akdak

المقالات

قسم الفكر الاسلامي

هل صحيح البخاري أصحّ الكتب ؟!

22

سید لیث الحیدري

تمهيد :

لا أقصد من هذه الدراسة التعرّض إلى إخوتي من أهل السنّة أو الاستهانة بكتبهم المعتمدة عندهم . فظروف المسلمين لا تسمح بالانشغال بخلافات جانبيّة ، إذ الإسلام اليوم في خطر، والإحساس بالمسؤوليّة يدعونا إلى الوحدة وترک كلّ ما يؤجّج نار الفتنة .

لكنّ الغرض من كتابة هذه الأسطر هو الكشف عن حقيقةٍ آمن بها بعض المثقّفين والمفكّرين المعاصرين من أبناء أهل السنّة ، ذلک أنّه ليس كلّ ما في صحيح البخاري صحيحآ ولا كلّ ما نُسب إلى رسول الله  6 في الصحاح الستّة فقد خرج من شفتي رسول الله  6. وإنّما لا بدّ من وضع كلّ حديث على طاولة التشريح وعرضه على موازين الصحّة والسقم سواء من حيث السند أم المتن . فما وافق كتاب الله وسنّة رسوله القطعيّة والقواعد العقليّة يؤخذ به وإلّا فلا يُعقل أن يكون قد تفوّه به سيّد الأنبياء والحكماء والعقلاء الذي لا ينطق عن الهوى ، أو فَعَله وهو من نَعَته القرآن الكريم : (وَإنَّکَ لَعَلى خُـلُقٍ عَـظِيمٍ ) .

وهذا تمامآ ما يقوم به علماء الشيعة في تعاملهم مع الكتب المعتمدة عندهم ، فهم يدخلون كلّ حديث ـأيّآ كان ـ إلى ميدان البحث فيناقشون رجال سنده فردآ فردآ ثمّ يعرضون متنه على القرآن الكريم وسنّة رسول الله  6 القطعيّة والعقل ، ثمّ يعالجون المتعارضات إن وجدت إلى غير ذلک . ولذا تجد أنّ كتاب الكافي الذي نال اهتمام كلّ علماء الشيعة وله أكثر من أربعين شرحآ وتعليقآ إضافةً إلى الترجمة لغير العربيّة ، ويعتبر مؤلّفه الشيخ ثقة الإسلام الكليني من كبار علماء الشيعة المحدّثين والمحقّقين ، وقد صرف من عمره الشريف عشرين سنة في تصنيف هذا الكتاب ، فبذل قصارى جهده في تمحيص الأحاديث وتدوين الصحيح والموثوق به عنده ، مع كونه º قد عاصر سفراء الغيبة الصغرى فكان قريبآ من عصر الأئمّة المعصومين  : وأصحابهم . وبالرغم من ذلک فإنّ علماءنا لم يقبلوا جميع أحاديثه ، ويعتبرون أنّها كانت صحيحة في نظر الكليني º ونظره الشريف ليس حجّةً عليهم . فمن مجموع (199/16) رواية في الكافي اعتبر البعض حدود (5000) حديثآ صحيحآ، وقريب من (1500) رواية حسنة وموثّقة ، وما يقارب (9500) رواية ضعيفة . كيف لا وقد ملأت الأحاديث الموضوعة والإسرائيليّات كتب الحديث واختلط الغثّ بالسمين والصحيح بالسقيم ، خاصّة بعد منع تدوين الحديث ونقله بعد رسول الله 6 حيث اُحرقت كتب الأحاديث ومُنع الناس من كتابة ونقل أحاديث الرسول  6 حتّى عام  100 للهجرة . وكان قد تكالب الأعداء على طمس نور الإسلام ورسالة النبيّ  6 بكلّ 

ما اُوتوا من قدرة .

وعلى أيّ حال فطالب الحقّ لا يتصيّد بالماء العكر. إذ الحقّ لا يُعرف من خلال خطأة خطأها البخاري فقال بالتجسيم مثلا، أو زلّة قلم زلّها النوري فرأى تحريف القرآن . وإنّما معرفة الحقّ تحتاج إلى قلب سليم وإخلاص نيّة وجدّيّة في البحث وتخلّي عن العصبيّة وكلّ المتعلّقات الدنيويّة . قال تعالى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَـنَا) ، وقال سبحانه : (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانآ...) .

وتحاول هذه الدراسة أن تسلّط بعض الأضواء على جملة من التأمّلات في صحيحي البخاري ومسلم ، قد تدع المجال أمام الشباب المسلم للتفكّر والتدقيق في إمكانيّة كونهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله عزّ وجلّ . ثمّ تجيب عن سؤال يفرض نفسه ، هو لماذا اتّخذ علماء السلف هذين الكتابين وبالخصوص البخاري أصحّ الكتب ورفعوه بهذه الرفعة ؟

هل لكونه أفضلها في تخريج النصوص وأجودها في تنظيم الأحاديث وتبويبها؟

أم لكونه أدقّها في انتخاب رجال السند؟

أم أنّه أصحّها عقائديّآ وأقربها لرسالة القرآن الكريم ؟

أم هناک أسباب اُخرى لا نعرفها؟

والله من وراء القصد.

وبناءً على عدم الإطالة في هذه الدراسة فقد اُشير إلى مفاد الأحاديث فقط

دون ذكر نصّها، ثمّ ذكر محلّ كلّ منها في الهامش ، فمن أحبّ فليراجع .

ومن الله نستمدّ العون .

 

 نبذة عن الصحاح الستّة 

 

انتخب علماء أهل السنّة من بين كلّ كتب الحديث والمسانيد ستّة كتب منها، جعلوها في الدرجة الاُولى من الاعتبار والصحّة ، هي : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، ووسموها بـ(الصحاح ) فشكّلت هذه الكتب البنية والأساس لأحكامهم وعقائدهم وفي التفسير والتاريخ .

والصحيح : هو البريء من كلّ عيب وريب . وإنّما سمّيت هذه الكتب بالصحاح لأنّ أحاديثها حازت على شروط الصحّة من حيث السند والمتن . فقد ادّعى أرباب الصحاح أنّ كلّ ما ورد في صحاحهم متوفّر الشرائط وصحيح ـوإن اختلفوا في شروط صحّة الحديث ـ وأمّا المسانيد والكتب الاُخرى فلم ترتقِ إلى هذه الدرجة من الصحّة ولم يصحّح مؤلّفوها كلّ ما أخرجوه من كتبهم إذ كانت عادتهم في ذلک جمع الأحاديث دون النظر إلى اعتبارها وعدمه .

وهذا ما ذهب إليه علماء أهل السنّة ، فهم يعتقدون أنّ كلّ ما جاء في الصحاح الستّة ونُسب إلى رسول الله  6 فإنّه قد خرج من بين شفتي الرسول  6 أو أمضاه وقرّره عمليّآ ـكما ذكره بعض علمائهم ـ وأمّا سائر كتب الحديث فإنّها فاقدة لهذه الخصوصيّة إذ يحتمل أن تكون فيها أحاديث وقعت سهوآ أو عمدآ ونُسبت إلى الرسول  6.

