akdak

المقالات

قسم علم النفس

بين العقل والوجدان

202

---------

بين الإلزام والالتزام

الفرق بين الالزام والالتزام أن الإلزام يكون من سلطة عليا تأمر وتنهى، ولا رادّ لأمرها ونهيها لأنه حق وعدل، وهي أيضاً تمدح وتوبخ، تراقب وتحاسب المنحرفين في سلوكهم عن الصراع القويم، أما الالتزام فهو التقيد والتعبد بهذا الواجب والإلزام حتى ولو خالف ميول الملتزم وتقاليد أهله ومجتمعه، وبكلمة أن الالتزام يشبه إلى حد بعيد السير على قضبان من حديد تُعين للملتزم الطريق الذي يسير عليه تماماً كسير القطار، ومن الإلزام والالتزام يتألف مفهوم النظام، ومن تمرد على الإلزام والواجب فقد خرج عن النظام العادل.

ولا غنى عن مبدأ الإلزام والالتزام لأية أسرة أو جماعة تعيش حياة مشتركة، فهو العهد والميثاق الذي يضمن بقاءها، ويصونها من الفوضى والانحلال، بل هو الأساس الاول للأديان والشرائع والقوانين والمذاهب الأخلاقية وغير الأخلاقية. وقرأت في الصحف من جملة ما قرأت، كلمة تغني عن كتاب في هذا الباب، وهي:

((الشر كل الشر ينبع من اللامبالاة والسلبية، والتخلي عن التبعة، والشعور بالمسئولية. ان جحود الإلزام والالتزام قضاء على وجود الإنسان، بل هو بمثابة الجحود لأصل الوجود)).

والسر الأول والأخير لذلك أن الحياة المشتركة لن تستقيم بحال إلا إذا عاش جميع أفرادها على مستوى واحد في الحقوق والواجبات وإلا اختفى النظام، وشاعت الفوضى والاضطراب والانحلال، وسادت شريعة الغاب والفساد والضلال.

وايضاً قرأت في بعض الصحف أن لصوصاً سطوا واغتنموا، وعند القسمة أجحف رئيسهم واستأثر، فثاروا عليه وطالبوه بالالتزام بالحق والعدل في قسمة الحرام!.. وان دل هذا التناقض على شيء فانه يدل أن واجب الحق والالتزام به يحمل طابع فطرة الله التي فطر الناس عليها، كل الناس، حتى المعتدين على ما هو الحق والعدل وإلا فبأي شيء نفسر مطالبة اللصوص بقسمة الحرام بالعدل؟. ثم هل من أحد يقبل عن رضا وطيب نفس أن يوصم باللصوصية والخيانة؟ اللهم إلا أن يكون وحشاً ضارياً في جسم إنسان.

 

بين العقل والوجدان

الدين ـ من حيث هو ـ انقياد والتزام باشياء مفروضة من سلطة عليا، والعقل النظري انتقالٌ من معلوم إلى مجهول، ومن شاهد إلى غائب، أما الضمير الحيّ فهو أن تحب الخير والفضيلة من حيث هما أي حتى من عدوك، وأن تكره الشر والرذيلة حتى من نفسك، وأن تشارك الناس في مشاعرهم وآلامهم، فيخفق قلبك لكل مظلوم وبائس في شرق الأرض وغربها على أن ينبغ هذا الشعور من اعماقك لا من خطبة حماسية أو في غمرة جماهيرية. وبكلمة أن الضمير الخالص

نور فطري يريك الحقيقة مباشرة بلا أقيسة ومقدمات. وكثيراً ما تطلق على الضمير والوجدان كلمة الذات الخلقية والأخلاق الإنسانية أو الأدبية، وقانون القلب وما أشبه.

