akdak

المقالات

قسم الفقه

مفاد هيئة الجمل الإنشائيّة

101

---------

 

مفاد هيئة الجمل الإنشائيّة

 

لعلّ سائلاً يقول : ما هو مفاد هيئة الجملة الإنشائيّة ؟

المعروف بين العلماء أنّها موضوعة لإيجاد معنى من المعاني نحو إيجاد مناسب لعالم الإنشاء ، وقد تكرّر في كلمات كثير منهم أنّ الإنشاء المعنى باللفظ ، وقد ذكرنا في مباحثنا الاُصولية أنّه لا أصل للوجود الإنشائي ، واللفظ والمعنى وإن كانت لهما وحدة عرضية منشأها ما بينهما من الربط الناشي من الوضع ، فوجود اللفظ وجود له بالذات ووجود للمعنى بالعرض والمجاز ، ومن أجل ذلك يسري حسن المعنى أو قبحه إلى اللفظ ، وبهذا المعنى يصحّ أن يقال : وجد المعنى باللفظ وجوداً لفظيّاً ، إلاّ أنّ هذا لا يختص بالجمل الإنشائيّة ، بل يعمّ الجمل الخبريّة والمفردات أيضاً .

أمّا وجود المعنى بغير وجوده اللفظي فينحصر في نحوين ، وكلاهما لا مدخل للفظ فيه أبداً :

أحدهما : وجوده الحقيقي الذي يظهر به في نظام الوجود من الجواهر والأعراض ، ولابدّ في تحقيق هذا الوجود من تحقّق أسبابه وعلله ، والألفاظ أجنبيّة عنها بالضرورة .

ثانيهما : وجوده الاعتباري ، وهو نحو من الوجود لشيء إلاّ أنّه في عالم الاعتبار لا في الخارج ، وتحقّق هذا النحو من الوجود إنّما هو باعتبار من بيده الاعتبار ، واعتبار كلّ معتبر قائم بنفسه ، ويصدر منه بالمباشرة ، ولا يتوقف على وجود لفظ في الخارج أبداً ، أمّا إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء للعقود أو الايقاعات الصادرة من الناس فهو وإن توقّف على صدور لفظ من المنشىء أو ما بحكم اللفظ ، ولا أثر لاعتباره إذا تجرّد عن المبرز من قول أو فعل ، إلاّ أنّ الامضاء المذكور متوقّف على صدور لفظ قصد به الانشاء ، وموضع البحث هو مفاد ذلك اللفظ الذي جيىء به في المرحلة السابقة على الإمضاء .

وعلى الجملة : إنّ الوجود الحقيقي والاعتباري للشيء لا يتوقّفان على اللفظ ، وأمّا إمضاء الشرع أو العقلاء للوجود الاعتباري فهو وإن توقّف على صدور لفظ أو ما بحكمه من المنشىء ، إلاّ أنّه يتوقّف عليه بما هو لفظ مستعمل في معناه ، وأمّا الوجود اللفظي فهو عام لكلّ معنى دلّ عليه باللفظ ، فلا أساس للقول المعروف : «الإنشاء إيجاد باللفظ» .

والصحيح : أنّ الهيئات الإنشائيّة وضعت لإبراز أمر ما من الاُمور النفسانيّة ، وهذا الأمر النفساني قد يكون اعتباراً من الاعتبارات كما في الأمر والنهي والعقود والايقاعات ، وقد يكون صفة من الصفات ، كما في التمنّي والترجّي ، فهيئات الجمل أمارات على أمر ما من الاُمور النفسانيّة وهو في الجمل الخبريّة قصد الحكاية ، وفي الجمل الإنشائيّة أمر آخر .

ثمّ إنّ الإتيان بالجملة المبرزة ـ بوضعها ـ لأمر نفساني قد يكون بداعي إبراز ذلك الأمر ، وقد يكون بداع آخر سواه ، وفي كون الاستعمال في هذا القسم الأخير مجازاً أو حقيقة كلام ليس هنا محلّ ذكره ، وللاطّلاع على تفصيل الكلام في ذلك يراجع تعليقاتنا الاُصوليّة .

والذي يظهر من موارد استعمال لفظ الطلب : أنّه موضوع للتصدّي لتحصيل شيء ما ، فلا يقال : طلب الضالّة ، ولا طلب الآخرة إلاّ عند التصدّي لتحصيلها ، وفي لسان العرب : «الطلب محاولة وجدان الشيء وأخذه»([1]) ، وبهذا الاعتبار يصدق على الآمر أنّه طالب ; لأنّه يحاول وجدان الفعل المأمور به ، فإنّ الأمر هو الذي يدعو المأمور إلى الإتيان بمتعلّقه ، وهو بنفسه مصداق للطلب ، لا أنّ الأمر لفظ والطلب معناه ، فلا أساس للقول بأنّ الأمر موضوع للطلب ، ولا للقول بأنّ الطلب كلام نفسي يدلّ عليه الكلام اللفظي .

وقد أصابت الأشاعرة في قولهم : «إنّ الطلب غير الإرادة» ولكنّهم أخطأوا في جعله صفة نفسيّة ، وفي جعله مدلولاً عليه بالكلام اللفظي([2]) .

]وأمّا هيئة الجمل الخبريّة[ فالمشهور ذهبوا إلى أنّ الهيئة في الجمل الخبرية دالّة على النسبة النفس الأمريّة الأعمّ من الخارجيّة والذهنيّة وغير ذلك ، إثباتاً أو نفياً ، وفي الجمل الإنشائيّة موضوعة لإيجاد المعنى باللفظ ، أي ايجاد المفهوم في ذهن السامع .

ونقول : ذكرنا أنّ الوضع ليس إلاّ التعهّد والالتزام ، فلابدّ وأن يتعلّق بأمر مقدور للواضع أي ما يكون فعل نفسه ، وليس ذلك إلاّ قصد تفهيم المعنى عند اطلاق اللفظ أو ذكر اللفظ عند قصد تفهيم المعنى الخاص ، وعليه فهيئة الجمل الإسمية موضوعة لقصد الحكاية ، فمهما يلفظ بها اللاّفظ تنتقل بالانتقال التصديقي إلى أنّه قصد الحكاية بمقتضى تعهّد الواضع ، واستعمالها بدونه يكون على خلاف التعهّد ، ولا فرق في ذلك بين صورة الصدق والكذب .

وأمّا هيئة الجمل الإنشائيّة فلا معنى لكونها موضوعة لإيجاد المعنى باللفظ . إذ لو اُريد من الايجاد الايجاد الخارجي فهو لابدّ وأن يكون مستنداً إلى علله الخارجيّة ، وليس اللفظ منها ، وإن اُريد به الإيجاد الذهني الاعتباري فهو أمر قائم باعتبار المعتبر وأجنبي عن مقام اللفظ ، فلابدّ وأن تكون موضوعة لقصد ابراز الأمر الاعتباري كما بيّناه .

وإلى هنا نجد الهيئة في الجمل الخبريّة والإنشائيّة في كونها موضوعة للقصد ومبرزة عنه ، ولكن يفرّق بينهما في أنّ متعلّق القصد في الاُولى يكون له تعلّق إلى الخارج دون الثانية ، ولذا يجري في الاُولى احتمال الصدق والكذب دون الثانية ، حيث ليس لها تعلّق بأمر خارج([3]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] لسان العرب 8 : 177 .

[2] البيان : 409 ـ 411 .

[3] دراسات في علم الاُصول 1 : 146 .