ومن هذا المنطلق قال فضل بن روزبهان : «لو أنّ أحدآ حلف يمينآ بأنّ كلّ ما ورد في الصحاح الستّة من الأحاديث فهو صحيح وهو قول رسول الله  6 لكان يمينه صحيحآ ولا عليه حنث » . وقال في موضع آخر: «فقد وقع إجماع  الأئمّة على صحّتها ـالصحاح الستّة ـ» .

وامّا الصحيحين ـالبخاري ومسلم ـ فقد وقعا موضع اهتمام أبناء العامّة أكثر من الصحاح الأربعة الاُخرى ، وحازا قصب السبق ونالا الدرجة الاُولى من الاعتبار. قال الچلبي : «أمّا الكتب المصنّفة في علم الحديث فأكثر من أن تحصى ، إلّا أنّ السلف والخلف قد أطبقوا على أنّ أصحّ الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى صحيح البخاري ثمّ صحيح مسلم » .

وقال الذهبي : «وأمّا جامع البخاري الصحيح فأجلّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله عزّ وجلّ » . إلى غير ذلک من التصريحات .

 

المحدّثون وأهل الرأي 

 

لقد خلّف المنع من تدوين ونقل الحديث من قبل الصحابة الأوائل مشاكل جسيمة وفجائع عديدة امتدّت آثارها إلى يومنا الحاضر وستبقى حتّى ظهور

المصلح الموعود ومنقذ البشريّة صاحب الأمر (أرواحنا فداه ) ومن تلک المخلّفات نشوء الخلاف في حديث رسول الله  6. قال محمّد بن أبو زهرة الذي لُقّب بمجنون أبي حنيفة في كتابه (أبو حنيفة وحياته ): «أهل الرأي أكثروا من الإفتاء بالرأي خشية أن يقعوا في الكذب على رسول الله  6». وكان إمام أهل الرأي في بغداد النعمان بن ثابت المشهور بكنيته أبي حنيفة (80 ـ 150 ه ) لمّا رأى شيوع الوضع والكذب في حديث رسول الله 6 ترک العمل بالحديث واتّخذ الرأي والأقيسة في العلم بالشرعيّات منهجآ ومسلكآ.

وقد وجد العمل بالرأي دون الأحاديث والآثار النبويّة الموجودة بأيدي المحدّثين دعمآ حكوميّآ وسيعآ لترويجها، ولذلک فقد استُخدم القضاة المتأثّرين بفكر أبي حنيفة ، ومُنحوا ألقابآ، ووُصفوا بالاجتهاد والفقاهة . أمّا أهل الأخبار والمحدّثين فقد اتّخذوا طريقة المعاداة والطعن على أهل الرأي والقياس خاصّة على إمامهم أبي حنيفة وكتبوا وأعلنوا فِسقه وخروجه عن حدّه وأدرجوا اسمه في (ديوان الضعفاء والمتروكين ). وكان محمّد بن إسماعيل البخاري (ولادة 194 ه ) واحدآ من اُولئک المحدّثين الذي أخذوا على عاتقهم نشر الحديث والدفاع عن الآثار النبويّة المتلقّاة من الصحابة والتابعين فصنّف كتابه (الصحيح ) بأمر من شيوخه .

لكنّ صيت أبي حنيفة انتشر في القرن الثاني للهجرة وقد أعانت كثرة الفروع في زمنه على تطبيق منهجه العقلي . وعندما رأى المحدّثون أنّ المذهب الحنفي ومنهجه العلمي يهوي بالناس إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال ، نهضوا لمواجهة حركته وتطرّفوا في مواقفهم وقاموا بما يلي  :

أوّلا: لجأ كثير منهم إلى الحكّام ، ليعزّزوا قدرتهم في نشر الحديث والآثار ولينتقموا بذلک من أهل الرأي . ومن جانب آخر فالخلفاء من بني اُميّة وكذا من بني العبّاس كانوا بحاجة إلى ما يعزّز مركزهم السياسي ، فأيّ طبقة أقوى وأنفع لهم من العلماء لا سيّما الذين يروون الحديث ويشتهرون بالحفظ والإمامة في الحديث ؟ وقد حصل هذا الشكل من التعاون والاتّفاق في القرون الاُولى .

وثانيآ: استخدم المحدّثون الرأي والنظر المقرون بالحديث ، ليعلنوا أنّهم أيضآ فقهاء وأصحاب نظر كما يظهر ذلک في الموطأ والبخاري .

وأمّا الالتجاء إلى الحكّام فهو حركة متمثّلة في أبي الزناد، وابن شهاب الزهري ،  والحُميدي ، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة من شيوخ البخاري ، وكانوا في خدمة خلفاء بني اُميّة وبني العبّاس .

وقد كان ابن شهاب الزهري في طليعة من خدم الاُمويّين مدّة خمس وأربعين سنة واختتم مهمّته في تدوين السنّة بأمرهم : حتّى أنّه أغضب جماعة من المحدّثين المدنيّين من شيوخه ومعاصريه ، مثل : الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين  7، وسعيد بن المسيّب ، وأبي حازم سلمة بن دينار. وقيل (إنّه جندي للاُمويّين ) أو (هو منديل للاُمراء) و(إنّه أفسد نفسه بصحبته للحكّام ). هذا وإنّ روايات الزهري في صحيح البخاري فقط تبلغ زهاء ألف وثلاثمائة حديث .

عقيدة البخاري ومسلم 

 

اختلف الكلام في مذهب أئمّة الحديث والمصنّفين للصحاح خاصّة في البخاري ، فالأقوال فيه  :

1 ـ أنّ البخاري شافعي .

2 ـ أنّه مجتهد لا يقلّد أحدآ من الأئمّة .

3 ـ أنّه حنبلي .

4 ـ أنّه إمام وصاحب مذهب إلّا أنّ مذهبه قد انقرض .

أمّا عن عقيدة البخاري ومسلم وآرائهما الكلاميّة فقد تحدّث الشيخ الذهلي  عنها.

والذهلي مشهور جدّآ وقد انتهت إليه مشيخة العلم بخراسان ، فقد قال ابن خلكان «محمّد بن يحيى المعروف بالذهلي من أكابر العلماء والحفّاظ وأشهرهم ، وهو اُستاذ وشيخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة » .

وقال أبو حاتم الرازي : «محمّد بن يحيى ـالذهلي ـ إمام أهل زمانه » .

وقال الخطيب البغدادي : «كان يرى الذهلي وأكثر المتكلّمين في كلام الله أنّه قديم ، وقد قالوا بكفر وارتداد مخالفيهم الذين يرون بأنّ كلام الله حديث.

وقالوا: ومن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان ، وبانت عنه امرأته ، ويُستتاب فإن تاب وإلّا ضُربت عنقه ، وجُعل ماله فيئآ بين المسلمين ، ولم يُدفن في قبور المسلمين ، ومن وقف وقال : لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أنّ لفظ القرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يُجالس ولا يُكلّم » .

