akdak

المقالات

القسم الولائي

الإمام الكاظم عليه السلام موقفه في السجن

16

علي موسى الكعبي

السجن في عرف الإمام عليه السلام هو ابتلاء ينقضي مثلما ينقضي الرخاء ، لكن هناك يوم طويل أعده الله للمقاصّة من الطغاة الظالمين ، ذلك هو فحوى رسالته التي بعثها الإمام عليه السلام من السجن إلى هارون لما طال سجنه ، ونصّها : « إنه لن ينقضي عنّي يوم من البلاء إلّا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتّى نفضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون » (۱).

والسجن عند الإمام الكاظم عليه السلام مدرسة للعبادة والطاعة والصبر يسخرها الإنسان العارف لبلوغ مدارج الكمال ، ويتعلم فيها ويعلّم العزم الثابت والإرادة الصلبة والتصميم الراسخ على تحمّل الأزمات ، فصبر راضياً بما قضاه الله حتّى سمّي الكاظم لما تحمّل من صعاب وما كظم من غيظ عمّا فعله الظالمون به.

كان عليه السلام في السجن سيّد الصابرين وإمام العابدين الذي يشكر خالقه لأنّه حقّق مراده ففرّغه لعبادته والانقطاع لطاعته بقوله : « اللهم إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهم وقد فعلت ، فلك الحمد » (۲). من هنا كان عليه السلام يحيي الليل كلّه صلاة وقراءة للقرآن ودعاء ، ويصوم النهار في أكثر الأيّام.

لقد واجه الإمام الكاظم عليه السلام السجن بروح ملؤها الصبر والإصرار والتحدّي ، فلم يهن ولم تلن له قناة ، بل بقي في موقع القوة والصلابة والعنفوان والإخلاص لله ولرسوله وللإسلام والأمّة ، كما لم يخطر بباله أن يظهر الإذعان والخضوع إلى السلطان الجائر كي يستدر عطفه وشفقته ، فقد قيل له عليه السلام وهو في الحبس : « لو كتبت إلى فلان يكلّم فيك الرشيد ؟ فقال : حدّثني أبي عن آبائه : أن الله عزّ وجلّ أوحى إلى داود : يا داود ، إنّه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني ... إلّا وقطعت عنه أسباب السماء ، وأسخت الأرض من تحته » (۳).

الهوامش

۱. البداية والنهاية ١٠ : ١٩٧ ، تاريخ بغداد ١٣ : ٣٣ ، نور الأبصار / الشبلنجي : ٢٠٤ ، إسعاف الراغبين / ابن الصبان : ٢٤٨ ، تذكرة الخواص : ٣٦٠ ، الفصول المهمة : ٢٢٢ ، الكامل في التاريخ ٦ : ١٦٤ ، سير أعلام النبلاء ٦ : ٢٧٣.

۲. الإرشاد ٢ : ٢٤٠ ، الفصول المهمة : ٢٢٠.

۳. تاريخ اليعقوبي ٢ : ٤١٤.

مقتبس من كتاب : [ الإمام موسى الكاظم عليه السلام سيرة وتاريخ ] / الصفحة : ۷۳ ـ ۷٤