akdak

المقالات

قسم القرآن الكريم

تفسير آية إكمال الدين

66

الميرزا عبد الرسول الحائري

كمال الدين بولاية علي عليه الصلاة والسلام

تفسير الآية المباركة

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}[۱]

اتفق جمهور المفسرين أن الآية المباركة نزلت في يوم غدير خم , عندما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين , بالولاية الكلية المطلقة لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام , بأمر من الله عز وجل.

ومعنى الآية , أن الله عز وجل يقول للمسلمين : أنه لا كمال للدين , ولا تمام لنعمة الإسلام , إلا بولاية علي بن أبي طالب , بحيث إن لم تبلغ إليكم كأصل أساس للإسلام , ولم تعترفوا بذلك , وتلتزموا به ,كان إسلامكم ناقصاً , ومرفوضاً , وغير مقبول عندي.

ونفهم من ذلك أن الذين نقضوا البيعة , ولم يقروا بولاية أمير المؤمنين بعد إبلاغهم ، وعهدهم ، وبيعتهم دنيهم ناقص , ولا نصيب لهم من النعمة الإلهية التي هي الولاية، ولا يرضى منهم دينهم . وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة , نورد منها :

۱٫ تفسير مجمع البيان : روي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قالا..: إنه إنما أنزلت بعد أن نصب النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه الصلاة والسلام علماً يوم (غدير خم ) , منصرفه عن حجة الوداع , قالا : وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى , ثم لم ينزل بعدها فريضة [۲].

۲٫تفسير (مجمع البيان ) , و(تأويل الآيات ): يروي جمهور المفسرين , من الشيعة والسنة , عن أبي سعيد الخدري أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا الناس إلى علي يوم غدير خم , وأمر بقلع ما تحت الشجر من الشوك , وقام فدعا علياً عليه السلام , فأخذ بضبعيه حتى نظر الناس إلى إبطيه ، وقال :

من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه , وعاد من عاداه , وانصر من نصره , واخذل من خذله. ثم لم يفترقا حتى أنزل الله , عز وجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }[۳] الآية فقال النبي صلى الله عليه وآله : الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة , ورضى الرب برسالتي , وبولاية علي من بعدي [۴].

۳٫(أصول الكافي) و(تفسير الصافي ) : عن الباقر عليه الصلاة والسلام : كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض , فأنزل الله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[۵] , قال : لا أنزل بعد هذه الفريضة , قد أكملت لكم الفرائض [۶].

أقول : إن الذين آمنوا بالرسول بعد بعثته , وانتشار رسالته , إيمانا قلبياً وراسخاً , هم عدة قليلة , ومعدودون , ولكن البقية , والمستكبرين من قريش خاصة أمثال أبو سفيان , وأعراب البادية , لم يعتقدوا بالإسلام من قلوبهم , لأنهم وجدوا في الإسلام مانعاً , وسداً , يمنعهم من ميولهم , وشهواتهم النفسية , وسيطرتهم , ونزواتهم ، وكبريائهم.

إن الإسلام في نظامه السماوي , قطع أيدي الظلم والطغيان عن أرواح الناس وأموالهم , ونواميسهم , وأوجد نظاما على أساس العدل والتقوى , يقاوم كل أنواع السيطرة والاستعمار , مهما تطاولت أعناق متداوليها. ولذلك لم يتمكن طغاة الجاهلية من استدامة مواقعهم الاجتماعية , فراحوا يترصدون الفرص لهدم ما جاء به الإسلام , والعودة إلى ممارسة الوحشية التي استهدفت أموال وأرواح الناس المستضعفين. وبهذا يكون تظاهرهم بالإسلام إما طمعاً في الحصول على مآربهم , من خلال النظام الجديد. وإما خوفا من الذل والسقوط من مواقعهم . و لذلك يقول القرآن الكريم واصفاً إياهم { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ }[۷] ، وقال في موضع آخر {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[۸] , وقال عز من قائل { الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }[۹]، وقال تعالى في نفاقهم وتلونهم { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ }[۱۰].