وأضاف الخطيب قائلا: وكان البخاري خلافآ لأكثر متكلّمي عصره يقول بأنّ لفظ القرآن مخلوق ، ولما ورد مدينة نيسابور أفتى الذهلي ـالذي تقلّد منصب الإفتاء والإمامة بنيسابورـ قائلا: (ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمّد بن إسماعيل البخاري فاتّهموه ، فإنّه لا يحضر مجلسه إلّا من كان على مثل مذهبه ) .

وكان البخاري في نظر الذهلي وأكثر علماء نيسابور في ذلک العصر مطرودآ ومضلّاً منحرفآ في العقيدة .

ولم يذهب الذهلي بفساد عقيدة البخاري فحسب ، بل كان يرى انحراف صاحبه مسلم بن حجّاج ـصاحب الصحيح ـ عن العقيدة السليمة ، ولذا طرده عن مجلسه وحرّم على الناس حضور مجلسه .

وقال ابن خلّكان : «كان مسلم على أثر اعتقاده هذا مرفوضآ ومنفورآ في الحجاز والعراق » .

ويمكن أن نستنتج من هاتين الواقعتين أنّ صحيحي البخاري ومسلم قد

وقعا معرض النقد والإبرام والذمّ بشكل لا يوصف من قبل العلماء والحفّاظ ، وقد كان مؤلّفاهما آنذاک محلّ انزجار واتّهام المسلمين إيّاهما بالكفر والزندقة.

 

أهداف بني العبّاس ودور المحدّثين 

 

اتّسم العصر العبّاسي بسمة ثابتة هي اضطهاده للعلويّين باستثناء فترات وجيزة جدّآ اقتضتها مصالح سياسيّة . ومع بدء خلافة المتوكّل (المقتول سنة  247 ه ) بدأت محنة أهل البيت بالتفاقم ولقي شيعتهم صنوف القهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وبدأت حملة شعواء في تجذير حالة رهيبة من العداء لأهل البيت ، ولقد ورد في شأنه : «وكان المتوكّل شديد البغض لعليّ بن أبي طالب ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّى عليّآ وأهل بيته بأخذ المال والدم ، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنَّث ، وكان أصلع فيشدّ تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه ويرقص ، والمغنّون يغنّون : قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين ، يحكي بذلک عليّ بن أبي طالب ، والمتوكّل يشرب ويضحک » .

«وفي سنة (236 ه ) هدم المتوكّل قبر الحسين . فقال البسّامي في ذلک أبياتآ ـونُسب إلى يعقوب بن السكّيت ـ هي  :

تالله إن كانت اُميّة قد أتت         قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله         هذا لعمرک قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا         في قتله فتتبّعوه رميما

 

وكان المتوكّل فيه نصبٌ وانحراف ، فهدم هذا المكان وما حوله من الدور،

وأمر أن يُزرع ، ومنع الناس من إتيانه » .

من جانب آخر فقد بدأ الترويج للحديث النبويّ بما يخدم أهداف الحاكمين . ففتح المتوكّل أبواب قصره للمحدّثين وأعلا شأن من أمكنه إضفاء مسحة شرعيّة على البلاط العبّاسي ، بالإضافة إلى الردّ على المعتزلة .

وقد جاء في تاريخ بغداد :(إنّه أشخص الفقهاء والمحدّثين فكان فيهم : مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وعبد الله وعثمان ابني محمّد بن أبي شيبة فقُسِّمت بينهم الجوائز، واُجريت عليهم الأرزاق ، وأمرهم المتوكّل أن يجلسوا للناس ويحدّثوا بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجهميّة وأن يحدّثوا بالأحاديث في الرؤية . فجلس عثمان بن محمّد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور. ووُضِع له منبر واجتمع عليه نحوٌ من ثلاثين ألفآ من الناس ، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة ، وكان أشدّ تقدّمآ من أخيه عثمان ، واجتمع عليه نحوٌ من ثلاثين ألفآ .

هذا وإنّ إسحاق بن أبي إسرائيل (المتوفّى 245 ه ) من مشايخ البخاري .

روى الذهبي بسنده عن محمّد بن يحيى الملكي أنّه قال : (إسحاق بن إسرائيل ذاک أحمق ).

وتُرى روايات ابني شيبة وأبي إسرائيل في صحيح البخاري وكتبه الاُخرى بما يُرضي المتوكّل وأعوانه .

لقد بلغ الأمر بوعّاظ السلاطين حدّآ يعتبرون به المتوكّل مُظهرآ للسنّة . فقد قال إبراهيم بن محمّد التيمي وكان قاضي البصرة : (الخلفاء ثلاثة : أبو بكر الصدّيق يوم الردّة ، وعمر بن عبد العزيز في ردّ مظالم بني اُميّة ، والمتوكّل في محو البدع وإظهار السنّة )  كما صرّح بذلک غيره أيضآ.

 والمراد بالسنّة التي أظهرها المتوكّل هي  :

ـ المنع من القول بخلق القرآن ورفع الامتحان عن العلماء في ذلک .

ـ إشاعة الأخبار في التشبيه والتجسيم .

ـ شدّة النصب والعداوة لعليّ بن أبي طالب  7 ومطاردة الشيعة .

ـ شدّة القول على المعتزلة والجهميّة ، والأمر بكثرة التحديث في الردّ عليهما.

وأمّا البخاري فإنّه أظهر موافقته على جميع ما أمر به المتوكّل المحدّثين من أمر السنّة ، عندما ورد البصرة أيّام ابن أبي الشوارب .

 

 أسانيد الأحاديث  

 

البخاري أوّل من ميّز الصحيح ـفي نظره ـ من غيره ، فاختار كتابه ممّا تبيّن له أنّه صحيح ... وقد انتقده الحفّاظ في عشرة ومائة حديث منها (32) حديثآ وافقه مسلم على تخريجه ، و(78) حديثآ انفرد هو بتخريجه .

والذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلا، المتكلَّم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا المتكلَّم فيه بالضعف منهم مائة وستّون رجلا... والأحاديث التي انتُقدت عليهما بلغت مائتي حديث وعشرة ، اختصّ البخاري منها بأقلّ من ثمانين ، وباقي ذلک يختصّ بمسلم .

أمّا الذين طُعن فيهم من رجال البخاري فقد عقد لهم ابن حجر فصلا خاصّآ . وسرد أسماءهم فكانوا أكثر من ثلاثمائة رجل ضعّفهم المحدّثون 

وعلماء الرجال . وقال الدكتور أحمد أمين : «إنّ بعض الرجال الذين روى لهم غير ثقات ، وقد ضعّف الحفّاظ من رجال البخاري نحو الثمانين ، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل » .

أمّا الفاضل النووي شارح الصحيحين ، الذي له صيت في علم الرجال ، وألّف كتبآ متعدّدة في علم الحديث والرجال ، وتُعدّ كتبه مرجعآ، تراه يشکّ ويتردّد في صحّة بعض أحاديث الصحيحين وأحيانآ يبدي رأيه بالصراحة ببطلان بعضها .

وقال كمال الدين بن همّام في شرح الهداية : «قول من قال : أصحّ الأحاديث ما في الصحيحين ثمّ ما انفرد به البخاري ثمّ ما انفرد به مسلم ، ثمّ ما

اشتمل على شرط أحدهما... تحكّم وباطل لا يجوز التقليد فيه » .

 

إنّ من الضروري قبل توثيق أيّ خبر أو الحكم بصحّته وترتيب الأثر عليه ، الالتفات إلى شخصيّة الراوي والناقل وتقييمه من حيث تحلّيه بصفات الراوي مثل عدم كونه كذّابآ ومحرّفآ ومدلّسآ ومدى التزامه الديني وتعهّده العقائدي ومرتبته الإيمانيّة والتقوائيّة ، وهذا من البديهيّات التي تتقبّلها الفطرة الإنسانيّة ، وقد أكّد عليها القرآن الكريم في آية النبأ .

 وإذا كان شرط الإيمان من أهمّ الشروط الواجب توفّرها في الراوي ، فإنّ بعض رواة أحاديث الصحيحين لم يكونوا مستقيمي الإيمان ولا ثقات ، وقد ثبت ذلک بالبراهين التاريخيّة القويمة .

فبعضهم كانوا مشهورين بالعداء لعليّ  7، بالإضافة إلى كونهم من وضّاعي الحديث . لقد ذكر البخاري في صحيحه هذا الحديث : قال رسول الله  6: (آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) . ونقل مسلم في 

صحيحه عن رسول الله  6 قوله : (سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر) . ونقل أيضآ عن أمير المؤمنين  7 قوله : (والذي خلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، إنّه لعهد النبيّ الاُمّي  6 إليّ: أن لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق ) .

وقد أشار ابن حجر ـالذي عُرف بالتساهل والإغماض عن كشف الحقيقة عمّا هو موجود في بعض أسانيد أحاديث البخاري ومتونهاـ عند ذكر أسماء الرواة الذين ضعّفهم وجرحهم السلف من العلماء بقوله : «إنّهم كانوا من النواصب وأعداء الإمام عليّ  7».

وكنموذج بارز لما ذكرنا نذكر أسماء بعض اُولئک الرواة المشهورين بالعداء لعليّ  7 :

1 ـ أبو هريرة .

2 ـ أبو موسى الأشعري .

3 ـ عمرو بن العاص بن وائل .

4 ـ عبد الله بن الزبير بن العوّام .

5 ـ عمران بن حطّان .

ولا يسع المجال لترجمة هؤلاء لكنّ عداءهم لأهل بيت النبوّة : أشهر من نارٍ على عَلَم ، بل إنّ نفس البخاري ومسلم كانوا مبتلين بالطائفيّة المفرطة والتعصّب الشديد، وسنشير إلى ذلک فيما بعد. وقد اعتمد الشيخان في صحيحيهما على الكثير من أمثال هؤلاء، ومع ذلک يقول أبو الحسن المقدسي : «الرجل الذي يُخرج عنه في الصحيح ـالبخاري ومسلم ـ هذا جاز القنطرة ـيعني لا يُلتفت إلى ما قيل فيه ـ» . فاقرأ واعجب .

 

النقل بالمعنى  

 

روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أنّه قال يومآ عن البخاري إنّه قال  : «رُبّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورُبّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر! فقيل له : يا أبا عبد الله، بكماله ؟ فسكت » .

وقال : محمّد بن الأزهر السجستاني : «كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب ، فقيل لبعضهم : ما له لا يكتب ؟ فقال : يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه » . وقال ابن حجر العسقلاني : «من نوادر ما وقع في البخاري ، أنّه يخرج الحديث تامّآ بإسناد واحد بلفظين  ـكما في حديث سحر النبيّ  6ـ».

ولا ريب أنّ هذه الفترة الزمنيّة التي فصلت بين سماع الحديث وبين تدوينه ، سوف تُنسيه ألفاط الحديث ، ويأتي مكانها بألفاظ اُخرى غيرها، فيكون النقل فيه نقلا بالمعنى ، وبهذا يفقد الحديث شأنه واعتباره . بالإضافة إلى احتمال محو الكثير من دقائق ألفاظ الحديث .

 

البخاري لم يُبيّض كتابه  

 

يظهر أنّ البخاري مات قبل أن يتمّ تبييض كتابه ، فقد نُقل عن أبي إسحاق المستملي قوله : «استنسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند الفريري فرأيت أشياء لم تتمّ ، وأشياء مبيّضة فيها تراجم لم يثبت بعدها شيئآ، وأحاديث لم يُترجم لها فأضفنا بعض ذلک إلى بعض » .

قال أبو وليد الباجي : «وممّا يدلّ على صحّة هذا القول رواية أبي إسحاق المستملي ورواية أبي محمّد السرخسي ورواية أبي الهيثم الكشميهي ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنّهم انتسخوا من أصل واحد، وإنّما ذلک بحسب ما قدر كلّ واحد منهم فيما كان في طرّة أو رقعة مضافة أنّه من موضعٍ ما، فأضافه إليه ، ويبيّن ذلک أنّک تجد ترجمتين وأكثر من ذلک متّصلة ليس بينها أحاديث » .

قال القسطلاني : «وقد وقع في بعض نسخ الكتاب ضمّ باب لم يُذكر فيه حديث إلى حديث لم يُذكر فيه باب ، ويقع في كثير من أبوابه أحاديث كثيرة وفي بعضها حديث واحد وفي بعضها لا شيء فيه البتّة » .

وقد ورد في كتاب (العلم ) من صحيح البخاري ما نصّه : (حدّثنا عبيد الله، وأخبرنا محمّد بن يوسف الفريري وحدّثنا محمّد بن إسماعيل البخاري قال  : حدّثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال : إذا قُرئ على المحدّث ... إلخ ) ولا يخفى أنّ ذكر المؤلّف لا بدّ أن يأتي في بدء السند، وقد وقع هنا في غير محلّه كما ترى .

وهنا يتبادر سؤال هو: إنّ الكتاب الذي تمّ تنظيمه وتكميله وتبويبه بواسطة

الآخرين ، وبالرغم من هذا التكميل فما زال التشويش وعدم النسق والترتيب ملاحظآ في أبوابه وأحاديثه . فيا ترى كيف كان وضع هذا الكتاب قبل هذا الترتيب ؟ هل هناک اطمئنان بكون الناظم لم يحذف أحاديثآ من صحيحه عملا برأيه أو أنّه أسقط أو زاد في أحاديث اُخرى ؟

هذه المسائل لا تزال خفيّة ومجهولة لدينا. ولكنّ القدر الميتقّن والبيّن أنّ أيّ كتاب له ظروف مماثلة للصحيح الذي قام الآخرون بتصحيحه وتكميله وإن كان خاليآ من المؤاخذات والإشكالات فهو ساقط عن الاعتبار ولا يمكن الوثوق به لأنّه يستلزم الشکّ والترديد.

