akdak

المقالات

قسم الفقه

ثمرة الاعتقاد بالبداء أو إنكاره

86

---------

 

]أولاً[ البداء إنّما يكون في القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات ، والإلتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله .

]ثانياً : أنّ[ القول بالبداء هو الإعتراف الصريح بأنّ العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه ، وأنّ إرداة الله نافذة في الأشياء أولاً وأبداً .

]ثالثاً : أنّ[ في القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين ، فعلم المخلوقين ـ وإن كانوا أنبياء أو أوصياء ـ لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى ، فإنّ بعضاً منهم وإن كان عالماً بتعليم الله إياه بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر لنفسه ، فإنّه لا  يعلم بمشيئة الله تعالى ـ لوجود شيء ـ أو عدم مشيئته إلاّ حيث يخبره الله تعالى به على نحو الحتم .

] رابعاً : أنّ [ القول بالبداء : يوجب انقطاع العبد إلى الله ، وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته ، وتوفيقه للطاعة ، وإبعاده عن المعصية ، فإنّ إنكار البداء والالتزام بأنّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة ـ دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه ، فإنّ ما يطلبه العبد من ربّه إن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة ، ولا  حاجة إلى الدعاء والتوسّل ، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً ، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرّع ، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرّع لخالقه ، حيث لا فائدة في ذلك ، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين(عليهم السلام)أنّها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك ممّا يطلبه العبد .

وهذا هو سرّ ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام)من الاهتمام بشأن البداء ، فقد روى الصدوق في كتاب «التوحيد» بإسناده عن زرارة ، عن أحدهما(عليهما السلام) ، قال : «ما عُبد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء»([1]) .

وروى بإسناده عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) ، قال : «ما عظّم الله عزّ وجلّ بمثل البداء»([2]) .

وروى بإسناده عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «ما بعث الله عزّوجل نبيّاً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء»([3])([4]) .

وقد ورد أيضاً في الروايات الكثيرة من طرق أهل السنة أنّ «الصدقة والدعاء يغيّران القدر»([5])([6]) .

]خامساً: أنّ[ السّر في هذا الاهتمام : أنّ إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأنّ الله غير قادر على أنّ يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، فإنّ كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه ، وذلك يوجب عدم توجّهه في طلباته إلى ربّه([7]) .

]وحاصل الثمرة الاُولى والثالثة[ أنّ القسم الثالث مورد لوقوع البداء ، ولا يلزم من الالتزام بالبداء فيه أيّ محذور كنسبة الجهل إلى الله سبحانه وتعالى ، ولا  ما ينافي عظمته وجلاله ولا  الكذب ، حيث إنّ إخباره تعالى بهذا القضاء لنبيّه أو وليّه ليس على نحو الجزم والبتّ ، بل هو معلّق بعدم مشيئته بخلافه ، فإذا تعلّقت المشيئة على الخلاف لم يلزم الكذب ، فإنّ ملاك صدق هذه القضيّة وكذبها إنّما هو بصدق الملازمة وكذبها ، والمفروض أنّ الملازمة صادقة ، وهي وقوعه لو لم تتعلّق المشيئة الإلهيّة على خلافه .

مثلاً : إنّ الله تعالى يعلم بأنّ زيداً سوف يموت في الوقت الفلاني ، ويعلم بأنّ موته فيه معلّق على عدم اعطائه الصدقة أو ما شاكلها ، ويعلم بأنّه ]لو[ يعطي الصدقة فلا يموت فيه ، فهاهنا قضيّتان شرطيّتان ، ففي إحداهما قد علّق موته في الوقت الفلاني بعدم تصدّقه أو نحوه ، وفي الاُخرى قد علّق عدم موته فيه على تصدّقه أو نحوه .

ونتيجة ذلك أنّ المشيئة الإلهيّة في القضيّة الاُولى قد تعلّقت بموته إذا لم يتصدّق ، وفي القضية الثانية قد تعلّقت بعدم موته وبقائه حيّاً إذا تصدّق .

ومن الواضح أنّ إخباره تعالى بالقضيّة الاُولى ليس كذباً ، فإنّ المناط في صدق القضية الشرطيّة وكذبها هو صدق الملازمة بين الجزاء والشرط وكذبها لا بصدق طرفيها ، بل لا يضرّ استحالة وقوع طرفيها في صدقها ، فعلمه تعالى بعدم وقوع الطرفين هنا لا يضرّ بصدق إخباره بالملازمة بينهما([8]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] التوحيد : 332 .

[2] التوحيد : 333 .

[3] التوحيد : 333 .

[4] البيان : 391 ـ 392 .

[5] روى سليمان ، قال : قال رسول الله : «لا  يردّ القضاء إلاّ الدعاء ، ولايزيد في العمر إلاّ البرّ» رواه الترمذي 3 : 303 ـ 304 . وروى ثوبان ، قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وآله : «لا  يزيد في العمر إلاّ البرّ ، ولا  يردّ القدر إلاّ الدعاء ، وإنّ الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها» ، سنن ابن ماجة 1 : 35 ، باب القدر .

