقّآ.

وقيل: وتنقسم بنوع من القسمة أيضآ إلى أسماء الذات وأسماء الصفات وأسماء الأفعال، وإن كان كلّها أسماء الذات لكن باعتبار ظهور الذات فيها تسمّى أسماء الذات، وبظهور الصفات فيها تسمّى أسماء الصفات، وبظهور الأفعال فيها تسمّى أسماء الأفعال، وأكثرها يجمع الاعتبارين أو الثلاث إذ فيها ما يدلّ على الذات باعتبار، وما يدلّ على الصفات باعتبار آخَر، وما يدلّ على الأفعال باعتبار ثالث، كالربّ، فإنّه بمعنى الثابت للذات، وبمعنى المالک للصفة، وبمعنى المصلح للفعل.

ثمّ ربما هناک تقسيمات اُخرى باعتبارات مختلفة، فإنّها تنقسم إلى الظاهر والباطن والأوّل والآخر والجامع لهذه الأسماء الأربعة (الاُلوهيّة ) فكلّ موجود إنّما ظهر باسم (الظاهر) ولكلّ ظاهر باطن. فبواطن الموجودات معلول اسم (الباطن ) وما يتعلّق بالإيجاد والإبداء يدخل في اسم (الأوّل ) وما يتعلّق بالإعادة (الجزاء) يدخل في اسم (الآخر).

والإنسان الكامل هو مظهر كلّ الأسماء والصفات كما هو مظهر الأسماء الأربعة التي هي اُمّهات الأسماء.

ما هو الاسم الأعظم :

قيل: الاسم الأعظم هو اسم جمع فيه فوائد جميع الأسماء وآثارها وهو (الله) ويسمّى باسم الجامع.

وقيل: الاسم الأعظم هو الإنسان الكامل لأنّه جامع لجميع الأسماء ويؤيّده قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا)  أي ركّب فيه هذه الأسماء الذاتيّة، وتسمّى بمفاتيح الغيب وأئمّة الأسماء والأسماء الأوّليّة، وهي ما لا يتوقّف وجوده على الغير.

وقيل: الإنسان الكامل نفسه هو الاسم الأعظم الذي به يصلح مفاسد الاُمور، وهو أعلى وأجلّ قدرآ عند الله من الاسم التدويني واللفظي كما لا يخفى لطفه.

وقد اختلف الأعلام في معنى الاسم الأعظم اختلافآ كثيرآ يزيد على ستّين قولا، إلّا أنّ المشهور أنّه لفظ الجلالة (الله) سبحانه وتعالى.

وقيل: في المصحف الشريف ولا يتعيّن.

وقيل: في آية الكرسي.

وقيل: في آل عمران في قوله تعالى: (وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَـيُّومِ ) .

وقيل: في طه، وهو مرويّ عن النبيّ  9.

وروي عن الإمام الصادق  7 : «إنّه ربّنا».

وعن أمير المؤمنين  7: إنّه من أوّل الحديد إلى قوله تعالى: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) .

وقيل: في البسملة، وإنّه أقرب من بياض العين إلى سوادها.

وقيل: في الفاتحة، وهما المرويّان عن الصادق  7.

وقيل: إنّه في الحروف التهجّي المقطّعة في أوائل السور، ولو جمعت واُسقطت منها المتكرّرات لصارت (صراط على حقّ نمسكه ).

وقيل: المتكبّر، لأنّه حوى عدد اُصول جميع الحروف النورانيّة.

وقيل: في الحواميم.

وقيل: إنّه (يا حيّ يا قيّوم ) وبالعبرانيّة: (رآهيآ شراهيآ) وبه جاء عرش بلقيس من سبأ.

وعن النبيّ  9 في آخر سورة الحشر.

وفي روايةٍ اُخرى في آخر سورة الملک.

وقيل: إنّه (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ) .

وقيل: (لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَکَ )  إلى آخر الآية الشريفة.

وغير ذلک من الأقوال، كما يذكر بعضها الكفعمي في مصباحه.

وفي كتاب مفتاح السعادة، الصفحة :512 إنّ الاسم الأعظم واحد وسبعون حرفآ، وعلمه عند أولياء الله يوجد في البسملة، وفي آخر آيات سورة الحشر، إلّا أنّه مع توفّر الشروط العامّة والخاصّة، كما هو معلوم عند أهله.

وقيل: الاسم الأعظم في كلمة (لا إله إلّا الله الملک الحقّ المبين ) وإنّما

يتمّ تأثيره عند الانقطاع عمّا سوى الله سبحانه، ثمّ الفناء فيه، والبقاء به، ولا يلقّاها إلّا ذو حظٍّ عظيم.

