akdak

المقالات

قسم الأدب

مقولة الأشاعرة والنظر فيها

163

---------

 

]وقبل ذكر ما استدلّ به الأشاعرة لا بأس بنقل كلامهم ومحاولتهم في تقريب الكلام النفسي[ وإليكم نصّ مقولتهم :

« وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن ، بل نقوله ، ونسمّيه كلاماً لفظيّاً ، ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى ، ولكنّا نثبت أمراً وراء ذلك ، وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ ، ونقول هو الكلام حقيقة ، وهو قديم قائم بذاته تعالى ، ونزعم أنّه غير العبارات ; إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي ، بل نقول : ليس تنحصر الدلالة عليه في الألفاظ ; إذ قد يدلّ عليه بالاشارة والكتابة كما يدلّ عليه بالعبارة ، والطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغيّر مع تغيّر العبارات ولا يختلف باختلاف الدلالات ، وغير المتغيّر ـ أي ماليس متغيّراً وهو المعنى ـ مغائر للمتغيّر الذي هو العبارات ، ونزعم أنّه ـ أي المعنى النفسي الذي هو الخبر ـ غير العلم ; إذ قد يخبر الرجل عمّا لايعلمه ، بل يعلم خلافه أو يشك فيه ، وأنّ المعنى النفسي الذي هو الأمر غير الإرادة ; لأنّه يأمر الرجل بما لايريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا ؟ فإنّ مقصوده مجرّد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به ، وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه فإنّه قد يأمره ، وهو يريد أن لا  يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه .

واعترض عليه بأنّ الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر لا  حقيقته ; إذ لا طلب فيهما أصلاً ، كما لا إرادة قطعاً ، فإذاً هو ـ أي المعنى النفسي الذي يعبّر عنه بصيغة الخبر والأمر ـ صفة ثالثة مغايرة للعلم والإرادة ، قائمة بالنفس ، ثمّ نزعم أنّه قديم ; لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى »([1])... .

يتضمّن هذا النصّ عدّة خطوط :

1 ـ إنّ لله تعالى سنخين من الكلام : النفسي واللفظي ، والأول من صفاته تعالى ، وهو قديم قائم بذاته الواجبة دون الثاني .

2 ـ إنّ الكلام النفسي عبارة عن المعنى القائم بالنفس ، ويبرزه في الخارج بالألفاظ والعبارات بشتّى ألوانها وأشكالها ، ولا يختلف ذلك المعنى باختلافها ، كما لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة .

3 ـ إنّهم عبّروا عن ذلك المعنى تارة بالطلب ، واُخرى بالأمر ، وثالثاً بالخبر ، ورابعاً بصيغة الخبر .

4 ـ إنّ هذا المعنى غير العلم ; إذ قد يخبر الإنسان عمّا لا يعلمه ، أو يعلم خلافه ، وغير الإرادة ، إذ قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده ، فإنّ مقصوده الامتحان والاختبار ، والاتيان بالمأمور به في الخارج .

ولنأخذ بالنقد على هذه الخطوط جميعاً :

أمّا الأول : فسنبيّنه بشكل واضح في وقت قريب إن شاء الله تعالى أنّ كلامه منحصر بالكلام اللفظي ، وأنّ القرآن المنزل على النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)هو كلامه تعالى بتمام سوره وآياته وكلماته ، لا أنّه حاك عن كلامه ; لوضوح أنّ ما يحكي القرآن عنه ليس من سنخ الكلام ، كما سيأتي بيانه .

هذا من ناحية ، ومن ناحية اُخرى : إنّ السبب الذي دعا الأشاعرة إلى الإلتزام بالكلام النفسي هو تخيّل أنّ التكلّم من صفاته الذاتيّة ، ولكن هذا الخيال خاطىء جدّاً ، وذلك لما ]مرّ[ بصورة واضحة أنّ التكلّم ليس من الصفات الذاتيّة ، بل هو من الصفات الفعليّة .

وأمّا الثاني : فيتوقّف نقده على تحقيق حال الجمل الخبريّة والإنشائيّة([2]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] شرح المواقف : 77 ، مبحث الإلهيّات . ومن الغريب جداً ما نسب إلى الحنابلة في شرح المواقف الموقف الخامس من الإلهيّات: 76 وهذا نصّه: «قال الحنابلة: كلامه حرف وصوت يقومان بذاته تعالى، وأنّه قديم، وقد بالغوا فيه حتّى قال بعضهم جهلاً: الجلد والغلاف قديمان فضلاً عن المصحف».

[2] المحاضرات 2 : 18 ـ 20 .