akdak

المقالات

قسم الفقه

ويمكن الجواب عن القاعدة بتقريبين

81

---------

]التقريب الأول :[

]ومجمل القول فيه[ أنّ القاعدة المذكورة مختصّة بالمعاليل الطبيعية ولا تنطبق على الأفعال الاختياريّة ، والوجه في ذلك أنّ القاعدة المذكورة مبتنية على مسألة السنخية والتناسب التي هي الأساس للعلّية ، ولذا كان وجود المعلول مرتبة نازلة من وجود العلّة .

وإن شئت قلت : أنّه متولّد منها ومستخرج من صميم ذاتها كالحرارة المتولّدة من النار ، فبطبيعة الحال يصير وجود المعلول ضروريّاً عند وجود علّته ، ويكون معدوماً عند عدمها . وهذا بخلاف الأفعال الاختياريّة . لأنّها غير مستندة إلى مبدء السنخيّة ; لأنّها لا تتولّد من صميم ذات الفاعل ، ولا  تخرج من كمون وجوده ، لتكون مرتبة نازلة من وجوده ، بل هي مبائنة له ذاتاً ووجوداً وتصدر منه بالاختيار وإعمال القدرة ، وليس هناك حتم ووجوب ، فله أن يفعل وأن لا يفعل ، فالأفعال الاختياريّة تحتاج في تحقّقها إلى الفاعل وإعمال قدرته لا إلى العلّة التامّة .

وتدلّ على ما ذكرناه الآيات الشريفة القرآنيّة ، منها قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)([1]) ، فيشير عزّ من قائل إلى احتياج الفعل إلى الفاعل والخالق ، والفاعل لهذه الأفعال هو الإنسان ، فيفعلها باختياره وإعمال قدرته من دون أن تكون هناك علّيّة تامّة .

وإن أبيت إلاّ عن العلّة التامّة فنقول : إنّ العلّة التامّة للفعل إنّما هي إعمال القدرة بتحريك العضلات نحو العمل ، فيتحقّق الفعل به لا محالة ، والفعل بذلك وإن صار ضروريّاً وواجباً إلاّ أنّه حيث كان إعمال القدرة الذي هو العلّة التامّة له اختياريّاً ، فلا ينافي الاختيار ، فيكون الفعل ضروريّاً بشرط الاختيار ، ومن الواضح أنّ الضرورة بشرط الاختيار لا  تنافي الاختيار بل تؤكّده([2]) .

]وأما تفصيل الكلام فيه فهو :[ أنّ كلّ ممكن ما لم يجب وجوده من قبل وجود علّته يستحيل تحقّقه ووجوده في الخارج ، ومن هنا يقولون أن كلّ ممكن محفوف بوجوبين :

وجوب سابق : وهو الوجوب في مرتبة وجود علته .

ووجوب لا حق : وهو الوجوب بشرط وجوده خارجاً.

ولنبحث هنا عن أمرين :

الأول : عن الفرق الأساسي بين المعاليل الطبيعية والأفعال الاختياريّة .

الثاني : عدم جريان القاعدة المذكورة في الأفعال الاختياريّة .

أمّا الأمر الأول ـ فقد سبق بشكل اجمالي أنّ الأفعال الاراديّة تمتاز عن المعاليل الطبيعية بنقطة واحدة ، وهي أنّها تحتاج في وجودها إلى فاعل ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)([3]) فأثبت عزّ من قائل بذلك احتياج الفعل إلى فاعل وخالق وبدونه محال ، والفاعل لهذه الأفعال هو نفس الإنسان ، فإنّها تصدر منها بالاختيار وإعمال القدرة والسلطنة ، وليس في إطارها حتم ووجوب ، فلها أن تشاء وتعمل ، ولها أن لاتشاء ولا تعمل ، فهذه المشيئة والسلطنة لا  تتوقّف على شيء آخر كالارادة ونحوها ، بل هي كامنة في صميم ذات النفس حيث إنّ الله تعالى خلق النفس كذلك . وهذا بخلاف المعاليل الطبيعية ، فإنّها تحتاج في وجودها إلى علل طبيعية تعاصرها وتؤثّر فيها على ضوء مبدأ السنخيّة في إطار الحتم والوجوب ، ولا يعقل فيها الاختيار .