ولا يعيش الضمير في عزلة عن العقل، بل هناك تشابك عضوي بينهما ولونٌ من الوحدة والاتساق، وبهما معاً تكمل وتتم شخصية الإنسان ويمتاز عن الحيوان وسائر المخلوقات. أجل قد يخفق قلب الحيوان بالعاطفة كالأنثى تحافظ على وليدها، ولكن الحيوان يقف عند هذا الحد، ولا يتجاوزه إلى التراحم والتعاون والمحبة والتسامح، وما إلى ذلك من المثالية والمشاركة الوجدانية.. وإذا كان الإنسان اجتماعياً بالطبع فهو مضطر لأن يكون غيرياً بالطبع لأن المفهوم الاجتماعي لا ينفصل عن الغيرية بحال.

ومما لا شك فيه أن الناس على مستويات مختلفة في العقل ودرجات متفاوتة، ومثله تماماً الوجدان، ويتفاوت بين إنسان وإنسان: هذا يرى الحب والأخوة والعدل والمساواة خيراً وأفضل ما في الوجود، وذاك لا يعرف من الحب والعدل إلا بمقدار ما يتصل بنفسه وذويه، وثالث يحقد على الإنسانية جمعاء، وينبح على كل فاضل وكامل!. وينشأ هذا الحقد والعواء ـ في الغالب ـ عند العاجز عن مواجهة الحياة. وإلى هذه الحقيقة أومأ الإمام أمير المؤمنين(ع) بقوله: ((العجز آفة.. الغيبة جهد العاجز)).

 

مصدر الإلزام

وبعد التمهيد بما تقدم نشير أن العنصر الأول والأساس من العناصر الخمسة للخير والفضيلة هو الواجب والإلزام بالمعنى الذي أوضحناه في فقرة بين الالزام والالتزام من هذا الفصل، أما المصدر الذي يشتق منه هذا الإلزام فهو عبارة عن منظومة من نداءات ثلاثة(1): نداء العقل الخالص الكلي الذي لا يُنسب إلى أي فرد كان أو أية جماعة تكون لأن هذا العقل يتلون ويتأثر بما يحيط به والمراد العقل الكلي كما خلقه الله، وخاطبه بقوله: ما خلقت خلقاً أشرف منك(2)، نداء الفطرة النقية(3)، نداء الوحي الإلهي، فالعقل المتحرر من كل ضغط وقيد يميز بين الخير والشر، ويوجه إلى الإنسان أوامره بأن يفعل أو لا يفعل، والفطرة الإنسانية بما هي وكما خلقها الله سبحانه تحب الخير وتأمر به، وتكره الشر وتنهى عنه، وكثيراً ما يعبر عنها بالضمير الوازع الذي يردع الإنسان عن ممارسة السوء، وبأسلوب آخر أن الفطرة هي التي تصدر عنها ميول إنسانية محض منزهة عن كل شائبة ومنفعة ومجردة عن كل تأثير وتقليد بحيث لا يمكن تعليل هذه الميول إلا بالوجدان الخالص والفطرة الصافية، ومثاله أن يسمع الإنسان كلاماً فيتجاوب معه بقلبه ونفسه وعقله.

أما دين الله القيم فأحكامه وبيانه لطف ورفق بعباده، وتأييد وتسديد لمنطق العقل ومحكمة الضمير، ومعنى هذا أنه بحكم العقل والضمير يُستدل على حكم الوحي، وبحكم الوحي يستدل على حكم العقل والضمير.

وكل هذه القوى الهادية الكامنة في داخل الإنسان من العقل والضمير والإيمان تزيد من احساسه بالخير والعدل وشتى انواع الفضيلة، وتنمي فيه روح الاستقامة على النهج القويم، وتدفع به إلى العمل لدُنياً أفضل حتى كأنه يعيش أبداً ولآخرة أكمل كأنه يموت غداً.

وبعد، فان تركيز الواجب الإلهي الإنساني والإلزام الأدبي الخلقي على هذه الأثافي الثلاث نداء الله والعقل والضمير(1) هو تمكين وتأصيل لحياة وادعة عادلة ومعيشة راضية عالية دنيا وآخرة.. ولا أدري هل عرفت الإنسانية ديناً أو شرعاً أو نظاماً ـ غير الإسلام ـ جمع بين هذه الدعائم الثلاث كأصل وأساس لكل قاعدة أخلاقية وحكمة واعظة نافعة؟. ومن المؤلم والمؤسف أن يجهل الكثير منا هذا الجانب من عظمة الإسلام في منهجه وشريعته وشتى تعاليمه.