وهكذا , وبعد التعمق في الآيات المذكورة , والآيات الكثيرة الأخرى من القرآن الكريم , يثبت أن إسلام أكثر المسلمين , لم يكن من قلب سليم , وعقيدة راسخة , وان هؤلاء هم المنافقون الذين كانوا يمثلون الأكثرية من المسلمين ذاك اليوم , ولم يلتزموا بالقوانين الإسلامية عمليا , ولم تكن عندهم رغبة وميول في تلك القوانين ، بل راحوا يفتشون عن الفرصة المناسبة , لطمسها , وسحقها , حتى انتهزوا حدث وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , لينثروا بذور النفاق بين المسلمين , ويسلبوا زمام أمور المسلمين من يد صاحب الولاية بنص القرآن .

إنها الفرصة الثمينة المناسبة التي وجدوها بعد أن كانوا يعدون لها الأيام. وفي قبالهم العدد القليل من المسلمين الذين رسخ الإسلام والإيمان في قلوبهم , وتشربوه في أفكارهم وأرواحهم , ولم تكن عندهم القدرة والنباهة في حفظ تفسير القرآن وأحكامه , ومفاهيمه , وإبلاغ ذلك إلى المسلمين القاطنين في البلاد الإسلامية الواسعة , والأجيال الصاعدة , فيمكنوهم من الوقوف أمام الاتجاه الفاسد والعنيد من الأعداء.

وعليه كان على الله سبحانه , ومن باب اللطف , وحرصاً منه على حفظ وحماية دينه , وحرصاً عليه من التحريف , أن يجعل على المسلمين إماماً وخليفةً ، معصوماً وقادراً . لأن يكون حافظاً وحارساً للدين من الإندراس , بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشارحاً للقرآن , مانعاً بذلك من حدوث الفتن , والبدع فيه.

وكذلك كان على الله عز وجل , أن يعين أوصياء لهذا الخليفة , ليكونوا الأمناء على الرسالة , وحاملي الراية , وحافظي الوحي والعلوم الإلهية , وهؤلاء الأوصياء حريصون على غرس الدين الإسلامي , وشريعته السمحاء , لوقوفهم أمام أصحاب البدع والأهواء , وأعداء الدين .

إن الله عز وجل كما عين أوصياء للأنبياء السابقين بنفسه, وعينهم بإرادته , ولم يشرك أحداً من الناس في قراره , ولم يترك الأمر للناس شورى ولا رأي ولا إجماع , وغير ذلك فعل في تعيين خليفة آخر الأنبياء ، وعينه بنفسه, ولم يشرك أحداً في قراره .

إن هذا الخليفة العظيم الذي كان في الواقع حافظ العلوم الإلهية , ومنفذ الأوامر والواجبات العظيمة , لزم عقلاً أن يكون عالماً وقادراً على ذلك , وأن يكون قوي البرهان , وقوي الإيمان , كما كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مهيئاً للتصدي وتحمل كل هذه المشاق والصعوبات .

فعندما نتصفح كتاب التاريخ نجد أن الشخصية العظيمة الوحيدة , الذي كان بمنزلة نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في خصائصه ومواصفاته هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب[۱۱] عليه الصلاة والسلام فقط, وأن هذا الرداء الملكوتي لا يمكن أن يرتديه أحد غيره , وهو الوحيد القادر على حفظ هذه الأمانة , وتحمل مسؤولية الدين الإسلامي الحنيف , بما كان يحتوي عليه من علم وتقوى , وفضائل خرجت من بين المؤالفين والمخالفين .

إن الله سبحانه ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , اختصا كرسي الولاية والخلافة بأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام , وأولاده الطاهرين صلوات الله عليهم لأن لا أحد سواهم يستحق ذاك الموقع والمكانة , ومن كان له أدنى معرفة بتاريخ الإسلام ، وتبصر بعين الحقيقة المجردة , يجد صحة هذا الكلام جلياً وواضحاً .

إن أعداء علي عليه الصلاة والسلام فضلاً عن أحبائه ومع كل العناد الذي كانوا يضمرونه له , لم يتمكنوا أن ينكروا فضله وموقعه , وراحوا يعترفون بمقامه الشامخ في الإسلام , وأن لا مثيل له ، ولا نظير , بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وها هي الكتب مشحونة بتصاريحهم بذلك , وسجلها التاريخ ، بحيث لا مجال لنا بذكرها في هذا المجال المختصر , ومن شاء التأكد من صحة ما نقول فليرجع إلى بطون الكتب , وهوامش المصنفات .

وهنا أرى من المناسب واللازم أن نذكر بعض تلك الأقوال والشهادات بأن علياً عليه الصلاة والسلام هو الذي ورث علم الرسول , واستحق بذلك المقام الرفيع , فأذكر بعض هذه النصوص من طرق أهل السنة من باب المجادلة[۱۲] { بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[۱۳].

