akdak

المقالات

قسم الفقه

ثانياً ـ وجه التسمية بالبداء

81

---------

]يتلخّص وجه التسمية بالبداء في أمرين :[

الأول : المشاكلة ، فإنّ تعلّق مشيئته المقدّسة بعدم تحقّق ما تحقّق المقتضي لثبوته شبيه بالبداء الحقيقي ، ومن هذا الباب قوله تعالى : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً)([1]) مع أنّه كان عالماً به ، وقوله تعالى : (لِيَـمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)([2]) مع أنّه كان مميّزاً عنده .

الثاني : وهو وجه دقيق بعيد عن الفهم العرفي ، وتوضيحه يكون ببيان مقدّمة ، وهي :

أنّه تعالى له علمان :

علمه الذاتي : وهو انكشاف ذاته لديه ، وفي هذا يتّحد العلم والعالم والمعلوم ، فإنّ العالم ذاته والمعلوم ذاته والإنكشاف أيضاً ذاته المقدسة .

وعلمه الفعلي : وهو علمه بمخلوقاته ، فإنّها حاضرة لديه جلّ وعلا بأعلى مراتب الحضور ، ونمثل لذلك بعلمنا ; فإنّ الإنسان إذا تصور صورة شيء خارجي في ذهنه فيكون عالماً به بالعلم الحصولي ، أي ترتسم صورة منه في الذهن ، وهذا هو المعبّر عنه بالعلم الحصولي المستحيل فيه تعالى وتقدّس ، وأمّا نفس تلك الصورة التي هي مخلوقة للنفس فهي بواقعها حاضرة لدى النفس ، والنفس عالمة بها لا بصورتها وإلاّ لزم التسلسل .

كما أنّ علم النفس بنفسها أيضاً حضوري ; فإنّ النفس بواقعها حاضرة لدى النفس ، وفيه يتّحد العالم والمعلوم .

وعلم الباري جلّ شأنه بمخلوقاته حضوري ، نظير علم النفس بمخلوقاتها ، وعلمه بذاته نظير علم النفس بذاتها ; فإنّ النفس مرآة له تعالى ذاتاً وفعلاً وصفة ، وهذا معنى قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِي السَّماءِ)([3]) ، فإنّ جميع الأشياء بتحقّقها ووجوداتها حاضرة لديه بأعلى مراتب الحضور .

إذا عرفت هذا فنقول : إذا كان المقتضي لتحقّق شيء موجوداً فلم يوجد ، بل وجد خلافه بمشيئته المكنونة فقد بدا وظهر له ما وجد ; لما ذكرنا من علمه الفعلي ، وأنّه بمعنى حضور الأشياء بوجوداتها لديه وظهورها عنده ، فيصدق أنّه بدا له تعالى ; لوجوده بعد ما كان خلافه ظاهراً عند الناس([4]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الكهف : 12 .

[2] الأنفال : 37 .

[3] يونس : 61 .

[4] دراسات في علم الاُصول 2 : 322 ـ 323 .