وإن شئت فقل : إنّ الفعل الاختياري حيث كان يخضع لاختيار الإنسان ومشيئته فلا يعقل وجود نظام له كامن في صميم ذاته ، ليكون سيره ووجوده تحت إطار هذا النظام الخاص من دون تخلّفه عنه ، والوجه في هذا واضح : وهو أنّ مشيئة الإنسان تختلف باختلاف افراده كما تختلف باختلاف حالاته النفسية ودواعيه الداخليّة والخارجيّة ، فلهذا السبب جعل لها نظم وقوانين خاصة ، ليكون سيرها الوجودي تحت إطار هذه النظم ، وهذا بخلاف سلسلة المعاليل الطبيعية ، فإنّها تخضع في سيرها الوجودي ]إلى نظام خاص وإطار معيّن[([4]) أودعه الله تعالى في كمون ذاتها ، ويستحيل أن تتخلّف عنه ، ولذا لايعقل جعل نظام لها من الخارج ; لعدم خضوعها له واستحالة تخلّفها عن نظمه الطبيعية . وهذا برهان قطعي على أنّ السلسلة الاُولى سلسلة اختياريّة ، فأمرها وجوداً وعدماً بيد فاعلها دون السلسلة الثانية ، فإنّها مقهورة ومجبورة في سيرها على طبق نظمها الطبيعية الموضوعة في صميم ذاتها وكمون واقعها .

لحدّ الآن قد تبيّن افتراق السلسلة الاُولى عن السلسلة الثانية بنقطة موضوعية ، فلو كانت السلسلة الاُولى كالسلسلة الثانية مقهورة ومجبورة في سيرها الوجودي لم يمكن الفرق بينهما .

وأمّا الأمر الثاني : فالقاعدة المذكورة وإن كانت تامّة في الجملة إلاّ أنّه لاصلة لها بالأفعال الاختياريّة ، والسبب في ذلك أنّ هذه القاعدة ترتكز على مسألة التناسب والسنخيّة التي هي النقطة الأساسية لمبدأ العلّيّة ، فإنّ وجود المعلول ـ كما تقدّم ـ مرتبة نازلة من وجود العلّة ، وليس شيئاً أجنبيّاً عنه ، وعلى هذا فبطبيعة الحال أنّ وجود المعلول قد أصبح ضروريّاً في مرتبة وجود العلّة ، لفرض أنّه متولّد منها ومستخرج من صميم ذاتها وواقع مغزاها ، وهذا معنى احتفاف وجوده بضرورة سابقة ، ومن الطبيعي أنّه لا  يمكن تفسير الضرورة في القاعدة المذكورة على ضوء مبدأ العلّية إلاّ في المعاليل الطبيعية ، ولا  يمكن تفسيرها في الأفعال الاختياريّة أصلاً ، وذلك لأنّ الأفعال الاختياريّة سواء أكانت معلولة للإرادة أم كانت معلولة لإعمال القدرة والسلطنة ، فلا يستند صدورها إلى مبدأ السنخية ، بداهة أنّها لا تتولّد من كمون ذات علتها وفاعلها ، ولا  تخرج من واقع وجوده وصميم ذاته لتكون من شؤونه ومراتبه ، بل هي مباينة له ذاتاً ووجوداً ، وعلى هذا فلا يمكن التفسير الصحيح لاحتفافها بالضرورة السابقة ، فإنّ معنى هذا ـ كما عرفت ـ وجود المعلول في مرتبة وجود علّته ، وهذا لايعقل إلاّ في المعاليل الطبيعية ، ومن هنا يظهر أنّنا لو قلنا بأنّ الإرادة علّة تامّة لها فمع ذلك لاصلة لها بالقاعدة المزبورة ، لوضوح أنّه لا معنى لوجوب وجودها في مرتبة وجود الإرادة ، ثمّ خروجها من تلك المرتبة إلى مرتبتها الخاصة .

وعلى الجملة ، فإذا كانت العلّة مباينة للمعلول وجوداً ولم تكن بينهما علاقة السنخية فبطبيعة الحال لا  يتصوّر هنا وجوب وجود المعلول من قبل وجود علّته ، فإذن ليس هنا إلاّ وجوده بعد وجودها من دون ضرورة سابقة ، ومردّ هذا بالتحليل العلمي إلى عدم قابلية الإرادة للعلّيّة ، وقد تحصّل من ذلك أنّ الفعل في وجوده يحتاج إلى فاعل ما ، ويصدر منه باختياره وإعمال قدرته ، ولا تأثير للإرادة فيه بنحو العلّة التامّة . نعم قد يكون لها تأثير فيه بنحو الاقتضاء .

فالنتيجة : أنّه لا مجال للقاعدة المتقدّمة في إطار سلسلة الأفعال الاختياريّة فتختص بسلسلة المعاليل الطبيعية([5]) .

 

]التقريب الثاني :[

إنّ القاعدة المذكورة ]كما تقدّم[ تتم في الممكنات التي هي خارجة عن إختيار الإنسان كإحراق النار ، فيحتاج وجودها إلى المؤثّر ، والشيء ما لم يجب لم يوجد ، أمّا بالنسبة إلى الأفعال الاختياريّة التي تقع تحت قدرة الإنسان فهي لاتحتاج في وجودها إلى أن تصل إلى حدّ الوجوب بل هي تتوقّف على فاعل ; لأنّ الفعل الاختياري بلا فاعل محال ، وقد اشار تعالى إلى ذلك بقوله : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)([6]) فأثبت سبحانه وتعالى احتياج العمل إلى فاعل وخالق .