(۱) (منتخب كنز العمال )[۱۴] : عن ابن عباس , عن جابر بن عبد الله الأنصاري : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها , فمن أراد العلم فليأت الباب [۱۵].

(۲) عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء, فأعطي علي تسعة أجزاء, والناس جزءاً واحداً, وعلي أعلم بالواحد منهم [۱۶].

(۳) عن علي عليه الصلاة والسلام قال : أحاج الناس يوم القيامة بتسع : بإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر , والعدل في الرعية , والقسم بالسوية , والجهاد في سبيل الله ، وإقامة الحدود وأشباهها [۱۷].

(۴) أخرج الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين ) قال : عن ابن عباس , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا مدينة العلم وعلي بابها , فمن أراد المدينة فليأت الباب .

وهذا الحديث ذكره السيوطي[۱۸] في كتابه ( الجامع الصغير : ص ۱۰۷ ) , وألف الإمام أحمد بن محمد الصديق المغربي المصري ( ت ۱۳۸۰ هـ)[۱۹] ، كتاباً صحح فيه هذا الحديث وأسماه < فتح الملك العلي بصحة باب مدينة العلم علي >.وطبع في المطبعة الإسلامية بأزهر مصر عام ( ۱۳۵۴هـ )[۲۰].

(۵) (كنز العمال ): عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : علي باب علمي , ومبين علمي , ومبين من بعدي لأمتي ما أرسلت به حبه إيمان , وبغضه نفاق [۲۱].

(۶) (مناقب ابن المغازلي الشافعي ): عن ابن عباس , قال رسول الله صلى الله عليه وآله : علي مني مثل رأسي من بدني [۲۲].

(۷) (الصواعق المحرقة ) لابن حجر: عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: علي مني بمنزلتي من ربي [۲۳].

(۸) (مستدرك الحاكم النيسابوري ) : عن أنس بن مالك , عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه الصلاة والسلام : يا علي أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي[۲۴].

يقول صاحب كتاب ( المراجعات ) في ذيل هذا الحديث: من تدبر في هذا الحديث وأمثاله يعلم أن علياً من رسول الله بمنزلة رسول الله من الله عز وجل , يقول الله تبارك وتعالى مخاطباً نبيه { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[۲۵], والرسول يقول لعلي: يا علي ! أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي .

(۹) (كنز العمال ): عن أبي بكر, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كفي وكف علي في العدل سواء [۲۶].

(۱۰) (كنز العمال ) : روى الديلمي , عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : أنا المنذر وعلي الهادي , وبك يا علي يهتدي المهتدون [۲۷].

(۱۱) (ميزان الاعتدال ) : عن ابن عباس , قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه , وإلى نوح في حكمته , وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى علي عليه الصلاة والسلام [۲۸].

(۱۲) ونرغب هنا في هذا المجال أن ننقل لكم مجموعة من الأحاديث المختلفة والمتفرقة التي تتناول أمير المؤمنين بفضائله ومآثره, فنقول :

(أ) روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أما بعد : فإني أمرت بسد هذه الأبواب , غير باب علي , فقال فيه قائلكم , واني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته , ولكني أمرت بشيء فاتبعته.

(ب) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه , عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد , غيري وغيرك .

(ج) عن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي, ولا أنا تركته, ولكن الله أخرجكم وتركه, إنما أنا عبد مأمور, ما أمرت به فعلت, إن أتبع إلا ما يوحى إلي .

(د) عن علي عليه السلام قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق .

(هـ) ابن منده , عن رابع مولى عائشة مرفوعاً : عادى الله من عادى علياً .

(و) عن أنس مرفوعاً: عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب .

(ز) عن عمرو بن شأس مرفوعاً : من آذى عليا فقد آذاني .

(ح) عن سلمان رضي الله عنه مرفوعاً : من أحب عليا فقد أحبني , ومن أبغض عليا فقد أبغضني .

(ط) عن أم سلمة مرفوعاً : من سب علياً فقد سبني , ومن سبني فقد سب الله .

(ي) عن جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعاً : علي إمام البررة , وقاتل الفجرة ، منصور من نصره , مخذول من خذله .