ولو أن جماعة من أهل الفكر والاختصاص قارنوا بين ما عليه المسلمون اليوم وبين جوهر الاسلام وأهدافه ـ لنصحوا وقرروا أن نعتنق الإسلام من جديد.. وكفى دليلاً على هذه الحقيقة قوله تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (47 ـ الروم) وقوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (8 ـ المنافقون). ومن المعلوم بالعيان والبديهة أنه لا عز ولا نصر اليوم للمسلمين في أية بقعة من هذا الكوكب، ولو كانوا مؤمنين حقاً وصدقاً لوفى سبحانه بعهده ووعده تماماً كما فعل من قبل مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات: (ومن أوفى بعهده من الله) (111 ـ التوبة).

 

الإلزام وسيلة لا غاية

ولا بد من الإشارة إلى أن نظرية الإلزام هي معيار مطلق يعم ويشمل الالزام بكل خير دون استثناء، ويخاطب جميع الناس في كل زمان ومكان، وعليه فمن يفعل الخير لوجه الخير بفطرته دون أن يتنبه إلى هذا الالزام ـ فقد أدى إليه طاعته، لأن الإلزام هنا وسيلة للعمل وليس غاية في نفسه. وتوصلي لا تعبدي على حد قول الفقهاء وعلماء الأصول. وبكلام آخر أن الإلزام قانون، ومن شأن القانون أن يضع القيود، ويرسم الحدود، فإذا التزم الإنسان تلقائياً بكل حد وقيد مع جهله أو غفلته عن القانون، فقد خرج عن العهدة والمسئولية، بل هو الأفضل والأكمل لأنه قد وضع القيود والحدود بنفسه لنفسه.

 

الإلزام الخلقي قانون طبيعي

في فقرة (بين علم الطبيعة وعلم الأخلاق) من فصل حول الأخلاق، أشرنا إلى التفرقة بين العلمين، ونشير هنا أولاً إلى التفرقة بين المراد بكلمة القوانين الطبيعية المادية وبين المراد بكلمة القانون الطبيعي بصورة عامة، ثم نشير إلى التفرقة بين هذا القانون والقانون الوضعي، ونثبت أن الإلزام الخلقي قانون طبيعي لا وضعي، والمراد بقوانين الطبيعة والمادة النظريات التي تُقرر وتُعبر عن شيء مرئي يمكن أن يكال أو يوزن أو يقاس بالشبر والمتر، وتناله يد الخبرة والتحليل في المختبرات، ويد الصناعة والزراعة في الحقول والمصانع.

أما القانون الطبيعي فيعم ويشمل كل ما هو حتمي الوجود ولا غنى عنه بحال مادياً كان كالطعام والشراب أم معنوياً كالحرية والعدالة وغيرهما مما تفرضه جبلة الإنسان وطبيعة العيش والحياة، وعليه فكل قانون ينطق بالعدل ويأمر به فهو قانون طبيعي(2) وإلهى وعقلي في آن واحد، هو طبيعي لأن العدل ثابت في ذاته وموجود في عالمه، ولا غنى عنه. قال أرسطو: العدل يشمل الفضائل بكاملها لأنه الخير العام للمجموع، والخير الخاص لكل فرد، وقال الإمام أمير المؤمنين(ع): ((العدل يضع الأمور موضعها، وهو سائس عام)) أي لا يستقيم شيء من الحياة إلا به، بل لا يستقيم الكون بما فيه ومن فيه إلا بالعدالة الإلهية.

وهو (أي القانون العادل) عقلي لأن العقل الخالص من العواطف والضغوط والمآرب، يأمر بالعدل والإحسان، وهو إلهي لأن الله سبحانه هو الحق والعدل وخالق الطبيعة والوجدان والعقل.