وقيل: من يطلب بعض فوائد الاسم الأعظم فعليه في وقت السحر مع خضوع وخشوع وإخلاص في النيّة والعمل ومع حضور القلب وخلوّه من حبّ الدنيا، وخلاصه من القيود الجسمانيّة أن يقرأ أربعة عشر مرّة من قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي أصْحَابُ النَّارِ وَأصْحَابُ الجَنَّةِ )إلى آخر سورة الحشر. فإنّه ينال المطلوب إن شاء الله تعالى.

وقيل: كلّ اسم إذا نسب إلى الله فهو الاسم الأعظم وأمّا إذا نُسبت بعض الأسماء إلى بعض، فإنّ مفاهيم بعضها أوسع من بعض فتختلف حينئذٍ، والذي يجمع كلّ المفاهيم والمعاني والصفات وصار علمآ للذات المستجمع لجميع صفات الجمال والجلال هو اسم الجلالة (الله) جلّ جلاله. فمن فنت إرادته في إرادة ربّه، فلا يريد إلّا ما أراده الله عزّ وجلّ، فإنّه سيقف على حقيقة الاسم الأعظم الذي إذا دعى به على مغالق أبواب السماء للفتح لانفتحت.

قيل: الأسماء تنقسم أيضآ بنوع من القسمة إلى أربعة هي الاُمّهات : وهي الأوّل والآخر والظاهروالباطن، ويجمعها الاسم الجامع وهو الله والرحمن، قال تعالى: (قُلِ آدْعُوا اللهَ أوِ آدْعُوا الرَّحْمَنَِ أيّآ مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى)  أي فلكلّ منها الأسماء الحسنى الداخل تحت حيطتهما، فكلّ اسم يكون مظهره أزليّآ وأبديّآ، فأزليّته من الاسم الأوّل، وأبديّته من الاسم الآخر، وظهوره من الاسم الظاهر، وبطونه من الاسم الباطن، فالأسماء المتعلّقة بالإبداء والإيجاد داخلة في الأوّل، والمتعلّقة بالإعادة والجزاء داخلة في الآخر، وما يتعلّق بالظهور والبطون داخلة في الظاهر والباطن، والأشياء لا تخلو من هذه الأربعة: الظهور والبطون والأوّليّة والآخريّة.

وقيل: ومن الأسماء ما هي (مفاتيح الغيب ) التي لا يعلمها إلّا هو، ومن تجلّى له الحقّ بالهويّة الذاتيّة.

ومنها: (مفاتيح الشهادة ) أي الخارج، وقد يطلق ويراد بها المحسوس الظاهر فقط. وقد يراد أعمّ من ذلک كما قال: (عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ )  وكلّها داخلة تحت الاسم الآخر والظاهر بوجه آخر، فالأسماء الحسنى هي اُمّهات الأسماء كلّها.

ثمّ التكثّر في الموجودات إنّما هو من تجلّيات الأفعال والصفات للحقّ سبحانه، وأمّا في مقام الذات والأحديّة فلا يتصوّر الكثرة بوجه من الوجوه.

وتنقسم الأسماء باعتبار دخول بعضها في بعض إلى كلّيّة وجزئيّة، فالأوّل كاسم الجلالة فإنّه يجمع الأسماء الاُخرى والاسم الذي يتجلّى من الذات أوسع ممّا يتجلّى من الصفات، والصفات أكبر من الأفعال، وأمّا الجزئيّة فهي التي تحكي عن تعيّن خاصّ لله سبحانه كاسمه (الرازق ) فإنّه يخبر عن رزق الله فقط ولا تخبر عن الرأفة الإلهيّة مثلا، فيكون بالنسبة إلى ما فوقه جزئيّآ.

من التقسيمات أنّها تنقسم إلى جمال وجلال، والأوّل يدلّ على لطف الله ورحمته، ويوجب الاُنس والحبّ، والثاني يدلّ على الغضب الإلهي، ويوجب الهيبة والجلال.

ولا يخفى أنّ في باطن كلّ اسم جلال هو جمال الحقّ، وفي باطن كلّ اسم جمال الله هو جلال الحقّ، وهذا من أسرار الحقّ، ومن السفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ.

جمالک في كلّ الحقائق         وليس له إلّا جلالک ساترُ

ثمّ تقابل أسماء الجلال والجمال في الظاهر دون الباطن، فإنّه في الباطن كلّ جمال جلال، وكلّ جلال جمال. إلّا أنّ الجمال يشير إلى الكمال، والجلال ينزّه الذات عن شوائب النقس والعدم والزوال.