(ك) عن ابن عباس مرفوعاً: علي باب حطة, من دخل منه كان مؤمنا, ومن خرج منه كان كافراً .

(ل) عن ابن عمر مرفوعاً: أنت أخي في الدنيا والآخرة قاله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه الصلاة والسلام.

(م) عن البراء بن عازب مرفوعاً : أنت مني وأنا منك قاله لعلي عليه الصلاة والسلام.

(ن) عن عمران بن حصين مرفوعاً: ما تريدون من علي, إن علياً مني وأنا منه, وهو ولي كل مؤمن بعدي .

(س) عن البراء , عن بريدة مرفوعاً : من كنت مولاه فعلي مولاه .

(ع) عن بريدة مرفوعاً : من كنت وليه فعلي وليه .

(ف) عن حبشي بن جنادة مرفوعاً : علي مني وأنا من علي , ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي .

(ص) عن أم سلمة مرفوعاً : علي مع القرآن , والقرآن مع علي ، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض .

(ق) عن ابن عمر مرفوعاً : ألا أرضيك يا علي ! أنت أخي , ووزيري , تقضي ديني , وتنجز موعدي , وتبرئ ذمتي , فمن أحبك في حياة مني ، فقد قضى نحبه , ومن أحبك في حياة منك بعدي , ختم الله له بالأمن والإيمان ,ومن أحبك بعدي , ولم يرك , ختم الله له بالأمن والإيمان , وآمنه يوم الفزع , ومن مات وهو يبغضك , يا علي , مات ميتة جاهلية , يحاسبه الله بما عمل في الإسلام [۲۹].

(۱۳) ( ينابيع المودة )[۳۰] بالإسناد إلى علي بن الحسن , عن علي الرضا , عن أبيه , عن آبائه , عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , في حديث له إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام وفي آخر الحديث يقول الرسول لعلي عليه الصلاة والسلام : يا علي ! من قتلك فقد قتلني , ومن أبغضك فقد أبغضني , ومن سبك فقد سبني , لأنك مني كنفسي , روحك من روحي , وطينتك من طينتي , وإن الله تبارك وتعالى , خلقني وخلقك من نوره , واصطفاني واصطفاك , فاختارني للنبوة , واختارك للإمامة ,فمن أنكر إمامتك , فقد أنكر نبوتي . يا علي ! أنت وصيي, ووارثي ، وأبو ولدي , وزوج ابنتي , أمرك أمري , ونهيك نهيي , أقسم بالله الذي بعثني بالنبوة ، وجعلني خير البرية , إنك لحجة الله على خلقه , وأمينه على سره , وخليفة الله على عباده …”[۳۱].

بعد نقل هذه الأحاديث التي مرت عليك ، والتي كلها عبارة عن جزء من آلاف الأحاديث المعتبرة , المنقولة عن أكابر علماء أهل السنة , لم يبق مجال للشك , أو الإنكار , بأن علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام هو الشخص الوحيد الذي يحق له إحراز مقام الولاية والخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , ونظن بأن هذا المقدار من الأحاديث التي أثبتناها وغيرها من الأحاديث التي تجدها في مظانها من كتب المناقب يكفي لإثبات ذلك , ولا يصر بعد هذا على إنكار أحقية علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام بالولاية والخلافة ,إلا المعاند الجاهل .

وهناك أمر آخر يجب أن يهتم به, ولأجل الإيضاح نذكره هنا :

بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , ثبت بالاعتماد على كثير من الروايات والأحاديث المعتبرة, أن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام, وفي أيام الخلفاء الثلاثة , كان يصحح كثيراً من الفتاوى والأحكام , والقضاء منها على وجه الخصوص , التي كانوا يصدرونها خطأ في غالب الأحيان , والتي كانت خلاف الشرع , حتى إن الخليفة الثاني ذكر مراراً ، وجهاراً : ( لولا علي لهلك عمر ) قال عمر : عجزت النساء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب , ولولا علي لهلك عمر [۳۲].

ولكن في عهد خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام, أو في موارد أخرى, كان الإمام يحكم , ويقضي , في القضية المعترضة, أو الحادثة , وما كان يحتاج إلى مشورة أحد , وما كان يسمح لأحد أن يتدخل في ذلك.