أما القانون الوضعي فهو الذي يصدر عن إرادة إنسانية سواء أكانت إرادة فرد واحد أم هيئة عامة أم سلطة دولية أم أهل الأرض كلهم أجمعين، أجل إذا كان الحكم الوضعي مستوحى من العدل وخاضعاً له ساغ أن نسميه عقلياً وشرعياً وإلا فهو بدعة وضلالة لأنه ضد الوحي والعقل والطبيعة والوجدان. ومما تقدم يتبين لنا أن الواجب الإنساني والالزام الخلقي هو قانون تكويني طبيعي يهيب بالإنسان إلى علم الخير، ومبدأ إلهي عقلي يُنذر ويحذر من الأنحراف إلى الشر.. وما أنكر من أنكر هذا الإلزام إلا لكي يتحرر من الخير والفضيلة، ويفلت من القيود والحدود وإلاّ رغبةً في الضياع والفوضى واشباع الغرائز الحيوانية.

ولكن الشيء الذي يُذهل ويحير: هل على وجه الأرض عاقل واحد لا يعير اهتماماً للصدق والأخلاص والعدل والمحبة والجود والأمانة والتعاطف والتراحم؟ وهل من إنسان بمعنى الكلمة لا يخفق قلبه لأنين الملهوفين ودموع المظلومين؟ وإذا كان كل ذلك وما إليه عبثاً وحماقة فبأي شيء نفسر خلجات النفس الإنسانية من أجل المستضعفين. والمشاريع الخيرية، والثورات ضد الظلم طلباً للعدل والحرية؟.

واخيراً هل كل إنسان يميل بفطرته إلى إطلاق العنان لأهوائه وفي سلوكه دون أي اهتمام واكتراث بالآخرين ودون أن يتحمل ما تجنيه يداه؟ وإذن ما الفرق بين الإنسان العاقل ووحش الغاب؟.

 

الدين والمرض النفسي

نشرت مجلة العربي الكويتية عدد آب 1974 مقالاً بعنوان المرض النفسي جاء فيه أن جماعة من كبار العلماء الغربيين وأهل الاختصاص بعلم النفس، درسوا ما ورد في الرسالات السماوية من حقائق وأفكار عن طبيعة الإنسان وتحليلها، فوجدوا فئة من الناس قد مات فيها الاحساس الإنساني والضمير الخلقي، فلا تشعر بذنب، ولا تؤوب إلى رشد مهما اقترفت من كبائر وجرائم، وفئة ثانية لديها ضمير خلقي، ولكنه ضعيف مريض لا يقوى على مقاومة الرذيلة والارتداع عنها في صورة ناجحة مثمرة، فيرتكب صاحبه الخطيئة، ثم يندم، وقد يكفّر عن جرمه وجريرته ببعض الصالحات.

وانتهى هؤلاء العلماء إلى أن الدين هو العلاج الشافي لأمراض النفس لأنه الطريق الوحيد إلى القلب والعقل، وأنه يحدث نوعاً من غسل الدماغ للفرد (فقد ساعد الدين مدى العصور والأزمنة على مواجهة قوى الظلم والاستبداد، ومن أجل ذلك ظهرت محاولات عدة لصياغة الكثير من القواعد الدينية في قوالب نظريات في علم النفس، ونستطيع ان نعبر عن ذلك بالعبارة المشهورة التي ذكرها (مورر): إن هذه المحاولات النفسية ذات الأصول الدينية سوف تنقذ البشرية في وقت قريب).

 

الدين وتفسخ الشباب

الدين وتفسخ الشباب

ونعطف على ما قاله علماء النفس أن جماعة من كبار الفلاسفة حاولوا أيضا أن يداووا بالدين وتعاليمه أمراض الشباب وانحرافاتهم، فقد نشر فيلسوف كبير ومعاصر مقالاً في مجلة العربي عدد كانون الثاني 1972 جاء فيه: أن عصرنا أدى بشبابه إلى حالة من التمزيق والتفسخ والضياع لأن القيم والفلسفات التي ينطوي علينا هذا العصر متنافرة مضاربة، بعضها يغري بالعلم وحده، وبعضها يغري باشباع الغريزة والشهوة، ولو أننا نحن الفلاسفة نشرنا القيم الدينية عن طريق التربية والتعليم في المدارس والمعاهد وغيرها، وجعلنا منها قواعد ومعايير حية نابضة نترسمها ونهتدي بهديها بدل أن نجعلها مجرد ألفاظ نرددها على حبات المسابح، إذن لكانت بين ايدينا منظومة منسقة كاملة من القيم، فتخرج الإنسان المتكامل من وجهة نظر إسلامية.