[6] مصباح الاُصول ج1 / القسم 2 : 564 . المحاضرات 5 : 343 .

[7] البيان : 392 ـ 393 . وذكر السيد الخوئي رحمه الله جميع ذلك في أجود التقريرات أيضاً 2 : 407 ـ 408 فقال ما نصّه : « والمتحصّل من جميع ذلك : أنّ البداء لايكون إلاّ في القضاء الموقوف ، وأنّ الالتزام به لايستلزم نسبة الجهل ـ والعياذ بالله ـ إليه تعالى .

            نعم ، إنّ الالتزام به يستدعي القول بعدم احاطة العبد ـ كائناً من كان ـ بجميع ما أحاط به علمه تعالى ، وهذا ممّا لا مناص عن الالتزام به ، فإنّ النبي الاكرم وأوصياءه المعصومين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وإن كانوا عالمين بالفعل أو متى شاؤا بجميع عوالم الممكنات بتعليم الله تبارك ]وتعالى[ لهم ذلك ، إلاّ أنهم غير عالمين بالعالم الربوبي وبما أحاط به علمه المخزون ، فلا علم لهم بتعلّق مشيئته جلّ وعلا وعدم تعلّقها بشيء إلاّ فيما أخبرهم الله به على نحو الحتم ، فالنبي أو الوصي وإن كان عالماً بوجود ما هو سبب تام لوجود شيء في ظرفه لولا تعلّق المشيئة الإلهيّة بعدم وجوده إلاّ أنه مع ذلك لايكون عالماً بوجود ذلك الشيء إلاّ مع إخباره تعالى بتعلّق مشيئته به .

            ومن هنا يظهر أنّه ليس في القول بالبداء وإمكان التغيير في القضاء الموقوف ما ينافي عظمة الربّ وجلاله ، بل القول بالبداء هو الذي يوجب انقطاع العبد إلى سيده وطلبه الإجابة لدعائه ودفع البلاء عنه وتوفيقه للطاعة وبعده عن المعصية .

            وأما إنكار البداء والالتزام بأنّ ما جرى عليه قلم التقدير كائن لا محالة فهو يستلزم اليأس عن إجابة الدعاء وترك تضرّع العبد إلى خالقه ;]بدعوى[ أنّ المكتوب بقلم التقدير إن كان وقوع ما يطلبه العبد فلا حاجة إلى الدعاء والتضرّع ، وإن كان المكتوب خلافه لم يترتّب على الدعاء والتضرّع أثر أصلاً .

            ومن ذلك يتّضح لك سرّ ماورد في الروايات المتقدّمة من الاهتمام بشأن البداء ، وأنّه ما عبدالله بشيء مثل البداء .

            وأما القول بعدم جواز البداء فهو يشترك في النتيجة مع القول بعدم قدرة الله على تغيير ما جرى عليه قلم التقدير ، فإنّ كلاًّ من القولين يستلزم يأس العبد عن إجابة دعائه، وعدم توجّهه إلى ربه في إنجاح طلبته وقضاء حاجته » .

            و جاء في مصباح الاُصول ج1/ القسم 2 : 563 ـ 564 . والمحاضرات 5 : 341 ـ 343 ما يشابه هذا البيان ، قالقدس سره في المصباح : «إنّ القول بالبداء يوجب توجّه العبد إلى الله تعالى وتضرّعه إليه وطلبه إجابة دعائه وقضاء حوائجه ومهماته وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية ، كلّ ذلك إنّما نشأ من الاعتقاد بالبداء ، وبأنّ عالم المحو والإثبات بيده تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب .

            وهذا بخلاف القول بانكار البداء ، وأنّ كلّ ما جرى به قلم التقدير لا  يمكن أن يتغيّر ، وأنّه كائن لا محالة ، حيث إنّ لازمه أنّ المعتقد بهذه العقيدة مأيوس عن إجابة دعائه وقضاء حوائجه ، فإنّ ما يطلبه العبد من ربّه لا  يخلو من أن يجري قلم التقدير بايجاده أو لا  يجري ، فعلى الأوّل فهو موجود لا محالة ، وعلى الثاني لن يوجد أبداً ولن ينفعه الدعاء والتضرّع والتوسل ، حيث يعلم بأنّ تقديره لن يتغيّر أبداً .

            و من الطبيعي أنّ العبد إذا يئس من إجابة دعائه، وأنّه لا يؤثر في تقديره تعالى أصلاً ترك التضرّع والدعاء له تعالى ، لعدم فائدة في ذلك ، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومينعليهم السلامأنّها تزيد في العمر والرزق ، وغير ذلك ممّا يطلبه العبد .

            ولأجل هذا السرّ قد ورد في الروايات الكثيرة عن الأئّمة الأطهارعليهم السلامالاهتمام بشأن البداء ، منها : ما رواه . . .» .

[8] المحاضرات 5 : 338 ـ 339 . مصباح الاُصول ج1 / القسم 2 : 560 ـ 561 .