وبعد مرور أربعة عشر قرناً , على زمان علي عليه الصلاة والسلام, لا زالت أحكام القضاء والفتاوى العادلة , والخطب الرنانة البليغة , التي كان يلقيها على المسلمين ، وكلماته التي كانت جميعها مملوءة بالحكمة والموعظة , كلها منبعا لمفكري العال ، وملهما لآثارهم النفيسة , التي تركها نوابغ العلم والأدب , إلى عصرنا الحاضر.

وبناء على ما تقدم , يثبت أن خليفة الرسول الأعظم , خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقي , ووارث علومه ودرجاته , لم يكن غير مولى المتقين علي عليه الصلاة والسلام, بشهادة واعتراف الخلفاء الثلاثة , وعلماء ومفكري العالم , وإن علياً عليه الصلاة والسلام وأولاده الأطهار عليهم الصلاة والسلام هم خلفاء الرسول من بعده أقدر من غيرهم على حمل الرسالة الإسلامية المقدسة , وأدائها.

وعليه إن إكمال الدين , وإتمام النعمة , لا يكون مطلقاً, إلا بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, و الإسلام من دون الولاية لعلي عليه الصلاة والسلام , وأولاده الأئمة الأطهار, إسلام ناقص, بالموازين الإلهية, وتوصيات وقرارات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وليس لهذا الإسلام الناقص أي وزن.

—————

[۱] سورة المائدة ، الآية : ۳

[۲] مجمع البيان : ۲/ ۱۵۹ . وعنه البرهان : ۱/ ۴۵۳ . وعنه تفسير الصافي : ۲/ ۱۰

[۳] سورة المائدة ، الآية : ۳

[۴] تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة : ۱/ ۱۴۵- وأورده الخوارزمي في مناقبه : ص ۸۰ وفي مقتله : ص ۴۷ تفسير فرات : ص ۱۹ – وفي فرائد السمطين : ۱/ ۷۲ – راجع إحقاق الحق : ۶/ ۳۵۵

[۵] سورة المائدة ، الآية : ۳

[۶] تفسير الصافي : ۲/ ۱۰

[۷] سورة الحجرات ، الآية : ۱۴

[۸] سورة التوبة ، الآية : ۹۸

[۹] سورة التوبة ، الآية : ۹۷

[۱۰] سورة التوبة ، الآية : ۱۰۱

[۱۱] في حديث آية المباهلة { وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } دليل على ما يقول سماحة المؤلف (حفظه المولى) . وروى الخوارزمي في مناقبه : ص ۹۰: ” قالت عائشة : من خير الناس بعدك يا رسول الله ؟ قال علي بن أبي طالب هو نفسي , وأنا نفسه “.

[۱۲] إشارة إلى قوله { تعالى ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل۱۲۵

[۱۳] سورة النحل ، الآية : ۱۲۵٫

[۱۴] على هامش مسند أحمد بن حنبل.

[۱۵] منتخب : ۵/ ۳۰٫

[۱۶] المصدر نفسه : ۵/ ۳۳٫

[۱۷] المصدر نفسه : ۵/ ۵۴ .

[۱۸] الحافظ جلال الدين , أبو الفضل , عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد , ابن أبي بكر , بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن همام الدين الخضيري السيوطي المتوفي ۹۱۰/۹۱۱هـ . عالم مشارك في أنواع العلوم , صنف في مختلف المواضيع , وقد استقصى الداودي مؤلفاته فتجاوزت عدتها الخمسمائة مؤلف , وقد أخذ عن غالب عصره , وبلغ شيوخه نحو ثلاثمائة شيخ , ومن أهم مؤلفاته رسالة في الحديث أسماها : ( كشف اللبس عن حديث رد الشمس ) ( راجع كشف الظنون ۲/ ۱۴۹۴ والغدير : ۳/ ۱۲۸ , ومقدمة كتاب ( فتح الملك العلي : ص ۱۸ ) .

[۱۹] أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الحسني المغربي المتوفي ( ۱۳۸۰ هـ) : محدث حافظ من أهل المغرب الأقصى , اشتغل بالحديث والتفقه فيه , وانصرف إلى دراسته وتدريسه وأصبح حافظا ومحدثا . له مؤلفات وكتابات كثيرة منها : ( فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ) وطبع في المرة الأولى في القاهرة عام ( ۱۳۵۴ هـ ) ويحتوي على ( ۱۰۲صفحة ) , ( سبل السعادة وأبوابها ، بصحة حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ذكره في كتابه فتح الملك العلي ( ۱۰۲) ط.الأولى , و( إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ) , و( المعجم الوجيز للمستجيز) راجع معجم المؤلفين : ۱۳/۳۶۸, ومقدمة كتاب (فتح الملك العلي :ص ۹-۱۰).