وإذا تدبرنا قول هذا الفيلسوف المعاصر وعلماء النفس، أدركنا السر في قوله تعالى: (ان في ذلك لذكرى لأولي الألباب... إنما يتذكّر أولو الألباب.. فاتقوا الله يا أولي الألباب) فانكم تشخصون الأدواء وتعرفون العلاج والدواء، وما عليكم إلا أن تتقوا الله وتعلنوا كلمة الحق والصدق وان الإيمان بالله مع الطاعة والعمل بتعاليمه وأحكامه لا يغني عنه شيء في حل المشكلات والخروج من الأزمات، ذلك أن الإيمان بالله إيمان بالحق والخير والعدل.

 

أين العقول من وضع الشريعة؟

قلنا ونكرر إن أهم الأسس التي يقوم عليها صرح الأخلاق هو الإلزام، وان مصادر هذا الإلزام الوحي من الله سبحانه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (14 ـ الملك) والعقل القوي الخالص من كل شائبة الذي يؤثّر ولا يتأثر، والضمير الذي يطمئن للخير ويباركه، وينفر من الشر ويشمئز لذكره، وإليه أشار الرسول الأعظم(ص) بقوله: ((البر ما اطمأن اليه القلب، والإثم ماحاك في القلب وتردد في الصدر)). وما من شك أن هذه المصادر الثلاثة تنتهي إلى مبدئ الخلق ومعيده، إلى الاول بلا أول كان قبله، ومعنى هذا أن الوحي هو الأصل الأصيل لكل واجب وإلزام سواء سميته خلقياً أم شرعياً، بل ان المصدر الحق الذي نقر به عن إيمان ونستند إليه عن يقين، ولا نقبل حوله أي نقد واعتراض أو شبهة وتشكك أو فلسفة وتحليل ـ فهو الوحي وحده لا شريك له، ويمكن أن نمنح ثقتنا هذه للعقل الذي قال له سبحانه: ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، ولكن أين هو هذا العقل المحبوب لله؟ ونفس الشيء نقوله في فطرة الله التي فطر الناس عليها.

أما العادة والتقاليد المعروفة عرفاً والمسلم بها عند الجماعة والمجتمع ـ فما هي من مصادر الإلزام في شيء.. وقال الاستاذ مقداد يالجن في كتابه الاتجاه الأخلاقي في الإسلام: ((أما الإسلام فيعتبر الله مصدر الإلزام في الدرجة الأولى.. والجماعة في الدرجة الثانية لأن المجتمع مسئولٌ عن انحراف الأفراد)).

وهذا اشتباه وغفلة لأن المجتمع ـ في عاداته وتقاليده ـ إن وافق نصاً أو أصلاً من الوحي كان هو المصدر وليس المجتمع، وان خالف الوحي نصاً وأصلاً فهو بدعة وضلالة(3) أما مسؤولية الجماعة فهي من باب النهي عن المنكر، قال سبحانه: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (79 ـ المائدة) ومن البديهة أن النهي والتناهي عن المنكرات شيء، ومصدر الأحكام والإلزام شيء آخر.

وقد يقول قائل: لماذا لا يُكتفى بالعقل يمده ويعاضده إلهام الضمير ووحيه كمصدر للإلزام، ويُستغنى به عن الوحي؟ أليس العقل دليل المؤمن على خالقه وحجة الله على عباده، وبه يُثيب ويُعاقب؟.