ثمّ أسماء الجلال باعتبارٍ، تنقسم إلى أسماء الجبروت وأسماء العظموت، فإنّ الله عندما يتجلّى في جبروته يظهر في غاية هيبته، فيتحيّر الإنسان في حضرته، وإذا تجلّى بعظموته، فإنّه يظهر في اسميه (الحيّ) و(القيّوم ) ويلزمهما مقام (فناء الفناء) ثمّ (بقاء البقاء).

وقيل: وإن كان الاسم في الأعيان الثابتة والأعيان الخارجيّة، فهو عين المسمّى، وإن كان في المرتبة الظاهرة في عالم الألفاظ والذي يسمّى بـ(اسم الاسم الاسم ) فهو غير المسمّى فإنّه لفظ يدلّ على المعنى والمسمّى.

واختلاف وضع الأسماء أنّها توقيفيّة متوقّفة على إذن من الشارع أو غيرها، إنّما عند المتكلّمين والفقهاء في الأسماء اللفظيّة، وعند العرفاء في الأسماء العينيّة، فقالوا : بين الاسم والمسمّى عند أهل الحقيقة مناسبة جامعة، فمقام الأحديّة والهويّة الغيبيّة واللّاتعيّنية بلا اسم ولا رسم، ولا قيد حتّى من عدم القيد، وتجلّيات الذات إن كان بالنسبة إلى الذات فأسماء الصفات، وإن كان بالنسبة إلى غيره فأسماء الأفعال، وتسمّى بالأسماء التكوينيّة أيضآ، وهي الحقائق العينيّة لمظهورات الهويّة المطلقة الغيبيّة، والأسماء التكوينيّة إنّما هي ظهورات للأعيان الثابتة، فتكون اسم الاسم، كما أنّ الأعيان الثابتة اسم الذات، فكلّ ظهور متوقّف على ظهور آخر فهذا معنى التوقيفي عند العرفاء، والسالک إلى الله إنّما يدعو ربّه بأسمائه، كلٌّ بحسب ظهوره، فإذا أراد شفاء المريض يدعو الله باسم (الشافي ) (المعافي ) (الطبيب ) لا بما يدلّ على قهّاريّة الله وانتقامه، فمظاهر أسماء الجمال واللطفيّة تختلف عن مظاهر أسماء الجلال والقهّاريّة، فتدبّر، فإنّه يختلف الذكر باختلاف حال الذاكر ومقامه.

عدد أسماء الله الحُسنى :

وأمّا تعداد أسماء الله الحسنى فاختلفت الروايات فيه، فمنها ما دلّ على أنّها تسعة وتسعين من دون اسم الجلالة كما ورد في القرآن الكريم، إلّا أنّه ورد في القرآن 132 اسم، وفي بعض الروايات تذكر 360 اسمآ، وفي بعضها ألف اسم، وفي طائفة أربعة آلاف اسم.

وقال العلّامة الطباطبائي في تفسيره: لا دليل في الآيات الكريمة على تعيّن عدد أسماء الحسنى تتعيّن به، بل ظاهر قوله (اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى ) ، وقوله : (وَللهِ الأسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) ، وقوله: (لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ) ، وأمثالها من الآيات أنّ كلّ اسم في الوجود هو أحسن الأسماء في معناها، فهو له تعالى، فلا تحدّ أسماء الحسنى بمحدّد .

ولمّا كانت التجلّيات الإلهيّة في مقام الذات والصفات والأفعال بلا نهاية، كانت الأسماء الحسنى كذلک بلا نهاية، ما دامت تحكي عن كمال من كمالات الله، بلا شائبة نقص.

نعم، لمّا لا علم لنا بكمالات الله ولا إحاطة لنا بمخلوقات الله من الراجح الموافق للاحتياط أن يكتفى بما ورد في القرآن الكريم، وعلى لسان المعصومين  : فإنّهم أهل الدار، وهم أعرف بما في الدار.

وما ورد في القرآن الكريم  132 اسمآ من دون اسم الجلالة (الله) وهي كما يلي :

الألف: الإله، الأحد (1) ، الأوّل، الآخر (62)، الأعلى، الأكرم، الأعلم (48)، أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسن الخالقين (2)، أسرع الحاسبين (1)، أهل التقوى، أهل المغفرة، الأقرب (2) والأبقى (7).

الباء: البارئ، الباطن، البديع (2)، البرّ (1) والبصير (42).

التاء: التوّاب (11).