[۲۰] الكتاب صور في بيروت بتحقيق محمد هادي الأميني / توزيع دار الكتاب الإسلامي.

[۲۱] كنز العمال : ۶/ ۱۵۶

[۲۲] المناقب : ص ۹۲ , ومناقب الخوارزمي : ص ۸۹و۹۱ ، والصواعق المحرقة : ص ۷۵ , ومنتخب كنز العمال : ۱/۳۰ ورواه القندوزي في ( ينابيع المودة ) من طريق ابن المغازلي

[۲۳] الصواعق: المقصد الخامس من مقاصد الآية (۱۴) من آيات الباب (۱۱)

[۲۴] المستدرك ۳/ ۱۲۲ و( كنز العمال ۶/۱۵۶ )

[۲۵] سورة النحل ، الآية : ۶۴

[۲۶] كنز العمال: حديث ۲۵۳۹ ص ۱۵۳, ج۶٫ وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه : ۵/ ۳۷ والخوارزمي في مناقبه: ص۲۳۵

[۲۷] كنز العمال: ۶/ ۱۵۷ حديث ۲۶۳۱٫

[۲۸] ميزان الاعتدال لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي(ت۷۴۸هـ ) . تحقيق علي محمد البجاري : ۴/۹۹٫ وفي الباب حديث أبي الحمراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه , وإلى نوح في فهمه , وإلى يحيى بن زكريا في زهده , وإلى موسى بن عمران في بطشه , فلينظر إلى علي بن أبي طالب” أخرجه أخطب خوارزم في مناقبه : ۴۹ , و ۲۴۵ , والمحب الطبري في الرياض النضرة: ۲/ ۲۱۷ وذخائر العقبى : ص ۹۳ , ورواه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج : ۲/ ۲۲۹ وقال : ورواه أحمد في المسند , ورواه البيهقي في صحيحه ( راجع البداية والنهاية : ۷/۳۵۶ , لسان الميزان : ۶/ ۲۴ – مناقب ابن المغازلي : ص ۲۱۲ , وهامشه أيضاً ).

[۲۹] سماحة المؤلف – حفظه المولى سبحانه – أتحف القراء الأعزاء بمجموعة من الأحاديث استلها من كتاب ( منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ) على هامش ( مسند أحمد بن حنبل – ط . دار الفكر بيروت: ۵/ ۲۹ وما بعدها ).

[۳۰] ينابيع المودة : سجل عظيم للأحاديث النبوية في مناقب الإمام علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) , وهو من تأليف وتصنيف العلامة السند شيخ سليمان ابن إبراهيم المعروف ب(خواجة كلان ) ابن شيخ محمد معروف المشتهر به باب خواجه الحسيني البلخي القندوزي الحنفي ( ت ۱۲۷۰ هـ ).

[۳۱] ينابيع المودة : ۱/ ۵۱ .

[۳۲] ( فرائد السمطين : ۱/ ۳۵۱) . قال عمر :” أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن – يعني عليا بن أبي طالب عليه السلام( فرائد السمطين : ۱/ ۲۴۵ ) . وقال : ” اللهم لا تنزلن بي شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي ” فرائد السمطين : ۱/ ۳۴۳ ) وقال : ” اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب حياً ” ( فرائد السمطين : ۱/ ۳۴۸ ) وقال :” أعوذ بالله من معضلة لا علي لها ” ( فرائد السمطين :۱/ ۳۴۸ ) .

وأخذ عمر برأس علي, وقبل بين عينيه ثم قال :” بأبي أنتم ! بكم هدانا الله , وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور !” ( فرائد السمطي ۱/ ۳۴۹) وكان عمر بن الخطاب يقول لعلي عليه السلام – فيما كان يسأله عنه فيفرج عنه -: ” لا أبقاني الله بعدك يا علي !” ( فرائد السمطين :۱/ ۳۴۹ ) .وقال عمر : ” كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب “( أخرجه الكنجي الشافعي في ) كفاية الطالب : ص ۹۶), ( ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة : ص ۱۸ ) و( راجع الغدير في السنة والأدب : ۶/ ۹۳ وما بعدها ).

الكاتب: الميرزا عبد الرسول الحائري