أمّا الفاعل في المقام لهذه الأفعال فهي النفس فإنّها تعمل قدرتها وتسعى نحو الشيء فلها أن تشاء ولها أن لاتشاء فلا تعمل القدرة فيه ، وإعمال القدرة لا  يتوقّف على إرادة وشوق لتكون الإرادة علّة لذلك ، لأنّك عرفت أنّ النفس هي الفاعل بالإختيار ، فالشخص بنفسه فاعل للإختيار . نعم، إختيار النفس لهذا الفعل الخارجي يفتقر إلى مرجّحات غالباً تقتضي ذلك ، والغالب في مرجّح الفعل نفس الشوق وقد يكون غيره .

وإنّما قلنا باحتياجه إلى المرجّحات غالباً إخراجاً له عن اللّغوية لا  أخذاً بدعوى من يقول بقبح الترجيح بلا  مرجّح ; لما عرفت في مبحث الوضع من عدم قبح الترجيح بلا مرجّح بل قد يكون متعيّناً أحياناً ، كما لو تعلّق غرض شخص بإيجاد فرد من افراد الطبيعي وكانت الأفراد متساوية، كما إذا كان ظمآناً وكانت لديه كؤوس ماء متعدّدة متساوية من جميع الجهات ، أفتراه يترك الجميع ويموت ظمأً خوفاً من لزوم الترجيح بلا  مرجّح([7]) .

والخلاصة : إنّ الإنسان إذا حصل له شوق مؤكّد في نفسه نحو فعل من جهة ملاءمة الطبع لذلك يعمل قدرته في سبيل تحصيله فيوجد الفعل بلا قهر عليه ، وهذا أمر وجداني ، مثلاً لو تردّد الشخص بين طريقين ، أحدهما على يمينه وفيه ما تشهيه نفسه ، وثانيهما على يساره ، وفيه ما ينفر عنه طبعه لعدم ملائمته له ، فلا  ريب أنّنا نجده يتّخذ طريق اليمين مسلكاً له ، ولكن ليس قهراً عليه بحسب إختياره وإرادته .

ولو توسّعنا في الأمر لأمكننا أن ننكر وجود شوق للإنسان في بعض الأحيان عندما يعمل قدرته نحو شيء ، وذلك كما لو اُجبر على قتل أو ضرب أحد ولديه إمّا الأكبر الذي لا يرتضي سلوكه ، أو الأصغر الذي يرتضيه ، فلا محالة أنّه يختار الأول محافظة على الأصغر مع أنّه غير مشتاق إلى عمله بالاضافة إلى كلا الولدين حبّاً لهما وحنواً عليهما .

نعم ، الغالب في أفعال الإنسان أن تكون مع الشوق والإرادة كما عرفت ، وقد يكون المرجّح غيرها([8]) .

فتحصّل ]كما ذكرنا[ أنّ القول بأنّ الشوق المؤكّد علّة تامّة لصدور الفعل ـ بحيث يكون الشخص بعد تحقّقه مضطراً إلى الفعل ـ ممّا لا بأس به([9]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الطور : 35 .

[2] مصباح الاُصول ج 1 / القسم 1 : 262 ـ 263 .

[3] الطور : 35 .

[4] في الأصل : « تخضع نظاماً خاصاً وإطاراً معيّناً الذي أودعه » .

[5] المحاضرات 2 : 57 ـ 59 .

[6] الطور : 35 .

[7] «وبما ذكرناه يجاب عن شبهة الفخر الرازي ]الآتية[ بناءً على الهيئة القديمة من أنّ الأجرام السماويّة والكرة الأرضية لمّا كانت محاطة بأفلاك متعدّدة كالقمر وعطارد والزهرة ، وكان وراء الجميع فلك الأفلاك المسمّى بالفلك الأطلس الذي ليس وراءه خلاء ولا  ملاء ، كان الترجيح بلا  مرجّح محالاً ، فلنا أن نقول : لماذا كان الجدي في جهة الشمال دون الجنوب ، ولماذا كانت الشمس تطلع من المشرق وتغيب من المغرب ؟ فليكن الأمر بالعكس ، وما شاكل هذه من الإشكالات .

            والصحيح أن يقال] كما سيأتي بعد قليل[ : أنّ الترجيح بلا مرجّح غير قبيح ، فإنّ الاحتياج حيث تعلّق بخلق أصل الكرة الأرضية ، فخصوصياتها المعلومة لا  تحتاج إلى مرجّح بعد أن كان الاحتياج متمحّضاً في أصل الطبيعة ، فاختيار الفرد بهذه الكيفية وإن لم يشتمل على الخصوصية لا يلزم منه المحذور» . مصابيح الاُصول : 193 .

[8] مصابيح الاُصول : 191 ـ 193 .

[9] مصباح الاُصول ج 1 / القسم 1 : 263 .