akdak

المقالات

قسم علم النفس

أدلّة الأشاعرة على الكلام النفسي

140

---------

 

إستدلّ القائلون بالكلام النفسي على مدّعاهم بوجوه هي كالتالي :

]الدليل[ الأول : إنّ كلّ متكلّم يرتّب الكلام في نفسه قبل أن يتكلّم به ، والموجود في الخارج من الكلام يكشف عن وجود مثله في النفس ، وهذا ]أمر [وجداني يجده كلّ متكلّم في نفسه([1]) ، فإنّ ناظم القصيدة لابدّ له من نظم القصيدة في نفسه ، وإلاّ فلا تتحقّق الألفاظ في الخارج منظّمة([2]) .

]وأيضاً[ إنّ الإنسان حينما يريد الدخول على السلطان أو على العالم يرتّب في قلبه ما يريد إلقائه بمحضر السلطان ، وهو الكلام النفسي([3]) ، وإليه أشار الأخطل بقوله :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما***جعل اللّسان على الفؤاد دليلا

وجوابه قد تقدّم ; فإنّ تركيب الكلام في النفس هو تصوّره وإحضاره فيها ، وهو الوجود الذهني الذي يعمّ الأفعال الاختياريّة كافة ، فالكاتب والنقّاش لابدّ لهما من أن يتصوّرا عملهما أولاً قبل أن يوجداه([4]) ، ]كما[ أنّ المصلّي قبل الإتيان بصلاته يتصوّر الصلاة إجمالاً ثم يأتي بها خارجاً ، وهكذا في جميع الأفعال ، ولو كان ذلك كلاماً نفسياً لزم الالتزام بالصلاة النفسي والأكل النفسي وغير ذلك([5]) ، فلا صلة لهذا بالكلام النفسي([6]) .

ويردّه أوّلاً : أنّ هذه الدلالة ليست دلالة لفظيّة ، وإنّما هي دلالة عقلية كدلالة وجود المعلول على وجود علّته ; ومن هنا لا تختص بخصوص الألفاظ ، بل تعمّ كافة الأفعال الاختياريّة .

وبكلمة اُخرى : بعد ما ذكرنا في بحث الحروف ]يظهر[ أنّ الألفاظ لم توضع للموجودات الخارجية ولا للموجودات الذهنيّة ، فلا يعقل أن تكون تلك الصورة معنى لها لتكون دلالتها عليها دلالة وضعيّة ، بل هي من ناحية أنّ صدور الألفاظ عن لافظها حيث كان بالاختيار والإرادة فبطبيعة الحال تدلّ على تصوّرها في اُفق النفس دلالة المعلول على علّته ، بقانون أنّ كلّ فعل صادر عن الإنسان بالاختيار لابدّ أن يكون مسبوقاً بالتصوّر والالتفات ، وإلاّ فلا يكون اختياريّاً ، وعلى هذا فكلّ فعل اختياري ينقسم إلى نوعين :

الأول : الفعل النفسي .

الثاني : الفعل الخارجي ، فلا يختص ذلك بالكلام فحسب ، ولا أظن أنّ الأشاعرة يلتزمون بذلك .

و]يردّه[ ثانياً ـ أنّ تلك الصورة نوع من العلم ، وقد عرفت أنّ الأشاعرة قد اعترفت بأنّ الكلام النفسي صفة اُخرى في مقابل صفة العلم([7]) .

والحاصل : إنّهم إن أرادوا بالكلام النفسي هذا المعنى ، ففيه أنّ الكلام اللفظي لا  يدلّ عليه بالدلالة الوضعية ، بل العقل يدلّ على ذلك ; لأنّ كلّ فعل اختياري صادر من الإنسان لابدّ من الإحاطة به بتمام شؤنه من حيث منافعه ومضارّه ،ولا يختص هذا بالكلام لوجوده في الأكل والقيام النفسيين ونحوهما من الأفعال الصادرة من العاقل المختار ، بل الأمر في الواجب تعالى ـ أيضاً ـ كذلك ، لعلمه بكلّ ماكان وما يكون ، ففعله مسبوق بالوجود العلمي لا محالة ; وذلك لأنّ المعنى المدّعى عبارة اُخرى عن الوجودات الذهنيّة للأشياء ، وهي لا  تسمّى بالوجود النفسي عندهم([8]) .

]الدليل[ الثاني : أنّه ]كما يصحّ إطلاق[ الكلام على الموجود منه في النفس ... بلا عناية([9]) ، كذلك يصحّ إطلاقه على الكلام النفسي الموجود في الذهن من دون لحاظ عناية في البين ، ومن هنا يصحّ أن يقول القائل : إنّ في نفسي كلاماً لا  اُريد أن اُبديه ، ويشهد على ذلك قوله تعالى : (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)([10]) ، وقوله تعالى : (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبَكُم بِهِ اللّهُ)([11]) ، ونحوهما ممّا يدلّنا على ذلك ، وهذا الموجود المرتّب في النفس هو الكلام النفسي ، ويدلّ عليه الكلام اللفظي .