الجواب:

إن العقل لا يحيط بكل شيء علماً، والعقلاء لا يكتشفون كل مجهول بالفراسة والروية وإلا كانوا في غنى عن المدرسة والدراسة والتعلم والتجربة، وحلوا جميع مشكلاتهم بالتأمل العقلي المجرد، وصعدوا إلى المريخ بمجرد التخيل والصور الذهنية والمشاعر النفسية!.

أجل، ان العقل ينتقل من معلوم إلى مجهول كالانتقال من المقدمات إلى نتائجها ومن الأسباب إلى مسبباتها، ما في ذلك ريب، وأيضاً يدرك العقل تلقائياً أو بمشاركة الفطرة النقية أشياء معنوية كقبح الظلم والعدوان والنفاق والبهتان وما إلى ذلك من قسوة ولصوصية. وأيضاً يدرك الإنسان من داخله لا من خارجه حسن العدل والوفاء والنجدة والإباء، ونحو ذلك من ظاهرة إنسانية وفضيلة أخلاقية.

ولكن أين ذلك من شريعة تنظم وتشمل البشرية بكاملها، وتخطط لحياة سليمة وكريمة في شتى الجهات وعلى جميع المستويات في هذه الدار، وفي الآخرة خير وأبقى؟. وأثبت في العديد من مؤلفاتي أن هذه الشريعة العالمية لا تبلغها العقول، وأن خالق الطبيعة هو وحده واضع الشريعة، والآن أعود إلى هذا الموضوع بمقالة أهدى وأجدى، وإليك البيان:

 

إله التكوين والتشريع واحد

إذا أراد أفقه الفقهاء وأقوى العلماء اجتهاداً وإحاطة بالشرع والشرائع، أن يقرر حكماً واحداً لشيء خاص ومعين ـ بحث وحقق ، وتأمل ودقق، ثم قال كلمته بتحفظ متوقعاً الخطأ من نفسه، ومرحباً بالنقد والمناقشة، هذا إن كان من أهل الدين والتقوى مع الفرض بأنه يقول عن حس ويعتمد على الكتاب أو السنة أو عقل منير، ولا يحكم بمجرد الحدس والتخمين.

فكيف بمن يضع نظاماً وشريعة لحياة مستقيمة وكريمة لا شر فيها وأزمات، ولعيش وادع ومطمئن لا جور فيه ومحاباة، شريعة تدرأ الأخطار، وتجلب المنافع، وتنشر العلم والأمن والعدل، وتحفظ التوازن بين مطالب الروح والجسد، وبين الأفراد والفئات، ولا تدع منفذاً للاستغلال والاحتكار ولا للصراع والتنافس على السلب والنهب، ولا تغادر كبيرة ولا صغيرة من شئون الناس ما وُجد منها وما سوف يوجد إلا أحصتها ونصت على حكمها بالخصوص او العموم، شريعة تُغني عن كل شرع ومشرّع، ولا يُغني عنها أي تشريع ونظام، إن هذه الشريعة او المعجزة البالغة الماثلة الآن في شريعة الإسلام، لا تكون ولن تكون من صنع مخلوق من طين وتراب، له عواطف ومآرب، ولا من صنع عقل وان خلص من الشوائب لأن العقول مجتمعة تدرك شيئاً وتغيب عنها أشياء، وإذن فلا بد ان تكون هذه الشريعة المعجزة من لدن حكيم عليم، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

وايضاً هناك أشياء أخرى يجب أن تتوافر في المشرع منها: أن التشريع سلطة وولاية للأعلى على الأدنى، ومعنى هذا أنه لا يحق لأي كان أن يضع للآخرين نظاماً لسلوكهم وافعالهم وقيودا لحريتهم واختيارهم إلا إذا كان أولى منهم بأنفسهم وأشيائهم وأهلهم واموالهم، أما الند فلا سلطان له وولاية على نده ونظيره، كيف وما فيه الاشتراك والمساواة لا يكون فيه التفضيل والمحاباة، وإذن فلا ولاية على النفس إلا لخالقها وواهبها، ومعنى هذا بالحتم واليقين أن ولاية التشريع والتنظيم لمن له ولاية الخلق والتكوين.