 

اختلاف في عدد الروايات  

 

إنّ عدد أحاديث البخاري يزيد في رواية الفريري على عدده في رواية إبراهيم بن معقل النسفي بمائتين ، ويزيد عدد إبراهيم بن معقل النسفي على عدد حمّاد بن شاكر النسفي بمائة حديث ، كما ذكره العراقي . وهذا يؤكّد الكلام السابق ويزيد في الشکّ في صحّة (الصحيح ) واعتباره .

 

 الاستدراك على البخاري ومسلم

 

قال النووي في شرح مسلم : «استدرک جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلّا بشرطيهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه . وقد ألّف الإمام الحافظ الدارقطني في بيان ذلک كتابه المسمّى (الاستدراكات والتتبّع ) وذلک في

مائتي حديث ممّا في الكتابين » .

ومن جانب آخر فإنّ الحاكم النيسابوري ألّف كتابه المعروف بـ(المستدرک على الصحيحين ) حيث جمع أحاديث كثيرة لم يذكرها الشيخان في صحيحيهما مع أنّها تتمتّع بالشرطين اللذين التزما بهما.

 

فتاوى غريبة  

 

نُقلت عن البخاري فتاوى عجيبة وإليک شطرآ منها  :

1 ـ لا يجب على المرأة التستّر من العبد حتّى لو كان ملكآ لغيرها.

2 ـ كما يطهر محلّ المنيّ بالغسل ، يطهر أيضآ بإزالة عين النجاسة (المنيّ).

3 ـ ما لم يخرج المنيّ في الجماع فالغسل مستحبّ وليس واجبآ.

4 ـ أحكام الرضاع تترتّب على لبن الحيوان أيضآ ويسبّب نشر الحرمة . بمعنى أنّه لو ارتضع صغيران من لبن شاة أو بقرة فإنّهما يعتبران أخوين وتجري عليهما أحكام الرضاع .

وغير ذلک من الفتاوى الغريبة .

 

التوحيد في الصحيحين  

 

مسألة التوحيد هي أهمّ أصل اهتمّ به الإسلام ، وقد اشتركت جميع الأديان السماويّة فيه ، لكنّ هذه المسألة امتزجت بتحريفات لا تُغتفر ومن جهات متعدّدة

في الصحيحين ، فنحن نجد فيها مسائل مخالفة للتوحيد ولأساس الدين من قبيل ما يلي  :

1 ـ القول بالتجسيم ورؤية الربّ . كما في ما رواه عن قيس بن حازم عن جرير بن عبد الله قال : قال النبيّ  6: (إنّكم سترون ربّكم عيانآ) . وأمثال 

هذه الرواية الكثير في صحيح البخاري ومسلم ، بل في الأخير باب بعنوان (إثبات رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة ).

2 ـ إنّ الله له مكان محدّد .

 3 ـ الله في السماء .

4 ـ إنّ الله يضحک .

 5 ـ الله يتجوّل .

 6 ـ الله يقف جنب العبد .

 7 ـ إنّ لله وجه .

 8 ـ إنّ لله يد .

 9 ـ إنّ لله أصابع .

  10 ـ إنّ لله ساق .

11 ـ إنّ لله قدم .  

12 ـ إنّ لله ظهر .

13 ـ إنّ لله عين .

 والخلاصة لكلّ ما ورد من الأحاديث في الصحيحين : أنّ الله مكوَّن من مادّة ويشغل حيّزآ من المكان وهو جسم مركّب ، ويتحرّک من مكان إلى آخر، يأتي مثلا متنكّرآ كي لا يعرفه أحد من العباد، ويمكن أن يكون قد غيّر شكله فلا يعرفه العباد، فيقولون له : نعوذ بالله منک فيأتيهم بالصورة التي يعرفون ، وممكن أن نميّزه بعلامة فارقة كالساق مثلا، فإنّهم إذا لم يروها لا يعرفونه . إلى غير ذلک من العجائب .

 النبيّ  6 في الصحيحين 

 

إنّ من يتابع روايات البخاري ومسلم التي تتحدّث عن النبيّ 6 وأفعاله وتصرّفاته ، يصل إلى نتيجة عجيبة ، وهي أنّ الرسول  6 ليس غير معصوم فحسب بل إنّه يفعل اُمورآ يترفّع عنها المؤمن بل المسلم العادي بل الإنسان الذي يحترم نفسه . ونحن نذكر بعض تلک الاُمور المشينة  :

1 ـ أبوا النبيّ  6 في النار .

  2 ـ خرافة شقّ صدر النبيّ  6 .

   3 ـ شکّ النبيّ  6 وترديده في نبوّته .

  4 ـ سهو النبيّ  6 في الصلاة .

    5 ـ النبيّ  6 يؤخّر صلاته ، بل لا يصلّيها في وقتها بعض الأحيان .

6 ـ النبيّ  6 يصلّي بدون وضوء .

7 ـ النبيّ  6 يباشر النساء وهنّ حائضات .

8 ـ النبيّ  6 يقبّل النساء ويباشرهنّ وهو صائم .

9 ـ النبيّ  6 يأكل الحرام .

 10 ـ النبيّ  6 يأكل الصيد حال الإحرام .

11 ـ النبيّ  6 يعاقب من دون ذنب .

   12 ـ النبيّ  6 يأكل الأرنب والضبّ .

13 ـ عدم عدالته  6 بين نسائه .

 14 ـ الرسول  6 يلعن ويؤذي المؤمنين .

  15 ـ النبيّ  6 يخطأ في الاُمور الحياتيّة .

 16 ـ نسيان النبيّ  6 بعض آيات القرآن .

   17 ـ النبيّ  6 يسمع الغناء، وأبو بكر ينهى عنه .  

18 ـ النبيّ  6 يشترک في الحفلات النسائيّة والراقصة .    

19 ـ النبيّ  6 يتعرّى .

 20 ـ النبيّ  6 يبول واقفآ، وعلى سبّاطة قومٍ .

   21 ـ النبيّ  6 يطوف بساعة واحدة على كافّة نسائه الإحدى عشر .

22 ـ النبيّ  6 يطوف على جميع نسائه في غُسل واحد، وله يومئذٍ تسعُ نسوة .

23 ـ النبيّ  6 ينتقم بالتمثيل وقطع الأيادي والأرجل وسمل العيون .

24 ـ النبيّ  6 يهوى الغواني .

  25 ـ سحر النبيّ  6 .

    26 ـ النبيّ  6 يدعو عائشة لمشاهدة الرقص .

  27 ـ النبيّ يأتي للصلاة جُنبآ .

 28 ـ تفضيل النبيّ موسى على رسول الله  6 .

 29 ـ تفضيل النبيّ يونس على رسول الله  6 .