وجوابه يظهر ممّا ذكرناه آنفاً من أنّ هذا الموجود المرتّب في النفس ليس من سنخ الكلام ليكون كلاماً نفسيّاً عند القائلين به ، بل هو صورة للكلام اللفظي . ومن هنا قلنا أن ذلك لا يختص بالكلام ، بل يعمّ كافة أنواع الأفعال الاختياريّة([12]) .

]توضيح ذلك :[ أنّ الكلام كلام في وجوده الذهني كما هو كلام في وجوده الخارجي ، ولكلّ شيء نحوان من الوجود : خارجي وذهني ، والشيء هو ذلك الشيء في كلا وجوديه ، وإطلاق الاسم عليه بلا عناية ، ولا  يختص هذا بالكلام ، فيقول المهندس : إنّ في نفسي صورة بناء سأنقشها في خارطة ، ويقول المتعبّد : إنّ في نفسي أن أصوم غداً([13]) .

وبكلمة واضحة : إن أرادوا به أن يكون لكلّ فعل فردان : فرد خارجي وفرد ذهني ، ومنه الكلام فهو غير معقول ; وذلك لأنّ قيام الأشياء بالنفس إنّما هو بصورها ـ قياماً علميّاً ـ لا بواقعها الموضوعي ، وإلاّ لتداخلت المقولات بعضها في بعض ، وهو مستحيل .

نعم ، الكيفيّات النفسانيّة كالعلم والإرادة ونحوهما قائمة بها بأنفسها ، وبواقعها الموضوعي ، وإلاّ لذهب إلى مالا نهاية له . وعليه فلا يكون ما هو الموجود في النفس كلاماً حقيقة بل هو صورة ووجود علمي له ، وإن أرادوا به صورة الكلام اللفظي فقد عرفت أنّها من مقولة العلم ، وليست بكلام نفسي في شيء ، على أنّك عرفت أنّ الكلام النفسي عندهم مدلول للكلام اللفظي ، وتلك الصورة ليست مدلولة له ، كما تقدّم .

ومن هنا يظهر أنّ اطلاق الكلام على هذا المرتّب الموجود في النفس مجاز ، إمّا بعلاقة الأول أو بعلاقة المشابهة في الصورة .

وأمّا الآيتان الكريمتان فلا تدلاّن بوجه على أنّ هذا الموجود في النفس كلام نفسي ، أمّا الآية الاُولى فيحتمل أن يكون المراد فيها من القول السرّ هو القول الموجود في النفس ، فالآية تكون عندئذ في مقام بيان أنّ الله تعالى عالم به سواءً أظهروه في الخارج أم لم يظهروه ، وإطلاق القول عليه يكون بالعناية ، ويحتمل أن يكون المراد منه القول السرّي ، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة ، فإذن الآية أجنبيّة عن الدلالة على الكلام النفسي بالكلّية .

وأمّا الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد ممّا في الأنفس صورة الكلام ، ويحتمل أن يكون المراد منه نيّة السوء ، وهذا الاحتمال هو الظاهر منها . وكيف كان ، فلا صلة للآية بالكلام النفسي أصلاً([14]) .

]الدليل[ الثالث : أنّه يصحّ إطلاق المتكلّم على الله ]تعالى[ ، وهذه الهيئة ـ اسم الفاعل ـ وضعت لإفادة قيام المبدأ بالذات قياماً وصفيّاً ; ولذا لا  يطلق المتحرّك والساكن والنائم إلاّ على من تلبَّس بالحركة والسكون والنوم دون من أوجدها ، وواضح أنّ الكلام اللفظي لايمكن أن يتّصف به الله تعالى ; لاستحالة اتّصاف القديم بالصفة الحادثة ، فلا مناص من الالتزام بالكلام القديم ليصحّ إطلاق المتكلّم على الله سبحانه باعتبار اتّصافه به([15]) .

] توضيح ذلك [ : لا ريب في أن الله تعالى متكلّم ، وقد دلّت على ذلك عدة من الآيات ، ولازم ذلك قيام المبدأ على ذاته قياماً وصفيّاً ، لا  قيام الفعل بالفاعل ، وإلاّ لم يصحّ اطلاق المتكلّم عليه ، ومن هنا لا  يصحّ اطلاق النائم والقائم والمتحرّك والساكن والذائق وما شاكل ذلك عليه تعالى ، مع أنّ مبادئ هذه الأوصاف قائمة بذاته قيام الفعل بالفاعل .