الجيم: الجبّار (1) والجامع(2).

الحاء: الحكيم (90)، الحليم (11)، الحيّ (5)، الحقّ (337)، الحميد (16)، الحسيب (3)، الحفيظ (3) والحفيّ (1).

الخاء: الخبير (42)، الخالق (9)، الخلّاق (2)، الخير (6)، خير الماكرين (2)، خير الرازقين (5)، خير الفاصلين، خير الحاكمين (3)، خير الفاتحين (1)، خير الغافرين (1)، خير الوارثين (1)، خير الراحمين (2)، خير الناصرين (1)، خير المنزلين (1).

الذال: ذو العرش (2)، ذو الطول (1)، ذو انتقام (4)، ذو الفضل العظيم (6)، ذو الرحمة (2)، ذو القوّة، ذو الجلال والإكرام (2)، ذو المعارج (1).

الراء: الرحمن (56)، الرحيم (228)، الرؤوف (11)، الربّ (97)، ربّ العرش (6)، رفيع الدرجات (1)، الرزّاق (1)، الرقيب (3).

السين: السميع (44)، السلام (1)، سريع الحساب (8)، سريع العقاب (2).

الشين: الشهيد (20)، الشاكر (2)، الشكور (4)، شديد العذاب (1)، شديد العقاب (14)، شديد المحال (1).

الصاد: الصمد (1).

الظاء: الظاهر (1).

العين: العليم (137)، العزيز (88)، العفوّ (5)، العليّ (9)، العظيم (14)، علّام الغيوب (4)، عالم الغيب والشهادة (10).

الغين: الغنيّ (18)، الغفور (90)، الغالب (1)، غافر الذنب (1)، الغفّار (5).

الفاء: فالق الإصباح (1)، فالق الحبّ والنوى (1)، الفاطر (6)، الفتّاح (1).

القاف: القويّ (7)، القدّوس (2)، القيّوم (3)، القاهر (2)، القهّار (6)، القريب (3)، القادر (12)، القدير (45)، قابل التوب (1)، القائم على كلّ نفسٍ بما كسبت (1).

الكاف: الكبير (8)، الكريم (4)، الكافي (1).

اللام: اللطيف (7).

الميم: الملک (4)، المؤمن (1)، المهيمن (1)، المتكبّر (1)، المصوّر (1)، المجيد (2)، المجيب (1)، المبين (1)، المولى (9)، المحيط (5)، المقيت (1)، المتعال (1)، المحيي (2)، المتين (1)، المقتدر (4)، المستعان (2)، المبدئ (10)، مالک الملک (1)، المعيد (13).

النون: النصير (11)، النور (1).

الواو: الوهّاب (3)، الواحد (21)، الوليّ (24)، الوالي (1)، الواسع (8)، الوكيل (13)، الودود (2).

الهاء: الهادي (10).

ولا يخفى أنّ من أسماء الله في القرآن الكريم ما لم يذكر صريحآ،

وهي في عشرة موارد كما يلي :

1 ـ (وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )

يستخرج منه (الحافظ ).

2 ـ (إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ )

ويستخرج منه (الفاعل ).

3 ـ (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)

يستخرج منه (الفعّال ـ فعاّل لما يريد).

4 ـ (قَائِمآ بِالقِسْطِ)

يستخرج منه (القائم = القائم بالقسط ).

5 ـ (وَإنَّا لَهُ كَاتِبُونَ )

يستخرج منه (الكاتب ).

6 ـ (وَنَحْنُ الوَارِثُونَ )

يستخرج منه (الوارث ).

7 ـ (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ )  يستخرج منه (الوالي ).

8 ـ (إنَّا مُـنتَقِمُونَ )  يستخرج منه (المنتقم ).

9 ـ (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ )  يستخرج منه (الوليّ

و(الشفيع ).

10 ـ (فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ)يستخرج منه (كاشف الضرّ = الكاشف ).

وذهب الفقهاء وأكثر المتكلّمين إلى عدم جواز استعمال هذه الأسماء المستخرجة لتوقيفيّتها على إذن من الشارع، فلا تطلق على الله إلّا إذا ورد في الروايات والأدعية المأثورة عن المعصومين  :.

