akdak

المقالات

قسم الفقه

رابعاً ـ موقف أبناء السنّة من البداء

77

---------

لايخفى أنّ العامّة الذين شنّعوا على الشيعة بل استهزؤا بهم لالتزامهم بالبداء أيضاً التزموا به ، والأخبار الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله) من طرقهم في ذلك أكثر ممّا ورد من طرق الخاصّة قد حكاها جماعة من الصحابة عن النبي(صلى الله عليه وآله) ، كابن عباس وغيره .

منها : ما ورد في تفسير الآية الشريفة: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)([1]) .

ومنها : ما ورد في باب الأدعية ، إلى غير ذلك ممّا ذكر في كتبهم ; ولذا التزم جملة منهم بإمكان البداء في كلّ شيء ، واستثنى بعضهم من ذلك السعادة والشقاوة تمسّكاً بقوله(صلى الله عليه وآله) «الشقي شقي في بطن اُمّه»([2]) وبما رووه عنه(صلى الله عليه وآله)من أنّه رأى أحد الصحابة النبي(صلى الله عليه وآله) وبيده اليمنى كتاب وبيده اليسرى كتاب ، فسئل عمّا في يمينه ، فقال : كتاب فيه أسامي أهل الجنة ، وعمّا في يساره ، فأجاب : بأنّه كتاب فيه أسامي أهل النار .

ولكن يخالف ذلك ما رووه عن عمر من أنّه كان يدعو ويقول : «اللّهمّ إن كنت سعيداً فثبّتني ، وإن كنت شقياً فامحني واجعلني سعيداً» .

وقد رووا عن كعب الأحبار ، أنّه قال : لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون ، وهي قوله تعالى : (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ) .

فالبداء ممّا اتّفق عليه الخاصّة والعامّة . وقد عرفت أنّه بالمعنى الذي بيّناه غير مستلزم لمحذور أصلاً ، بل هو ممّا لا بدّ منه عقلاً ، والروايات إرشاد إلى حكم العقل ، فإنّه مستقلّ بأنّه تعالى عالم بجميع الأشياء حتّى الملازمات والمعدومات ; لأنّه تعالى مجمع الصفات الحسنة التي منها العلم بجميع الأشياء([3]) .

وليت شعري كيف غفل علماء العامّة عن ذلك حتّى أنّهم شنّعوا على الشيعة في قولهم بالبداء ، زعماً منهم أنّه يستلزم نسبة الجهل ـ والعياذ بالله  ـ إليه تعالى  ؟ ! هب إنّهم لم يتدبّروا في كلمات علمائنا الأبرار حقّ التدبّر ، فلم يصلوا إلى ما أرادوه بلفظ البداء ، لكنّهم لماذا لم يتنبّهوا إلى أنّ قول الشيعة بذلك إنّما هو على أثر اتّباعهم لأقوال أئمّتهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ؟ ! فليتهم إذا لم يعرفوا معنى البداء لم يعاندوه واعترفوا بالواقع على ما هو عليه([4]) .

] من الواضح أيضاً [ أنّهم لم يحسنوا في الفهم ما هو مراد الشيعة من البداء ، ولم يتأمّلوا في كلماتهم حول هذا الموضوع ، وإلاّ لم ينسبوا إليهم هذا الافتراء الصريح والكذب البيّن([5]) ، فليتهم إذا لم يعرفوا تثبّتوا أو توقّفوا ، كما تفرضه الأمانة في النقل ، وكما تقتضيه الحيطة في الحكم والورع في الدين([6]) ، ولكن طالب الحقيقة قليل والتعصّب مرض قلّ من نجا منه([7]) .

ومن الذين لم يتثبّتوا ولم يتوقّفوا ، الفخر الرازي عند تفسيره قوله تعالى : (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ . . .) ، قال : «قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده»([8]) ، انتهى .

سبحانك اللّهمّ إن هذا إلاّ اختلاق .

وقد حكى الرازي ] أيضاً [ في خاتمة كتاب المحصّل عن سليمان بن جرير كلاماً يقبح منه ذكره ، ولا  يحسن منّي سطره ، وأنّ هذه الكلمة قد صدرت على أثر كلمة اُخرى تشابهها تفوّه بها بعض النصارى في حقّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) حينما جاء  بأحكام ناسخة لما جاء به قبلها ، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)([9]) ، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ)([10])([11]) .

وكيف كان  ، فلا يلزم من الالتزام بالبداء الجهل عليه تعالى ، كيف فإنّ الشيعة ملتزمون به فمع ذلك يقولون باستحالة الجهل عليه سبحانه وتعالى ، وقد ورد في بعض الروايات أنّ : «من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرؤوا منه»([12]) ، وفي بعضها الآخر : «فأمّا من قال بأنّ الله تعالى لا  يعلم الشيء إلاّ بعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد»([13])([14]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الرعد : 39 .

[2] توحيد الصدوق: 356، الباب 58، ح3، وهو بالمضمون.

[3] دراسات في علم الاُصول 2 : 321 .

[4] أجود التقريرات 2 : 408 .

[5] البيان : 385 .

[6] مصباح الاُصول ج1 / القسم 2 : 553 ، بحث البداء . المحاضرات 5 : 333 . وفي دراسات في علم الاُصول 2 : 318 ، قال : «وأمّا البداء في التكوينيّات فقد خالفنا فيه العامّة أيضاً تبعاً لليهود ، وشنّعوا الشيعة بها حتّى نسبوا إليهم ما لا  ينبغي جهلاً بمرادهم من البداء» .

[7] أجود التقريرات 2 : 408 .

[8] التفسير الكبير : 19 : 66 .

[9] الكهف : 5 .

[10] الشعراء : 227 .

[11] البيان : 385 ، 512 ـ 513 ، التعليقة رقم : 9 .

[12] بحار الأنوار 4 : 111 .

[13] المصدر السابق : 115 .

[14] مصباح الاُصول ج 1 / القسم 2 : 553 ـ 554 . المحاضرات 2 : 333 .