وإن شئت قلت : إنّ هذه الهيئات وماشاكلها لا تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الفعل بالفاعل ، وإنّما تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الصفة بالموصوف ، هذا من جهة . ومن جهة اُخرى أنّ الذي دعا الأشاعرة إلى الإلتزام بالكلام النفسي هو تصحيح متكلّميته تعالى في مقابل بقيّة صفاته ، فإنّ الكلام اللفظي حيث إنّه حادث لا يعقل قيامه بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف ; لاستحالة كون ذاته تعالى محلاًّ للحوادث . فالنتيجة على ضوئهما هي أنّ كلامه تعالى نفسي لا لفظي([16]) .

]وبتقريب آخر :[ إنّه يطلق «المتكلّم» عليه تعالى ، كما يطلق عليه «المريد والقادر» ، ولا يطلق هذا المشتق إلاّ على من قام به المبدأ قيام حلول واتّصاف لا  قيام فعل وصدور ، وإلاّ يصدق عليه المتحرّك أيضاً ; لأنّه خالق الحركة ، ومن الواضح أنّ الكلام اللفظي لا  يعقل اتّصافه تعالى به ; لأنّه حادث ، فلابدّ وأن يراد منه كلاماً قديماً ، وهو الكلام النفسي([17]) .

]وبتقريب ثالث[ إنّه لا إشكال في صحّة توصيفه تعالى بالتكلّم ، ولا  يصحّ اتّصاف شيء بشيء إلاّ إذاكان مبدأ ذلك الشيء قائماً بالموصوف قياماً حلوليّاً ، ولا يكفي فيه قيامه به على نحو قيام الفعل بفاعله ، وإلاّ جاز توصيفه بالنوم والحركة أيضاً ; لقيام مبدئهما به على نحو الإيجاد والإصدار مع أنه تعالى لا  يتّصف بهما ، وعليه فلابدّ من أن يكون المبدأ أمراً قديماً لاستحالة حلول الحادث بالقديم ، والكلام القديم ليس إلاّ ما نعبّر عنه بالكلام النفسي([18]) .

]ويمكن الجواب عنه تارة إجمالاً ، واُخرى تفصيلاً :[ .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] البيان : 411 .

[2] دراسات في علم الاُصول 1 : 148 ، وفي معناه ما في المحاضرات 2 :27 ، قال : «إنّ كلّ كلام صادر من المتكلّم بارادته واختياره مسبوق بتصوّره في اُفق النفس على الشكل الصادر منه ، ولا سيّما إذا كان للمتكلّم عناية خاصة به ، كما إذا  كان في مقام القاء خطابة أو شعر أو نحو ذلك ، وهذا الكلام المرتب الموجود في اُفق النفس هو الكلام النفسي ، وقد دلّ عليه الكلام اللفظي» .

[3] دراسات في علم الاُصول 1 : 151 .

[4] البيان : 411 .

[5] دراسات في علم الاُصول 1 : 148 .

[6] البيان : 411 ، وفي مصابيح الاُصول : 185 ، ما لفظه : «الدليل الثالث ـ أنّ كلّ متكلّم بالاختيار إذا أراد إظهار كلامه خارجاً ـ الذي هو فعل اختياري مسبوق بالإرادة والإختيار ـ يلتجىء إلى تنظيم ذلك في قرارة نفسه وترتيبه من تصوّر المعنى أولاً ، من حيث فائدته وحسنه ، ثمّ الألفاظ ثانياً بعد أن يبذل دقّة كاملة في ذلك ، ثمّ يشتاق إلى ذلك شوقاً مؤكداً فيعبّر عن مقصوده بالألفاظ الخاصّة التي هي الكلام اللفظي ، وبهذا أصبح مدلول الكلام اللفظي كلاماً نفسياً» .

[7] المحاضرات 2 : 27 ـ 28 .

[8] مصابيح الاُصول : 185 .

[9] البيان : 411 .

[10] الملك : 13 .

[11] البقرة : 284 .

[12] المحاضرات 2 : 31 . مصابيح الاُصول : 185 .

[13] البيان : 412 .

[14] المحاضرات 2 :31 ـ 32 ، وفي مصابيح الاُصول : 185 ، مالفظه : «وغير خفي أنّ المراد بالكلام في الأمثال العرفيّة إنّما هو الوجود الذهني فحسب . وقد عرفت أنّه لا  يتّصف بالكلام النفسي عندهم ، وأمّا الآيات الشريفة فهي غير مرتبطة بما نحن بصدده ; لأنّها في مقام بيان ما يرتبط بالنفس من الحسد والنوايا السيئة والمقاصد الفاسدة وغير ذلك ممّا هو مضمر في النفس» .

[15] البيان : 412 .

[16] المحاضرات 2 :28 .

[17] دراسات في علم الاُصول 1 : 150 .

[18] مصابيح الاُصول : 184 .