الأنبياء في الصحيحين  

 

وإذا كان حال النبيّ  6 في الصحيحين كما رأيت وهو سيّد الأنبياء والمرسلين فكيف سيكون حال الأنبياء الآخرين  :؟ فإنّ الجميع لهم أخطاء في نظر البخاري ومسلم ، ولا مجال للقول بعصمتهم إطلاقآ. وقد ورد في الصحيحين في بيان مسألة شفاعة النبيّ ضمن رواية مطوّلة مرويّة عن أبي هريرة بألفاظ مختلفة عن رسول الله  6 تحكي بأنّ أهل الحشر يأتون الأنبياء واحدآ تلو الآخر، ليشفعوا لهم ، وكلّ نبيّ يذكر فعلة من فعاله التي أغضب بها ربّ العالمين ، ويعتذر للناس من طلب الشفاعة ويوكلونهم إلى النبيّ الذي أتى بعده ، حتّى ينتهي بهم الأمر إلى خاتم الأنبياء  6 فيشفع لهم . ومن أرادالاطّلاع على الروايات التي في هذا المضمار فليراجع العناوين التي في الهامش .

 هذا بالإضافة إلى ما جاء في صحيح البخاري من جواز الكذب على الأنبياء .

 

 

الصحابة في الصحيحين  

 

لقد نزّه البخاري ومسلم أبا بكر وعمر وعثمان (رض ) عن كلّ الرذائل والنواقص التي ألصقاها بالنبيّ  6 وباقي الأنبياء الكرام  :. بل ذكر البخاري أنّ النبيّ  6 بشّر بالجنّة أبا بكر وعمر وعثمان فقط . ونقل حديثآ عن الرسول 

 6: سدّوا الأبواب إلّا باب أبي بكر . وأثبت في صحيحه أفضليّة أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ الصحابة لا تفاضل بينهم . وأكّد أنّ هيبة عمر أقوى من هيبة رسول الله  6 . بل إنّ عمر ينبّه ويصحّح أخطاء النبيّ  6 . أمّا عن عائشة (رض ) فقد روى في حقّها حديثآ عن أبي موسى الأشعري عن النبيّ  6 قال  : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ). وليت شعري ما هو فضل الثريد على سائر الطعام ؟ وهل كان رسول الله  6 بطينآ همّه ما يدخلها من الأكل حتّى يشبّه بهذا التشبيه ؟ ثمّ يُكمل الحديث فيقول : (كَمُلَ من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلّا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ). وترى أنّ خديجة وفاطمة الزهراء  8 لم يذكرا في هذه الرواية مع كثرة ما ورد فيهما من أخبار العامّة وأنّ الزهراء سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين .

تقطيع الأحاديث ومشكلة تبويبها 

 

من الاُمور المهمّة التي يؤاخذ عليها البخاري في كتابه هو مسألة تقطيع الأحاديث ، فإنّه يحذف مقاطع من الروايات المذكورة بتمامها في الكتب الحديثيّة الاُخرى ، وذلک لأغراض خاصّة يريدها، كعدم الجرح بالصحابة وعدم إبداء منقبة لأهل البيت  :. من قبيل هذه الرواية : (عن ثابت عن أنس قال : كنّا عند عمر فقال : نُهينا عن التكلّف ) . وقد حذف منه الكثير حتّى صار غير مفهوم من أجل  عدم الإساءة إلى الخليفة الثاني . فالحديث الكامل ينقله ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري حيث جاء: (إنّ رجلا سأل عمر بن الخطّاب عن قوله (وفاكهةً وأبّآ) فقال : ما الأبّ ؟ قال عمر: نُهينا عن التعمّق والتكلّف ) قال ابن حجر: (إنّه جاء في رواية اُخرى عن ثابت عن أنس أنّ عمر قرأ (فاكهةً وأبّآ) فقال : ما الأبّ ؟ ثمّ قال : ما كلّفنا. أو قال : ما اُمرنا بهذا.

ثمّ إنّ تكملة الحديث موجودة في كتب اُخرى وهي : (أنّ السائل جاء عليّآ  7 فسأله فقال  7: إنّ معنى اللفظ موجود في الآية ذاتها، لأنّ الله سبحانه يقول : (وَفَاكِهَةً وَأبّآ * مَـتَاعآ لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ )  فالفاكهة لكم والأبّ لأنعامكم ).

ومن قبيل حديث الولاية وهو قول النبيّ  6 في حقّ عليّ  7: (عليّ منّي وأنا من عليّ، وهو وليّكم بعدي ) وهو من الأحاديث المتضافرة الذي أخرجه

 

غير واحد من أئمّة الصحاح والسنن وحفّاظ الحديث . وقد نقله ما يقرب من (65) راوي من كبار أئمّة الحديث في كتبهم حسب ما حقّقه السيّد اللكهنوي في كتابه (عبقات الأنوار)  أمّا نصّ الحديث  :أخرج النسائي في سننه قائلا: حدّثنا واصل بن عبد الأعلى عن ابن فضيل عن الأعرج عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : بعثنا رسول الله  6 إلى اليمن مع خالد بن الوليد وبعث عليّآ على آخر، وقال : إن التقيتما فعليّ على الناس ، وإن تفرّقتما فكلّ واحد منكما على جنده ، فلقينا بني زبيد من أهل اليمن ، وظفر المسلمون على المشركين ، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذريّة ، فاصطفى عليّ جاريةً لنفسه من السبي ، فكتب بذلک خالد بن الوليد إلى النبيّ  6 وأمرني أن أنال منه . قال : فدفعت الكتاب إليه ونلت من عليّ، فتغيّر وجه رسول الله  6. فقلت : هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجلٍ وألزمتني بطاعته فبلّغت ما اُرسلت به . فقال رسول الله  6 لي : (لا تقعنّ يا بريدة في عليّ، فإنّ عليّآ منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي ) .

وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عبّاس عن بريدة قال : غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة ، فلمّا قدمت على رسول الله  6 ذكرت عليّآ تنقّصته فرأيت وجه رسول الله  6 يتغيّر، فقال : (يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم )؟ قلت : بلى يا رسول الله، قال : (من كنت مولاه فعليّ مولاه )

ولا تنافي بين الحديثين ، ولعلّ الرسول  6 جمع بين الكلمتين أو أنّ الراوي نقل

بالمعنى . وعلى أيّ حال فالحديث كان مذيّلا بما يدلّ على ولايته 7 بعد رحيل الرسول  6. وقد ورد الحديث بألفاظ اُخرى تدلّ كلّها على نفس المعنى .

لكنّ البخاري أخرج الحديث عن بريدة بالنحو التالي : قال : بعث النبيّ 6 عليّآ إلى خالد ليقبض الخمس ، وكنت اُبغض عليّآ وقد اغتسل ، فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا، فلمّا قدمنا على النبيّ  6 ذكرت ذلک له . فقال : يا بريدة  : أتبغض عليّآ، فقلت : نعم . قال : (لا تبغضه فإنّ له في الخمس أكثر من ذلک) .