ومنها: أن الذي يفرض للآخرين أو عليهم أحكاماً لا يسوغ بحال أن يكون هو أحدهم لأن هذا في حقيقته وواقعه يرجع إلى أن المشرع يحلل ويحرم لنفسه بنفسه تماماً كالفئة الحاكمة في هذا العصر تضع القوانين لمصلحة الأغنياء ان كانت رأسمالية، ولمنفعة البروليتاريا إن كانت اشتراكية، كما يزعمون او تبعاً للأهواء الساهية الرعناء ان تك الدولة لشباب النزق والغرور.

 

هدف العلم والدين واحد

من أهل الدين فئة ورثت مجموعة من التعاليم والعادات عن الآباء والأجداد، ودافعت عنها بكل ما أمكن حتى بالسب والشتم لمن خالف أو ترك شيئاً مما هي عليه!.. وفي الطرف المقابل توجد فئة، أهم ما يشغلها الرد والاعتراض على كل ما يمتّ إلى الدين بسبب، لا لشيء إلا العداوة والبغضاء لهذا الاسم!. وبهذه الروح والدافع قال من قال: لنا في العقل غنى عن الوحي وشريعته، وذهل أو جهل بأن العقل من حيث هو لا يغني عن العلم ومنجزاته التي هي من ضرورات الحياة، وان الهدف الأول من الدين والعلم واحد، وهو السير بالإنسان إلى حياة مثلى من غير فرق سوى أن موضوع علم الطبيعة نفس الطبيعة والسيطرة عليها، وتحويل ما فيها من قوى وعناصر إلى أدوات يستعين بها على قضاء حوائجه، وموضوع الدين وشريعته هو نفس الإنسان والتخطيط لعقيدة هادية، واتجاه سليم ونبيل، وعمل صالح ونافع دنيا وآخرة، ومعنى هذا أن الإنسان في أمسّ الحاجة إلى العلم والدين معاً، وان الذين يحسبون أنه بالخبز أو العلم وحده يحيا الإنسان هم مخطئون تماماً كالذي يحاول المشي والسير على ساق واحدة.

ونتساءل لو تركنا لعقول الناس أن تضع لنفسها النظام المناسب والشريعة الصالحة، فماذا يحدث؟. أما بعض الشرائع العصرية الحديثة فقد أباحت اللواط وأقرته علناً في مجلس العموم البريطاني، ولكن بشرط الرضا من الطرفين. وبعض الشرائع أقرت التعذيب والسجن التعسفي، وثالثة أقرت التفرقة العنصرية، ورابعة أباحت الوصية للكلاب الخ.. وألغى النظام الاشتراكي حرية الفرد، وأطلقها النظام الرأسمالي على حساب الجماعة، أما النازية والفاشية فقد أهلكت النسل والحرث، وأودت بحياة الملايين.

ولو مضيت في ضرب الأمثال من الشرائع الوضعية وما فيها من ظلم وقسوة، وفساد وضلال، وما بينها من تضارب وتنافر ـ لسوّدت الوف الصفحات.. كل هذا فوقه كثير يعطينا أصدق الأدلة وأوضحها على أن شريعة الله هي وحدها شريعة الحق والصلاح والعدل والفلاح دنيا وآخرة، ولو كان لشريعة الله سلطان في هذا العصر لما امتلأت الأرض ظلماً وجوراً وخوفاً ورعباً من أسلحة المتنافسين على تقسيم المستضعفين كفريسة لقوتهم وجبروتهم وتهديدهم ووعيدهم بقنابل الإبادة بالجملة والتدمير بغير حساب.

ودين الله وشريعته عقبة كأداء في طريق هؤلاء وغيرهم من أهل الفسق والفجور، وقد أزالوا هذه العقبة من بلاد الغرب، وانفتح أهله على كل رذيلة وجريمة، واعتادوا عليها كطبيعة ثانية، وسرت هذه العدوى إلى العديد من أبناء الشرق السائرين في ركاب الغرب، وأعلنوا الحرب على الدين عسى أن يزيلوه من طريقهم ويعيشوا في ظل الفساد بسلام آمنين، ذلك هو مقصدهم، ولكن من دونه ألف عقبة وحجاب.