وممّا يدلّ من الروايات الشريفة على أنّ أسماء الله الحسنى لا تنحصر بتسعة وتسعين اسمآ كما في بعض الروايات الواردة عند الفريقين ـالسنّة والشيعة ـ بل تزيد على ذلک، ما ورد عن الإمام الصادق  7 قال : إنّ الله تبارک وتعالى خلق اسمآ بالحروف غير متصوّت باللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسّد، وبالتشبيه غير موصوف، وباللون غير مصبوغ، منفيّ عنه الأقطار، ومبعد عنه الحدود، محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم، مستتر غير مستور، فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معآ، ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق

إليها، ويحجب منها واحدآ وهو الاسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء التي ظهرت، فالظاهر هو (الله) تبارک وتعالى وسخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلک اثنى عشر ركنآ، ثمّ خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسمآ فعلا منسوبآ إليها، فهو الرحمن الرحيم، الملک القدّوس، الخالق البارئ، المصوّر الحيّ القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار على المتكبّر، العليّ، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن (البارئ ) المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرازق، المحيي، المميت، الباعث والوارث.

فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتّى تتمّ ثلاث مائة وستّين اسمآ، فهي نسبةً لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلک قوله تعالى :

(قُلِ آدْعُوا اللهَ أوِ آدْعُوا الرَّحْمَنَِ أيّآ مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى )   .

وروي عن النبيّ  9 أنّه قال : إنّ لله تعالى أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمها إلّا الله، وألف لا يعلمها إلّا الله والملائكة، وألف لا يعلمها إلّا الله والملائكة والنبيّون، وأمّا الألف الرابع فالمؤمنون يعلمونه، ثلاثمائة منها في التوارة وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة في الزبور، ومائة في القرآن، تسعة وتسعون ظاهرة، وواحد مكتوم، من أحصاها

فله الجنّة .

ولا يبعد أن يكون المراد من تسعة وتسعين هو نوع الأسماء لا خصوص فرديّتها، فتدخل الأسماء الاُخرى تحت هذه الأسماء، والله العالم بحقائق الاُمور.

ثمّ إذا أردت أن تعرف الألف من الأسماء، فراجع دعاء جوشن الكبير في مفاتيح الجنان.

والاسم المأثور المكنون في علم الله الذي لا يعلمه إلّا هو، إنّما هو الجامع لكلّ الأسماء، وظهور ذلک الاسم المكنون يكون في اسم الجلالة (الله) جلّ جلاله.

وقد ورد في القرآن الكريم في (980) موضعآ، وقد استعمل في العصر الجاهلي كما في شعر لبيت الشاعر المعروف :

ألا كلّ شيءٍ ما خلال الله باطلُ         وكلّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ

قال رسول الله  9: أصدق شعر قالته العرب.

وقيل بسريانيّة اللفظ.

وذهب المشهور إلى عربيّته.

وقيل كونه جامدآ.

والمشهور أنّه من المشتقّات، واختلفوا في جذور اشتقاقه، فقيل : من (أله) بمعنى المألوه أي (المعبود) فإنّه يستحقّ العبادة دون غيره :

(فَاعْبُدْهُ وَآصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّآ) .

وقيل: مشتقّ من (وَلَه ) بمعنى (الحيرة ) إذ يتحيّر فيه ذوي الألباب.

وقيل: بمعنى (الحبّ الشديد) فإنّه المحبوب لكلّ خلقه في عالم التكوين فتعشقه الكائنات في سيرها إليه.

وقيل: مشتقّ من (لاهَ ) بمعنى (المرتفع ) لارتفاعه عن خلقه.

وقيل: بمعنى (المحتجب ) لاحتجابه عن الأوهام.

ثمّ مظهر هذا الاسم الجامع الجمع هو الإنسان الكامل والذي اصطلح عليه أخيرآ بالحقيقة المحمّديّة التي تسري في كلّ الظهورات والتجلّيات لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وهذا من سرّ الأسرار، ولا يقف عليه إلّا من اصطفاه الله للعلم والمعرفة.

ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليّ  7 قال: أوّلنا محمّد، أوسطنا محمّد، آخرنا محمّد، كلّنا محمّد)  ففي الحقيقة النوريّة كلّهم 

نور واحد مشتقّ من الواحد الأحد جلّ جلاله.

جعلنا الله وإيّاكم من العارفين بالله العالمين بأسمائه وصفاته، والفانين في إرادته ومشيّته وحبّه، الباقين في حضرته القدسيّة، نمرح في جنّة الأسماء، ورياض الصفات، وبساتين الأفعال، والله المستعان.

جاء في مناجاة العارفين لمولانا وجدّنا الإمام زين العابدين  7 :

«إلهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائک كما يليق بجلالک، وعجزت العقول عن إدراک جمالک، وانحصرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهک، ولم تجعل للخلق طريقآ إلى معرفتک إلّا بالعجز عن معرفتک » .