فكما ترى أنّه قد حذف الفقرة الأخيرة من الحديث التي هي بمثابة بيت القصيد.

وأمثال ذلک كثير كحديث التيمّم من الجنابة ، ورجم المجنونة ،  وحدّ الخمر ، وقصّة عثمان واُسامة بن زيد ، وقصّة عمر وسمرة بن

 

  

جندب .

 وفي حديث رزيّة يوم الخميس حيث اجتماع الأصحاب عند النبيّ  6 في مرضه الأخير، ذكر البخاري الرواية ولمّا وصل إلى قول عمر المعروف «إنّ الرجل ليهجر» قال : (فقال عمر كلمة معناها أنّ النبيّ غلبه الوجع ).

وأمّا الإشكال المهمّ الآخر، فهو أنّ البخاري كان ضعيفآ في تبويب الأحاديث ، فمن الصعب جدّآ في بعض الأحيان العثور على الحديث المطلوب لأنّه موجود في مكان لا يمتّ له بصلة من قريب ولا من بعيد. مع الإكثار في مكرّراته فيما تبلغ في بعض الموارد إلى أزيد من عشرين مرّة ، مع كون بعضها ممّا يخالف العقل والإجماع .

 

موقع الصحيحين عند أهل السنّة  

 

مع كلّ ما ذكرناه من نواقص وإشكالات على الصحيحين وخاصّة البخاري فإنّنا نجد أنّ علماء العامّة يعتبرون هذا الكتاب من أصحّ الكتب وأمتنها بعد كتاب الله العزيز.

يقول الفاضل النووي في تقريبه : «إنّ أصحّ الكتب بعد القرآن الصحيحان  : البخاري ومسلم وكتاب البخاري أصحّهما وأكثرهما فوائد، وإن رجّح البعض تقديم مسلم عليه ، ولكنّ الصواب والمختار هو الذي ذكرناه » .

ويقول الشيخ أبو الحسن المقدسي : «كلّ من روى عنه في الصحيح فقد جاز القنطرة » وأضاف أنّه لا يجوز الخروج عن هذا الأصل إلّا بحجّة ظاهرة وبيان شافٍ يزيد في غلبة الظنّ على المعنى الذي قدّمناه . وأقرّ هذا المبدأ ابن حجر في مقدّمة فتح الباري ، ودافع دفاعآ قويّآ عن الرجال الذين تعرّضوا للنقد والتجريح من رجال البخاري ، بعد أن عرض ما قيل فيهم من قدح ومدح .

وقد تطوّع لردّ كلّ نقد وتقييم لصحيح البخاري وخاصّة رجاله العشرات من العلماء والمحدّثين لأنّ (من روى عنه فقد جاز القنطرة ) وصحيحه أصبح (بعد كتاب الله) .

ونُقل عن أبي زيد المروزي أنّه قال : «كنت نائمآ بين الركن والمقام فرأيت النبيّ  6 في المنام فقال لي : يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ فقلت : يا رسول الله، وما كتابک ؟ قال : جامع محمّد بن إسماعيل » .

وقال القاسمي في قواعد الحديث حول صحيح البخاري : «هو عِدل القرآن ، وإنّه إذا قُرئ في بيتٍ أيّام الطاعون حُفظ أهله منه . وأنّ من ختمه على أيّ نيّة حصل على ما نواه ، وأنّه ما قرئ في شدّة إلّا فرجت ، ولا ركب به في مركب فغرقت » .

وقال الفريري : «رأيت النبيّ  6 في المنام فقال لي : أين تريد؟ فقلت  : اُريد محمّد بن إسماعيل البخاري ، فقال : اقرأه منّي السلام » .

هذا بالإضافة إلى القصائد الشعريّة التي نُظمت في الإطراء والتعظيم لهذين الصحيحين وخاصّة البخاري ، فمن ذلک قول ابن عامر الجرجاني  :

صحيح البخاري لو أنصفوه         لما خُطّ إلّا بماء الذهبِ

هو الفرق بين الهدى والعمى         هو السرّ دون العنا والعطبِ

أسانيد مثل نجوم السماء         أمام متون كمثل الشهبِ

وقد وصل هذا التعظيم والتبجيل حدّآ جعل الذهبي يقول عند ذكره بعض الأحاديث من الصحيح : «ولولا هيبة الصحيح لقلت أنّها موضوعة » .

 

 لماذا أصحّ الكتب ؟

 

قد يحار الإنسان ـبعد هذه الجولة مع الصحيحين ـ حين يسمع علماء السلف وهم يضخّون هذا الكمّ الهائل من المدح والإطراء والدفاع المستميت ، ويعطونه هالة من القدسيّة لا تدع مجالا لجريء أن يناقش روايةً منه أو ينزلها إلى طاولة البحث ، فهلّا أعنتني أخي القارئ وفتّشت معي عن سبب ذلک التقديس رغم وجود كتب حديثيّة اُخرى لعلماء السلف خالية من كثير من هذه الإشكالات والنواقص ، بل أصحّ سندآ، وأضبط متنآ، وأدقّ تبويبآ وتنظيمآ، وأمتن فكريّآ وعقائديّآ.

ربما ينقدح في الذهن جواب ، إذا عرفنا أنّ البخاري كان أدقّ من غيره في

انتخاب الأحاديث التي يعتقد ويدين بها القوم . فالذي يتابع أحاديث صحيح البخاري يجد أنّ مصنِّفه قد سعى جاهدآ إلى عدم ذكر أيّ منقبة لأهل البيت  :، بل عدم ذكر أيّ أثر لهم وكأنّهم  : غير موجودين أو ليس لهم موقع في التاريخ . فلا وجود لحديث الغدير ـرغم تواتره ـ وحديث آية التطهير، وحديث الطائر المشوي ، وحديث السفينة ، وحديث الثقلين ، ومدينة العلم وأمثالها، في صحيح البخاري ، لكنّه أفرد بابآ خاصّآ في فضائل معاوية .

لقد جمع السيّد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي في كتابه (فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ) الروايات الواردة في فضائل أصحاب الكساء في كتب الصحاح المعروفة ، فلم يحصل على ما يريده من صحيح البخاري إلّا النزر اليسير. نعم هناک بعض الروايات التي تدلّ على أنّ النبيّ  6 كان يحبّ عليّآ  7 أو أنّه  6 قال له  7: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ). إلّا أنّ هذه الروايات وأمثالها لا تفيد الطرف المقابل في إثبات حقٍّ له .

ثمّ إنّ البخاري كان يقارب عصر الإمام الصادق  7، فقد عاش في القرن الثاني والثالث حين توفّي سنة (256 ه ) وكان قد استشهد الإمام الصادق  7 في القرن الثاني (148 ه ). وكانت المدينة آنذاک مركزآ لتدريس علوم الإمام الصادق 7 الذي لم يُر في حديثه أسناد لغير آبائه الطاهرين  :. فإذا أراد أن يسند فسلسلة حديثه : (حدّثني أبي الباقر، قال : حدّثني أبي زين العابدين ، قال  : حدّثني أبي الحسين ، قال : حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني رسول الله  6) وهو أصحّ الأسانيد عند علماء الحديث .

يقول أسد حيدر: انتشر ذكر مدرسة الإمام الصادق  7 في جميع الأقطار

الإسلاميّة فأصبحت جامعة إسلاميّة كبرى تقصدها وفود الأمصار، حتّى كان عدد المنتمين إليها أربعة آلاف كلّهم من حملة الحديث . ولم يعرف لأحد من أئمّة المذاهب من التلاميذ مثل ما عُرف للإمام الصادق مع تباعد أقطارهم . فكان تلاميذه من العراق ومصر وخراسان وحمص والشام وحضرموت وغيرها... ثمّ ينقل كلامآ لابن حجر حيث يقول : «نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان » وكلامآ للخزرجي إذ يقول : «وروى حديث خلق لا يحصون » .

وقد استوطن البخاري المدينة مدّة (6) سنوات يأخذ عن علمائها الحديث وتكرّرت رحلاته إلى مركز التشيّع يومذاک ـبغداد والكوفة ـ حتّى نسى البخاري عددها لكثرتها، وكانت الحجاز والعراق في ذلک العصر غاصّتان بأصحاب الإمام الصادق  7 بحيث يصعب إحصاؤهم . ثمّ إنّ الأقوال التي وردت في حقّه  7 من قبل علماء أهل السنّة ومؤسّسي مذاهبهم لا تقبل التغاضي والإغماض ، كقول مالک بن أنس : «جعفر بن محمّد اختلفتُ إليه زمانآ فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال : إمّا مصلٍّ وإمّا صائم وإمّا يقرأ القرآن ، وما رأت عينٌ ولا سمعت اُذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علمآ وعبادةً وورعآ» . وكقوله أبي حنيفة : «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد...» . وقول ابن أبي العوجاء: «ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء

ويتروّح إذا شاء، فهو هذا، فأشار إلى الصادق » . إلى غير ذلک الكثير.

ومع ذلک كلّه لم يروِ البخاري حديثآ واحدآ عن هذا الإمام الهمام . لكنّه يروي عن أمثال عمران بن حطان السدوسي من رؤوس الخوارج الذي قال في مدح ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين  7  :

يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها         إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يومآ فأحسبه         أوفى البريّة عند الله ميزانا

وأمثاله ممّن عُرفوا بالنصب والعداء لعليّ  7 وأهل بيته الأطهار  :.

ولعلّ ما يؤيّد ذلک ما قاله البخاري : «صنّفت كتابي الصحاح لستّ عشرة سنة ، خرّجته من ستمائة ألف حديث ، وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله تعالى » .

ورواية الإسماعيلي عنه : «لم اُخرج في هذا الكتاب إلّا صحيحآ، وما تركت من الصحيح أكثر» . فما هي تلک الأحاديث الصحيحة المتروكة يا تُرى ؟

لقد أجاب بعضهم عن ذلک فقالوا في حقّ البخاري : «إنّه استراب في حقّ جعفر بن محمّد الصادق ! فلم يروِ له ولم يحتجّ بخبره ، ولم يرَ حديثه لائقآ بالإيداع في صحيحه » فاقرأ واعجب .

ومن جانب آخر لا يجد المتتبّع لصحيح البخاري أيّ منقصة أو مثلبة لبقيّة الأصحاب ، وكأنّ التاريخ لم يذكر شيئآ من ذلک . فقد حاول البخاري عدم نقل تلک الأحاديث أو سعى في تقطيعها بشكل لا يظهر نقص فيهم ، بالإضافة إلى نقل روايات واضحة الجعل في تعظيمهم .

ومن جانب ثالث فإنّ ذكر روايات تسيء لمقام النبيّ الأكرم  6 ومكانته الحقيقيّة والحقوقيّة وإظهاره بصفة رجل عادي يخطأ ويسهو ويذنب يتيح للحكّام الذين تربّعوا على كرسيّ الخلافة فعل ما يحلو لهم ، بعد أن كان نبيّهم قد أخطأ قبلهم ، ولا يدع مجالا لمؤاخذة الخلفاء إذا ورد عنهم خطأ ما. بل إنّه أضفى على الأصحاب صبغة المنبّه والمصحّح والمعلّم للنبيّ  6.

وكلّ هذا ما سعت السياسة المنحرفة والحكومات الظالمة أن تجعله دينآ يدين به الناس مستعينين برواة الحديث ورجاله ، وقد قام بهذا الدور بشكل دقيق البخاري دون غيره من رجال الحديث ، فحتّى مسلم قد سها قلمه وذكر في صحيحه بعض الأحاديث التي لا يرغب بها القوم ، فكان بالدرجة الثانية بعد البخاري . وهكذا كلّما كانت دقّة المصنّف أقلّ في هذا المجال كان كتابه أضعف وثاقةً وأقلّ اعتمادآ.

 

المصادر 

 

1 ـ أضواء على السنّة المحمّديّة ـ محمود أبو ريّة ـ مؤسّسة أنصاريان ـ قم ـ 1416 ه .

2 ـ أضواء على الصحيحين ـ محمّد صادق النجمي ـ مؤسّسة المعارف الإسلاميّة ـ قم ـ الطبعة الاُولى ـ 1419 ه .

3 ـ الإمام البخاري وفقه أهل العراق ـ الشيخ حسين غيب غلامي الهرساوي ـ دار الاعتصام ـ بيروت ـ الطبعة الاُولى ـ 1420 ه  ـ 2000 م .

4 ـ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ـ أسد حيدر ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ الطبعة الثالثة ـ 1403 ه .

5 ـ تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي ـ دار الفكر ـ بيروت .

6 ـ سير أعلام النبلاء ـ الذهبي ـ مؤسّسة الرسالة ـ تحقيق شعيب الأرنؤوط .

7 ـ صحيح البخاري ـ إسماعيل البخاري ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ 9 أجزاء في 3 مجلّدات ـ لم يذكر تاريخ الطبع .

8 ـ صحيح مسلم ـ أبو الحسين مسلم النيسابوري ـ دار إحياء التراث ـ بيروت ـ 5 أجزاء ـ الطبعة الاُولى ـ 1374 ه  ـ 1955 م .

9 ـ عفوآ صحيح البخاري ـ الدكتور عبد الأمير غول ـ دار المحجّة البيضاء ـ بيروت ـ الطبعة الاُولى ـ 1999 م .

10 ـ القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع ـ شيخ الشريعة الإصفهاني ـ اعتماد ـ قم ـ الطبعة الاُولى ـ 1422 ه .

11 ـ الكامل في ضعفاء الرجال ـ ابن عديّ ـ دار الفكر ـ بيروت ـ الطبعة الاُولى ـ 1404 ه .

12 ـ لسان العرب ـ ابن منظور.