وأخيراً نفترض جدلاً أن في مقدور العقل السليم أن يضع للإنسانية شريعة كاملة من كل وجه وكافية وافية بكل حاجة، وأن هذا العقل موجود بالفعل عند بعض الناس ـ فنقول: إن الدين والوحي قوة ودعامة لهذا العقل، وليس من شك أن هذه الدعامة تجعل أحكام العقل أقوى وأبقى، بالإضافة إلى أن الاعتقاد بالله ينطوي على الخشية منه، ويقيم رقيباً على الإنسان من نفسه في دوافعه وميوله وسلوكه وأعماله.

 

البُعد الديني والبُعد الأخلاقي

الخير منه واجب كالجهاد والعدل والوفاء بالأمانة، ومنه مستحب كالحلم والعفو والبذل في بعض الأحيان، وعليه يسوغ القول: كل واجب هو خير وحسن وفضيلة، وليس كل خير وحسن بواجب.. هذا من وجهة شرعية فقهية لا مرية فيه، ولكن هل الامر أيضاً كذلك من الوجهة الأخلاقية بحيث إذا تر الإنسان ما هو مندوب شرعاً كالصدقة المستحبة ـ مثلاً ـ لا يحط ذلك من قدره وكرامته من الوجهة الخلقية، أو أن كل خير هو واجب أخلاقي حتى ولو كان مستحباً في الفقه والشرع، ومن تركه فقد اقترف جريمة في نظر الأخلاق؟.

اختلفت الإجابة عن هذا السؤال تبعاً لمشاعر المجيب وميوله ونظره من زاوية معارفه وعقيدته. ونحن لا نفرق بين الأحكام الشرعية والأحكام الأخلاقية واجبة كانت أم مندوبة، وبالتعبير الدارج لا فرق عندنا بين البعد الديني والبعد الأخلاقي، فكل واجب او مستحب شرعاً هو كذلك من وجهة إنسانية وأخلاقية، وبالعكس، وآية ذلك:

أولاً أن الأحكام الشرعية والأحكام الأخلاقية تستقي من معين واحد، فمصادر الأولى: الكتاب والسنة والعقل والاجماع الكاشف عن حكم الله تعالى، ومصادر الإلزام الخلقي: الوحي والعقل والفطرة النقية كما سبقت الإشارة إليه، وهذي بالذات مصادر للأحكام الشرعية أيضاً، قال سبحانه: (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) (30 ـ الروم). وفي الحديث (أصل ديني العقل) ولا دين لمن لا عقل له، وكفى دليلاً على ان كل ما هو خلقي فهو إسلامي قول الرسول الأعظم (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فانه يكشف عن الصلة الوثيقة بين الإسلام والأخلاق ثانياً ان نور العقل والفطرة فيض من صانعهما الذي أودع فيهما الاحساس بالخير والشر والإلزام تركاً لهذا وفعلاً لذاك (انظر فقرة إلى الله ترجع الامور من فصل حول الأخلاق).

ونستخلص من كل ذلك وغير ذلك أيضاً أن الأحكام الأخلاقية تماماً كالأحكام الشرعية، فيها الوجوب والندب، والحرمة والكراهة، أجل إن النفوس النبيلة الفاضلة هي وحدها التي لا تفرق بين واجب ومندوب، ولا بين محرم ومكروه، ولسنا بصدد الكلام عن هذه القلة القليلة، وإنما نتحدث عن أخلاق الكثرة الكاثرة أمثال الذين عناهم الإمام أمير المؤمنين(ع) بقوله: ((ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ولكن اعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)) فان في ذلك كفاية المكتفي ديناً وأخلاقاً.

وربما يُفرق بين الحكم الشرعي والحكم الأخلاقي في عبادة من عبد الله سبحانه لا شكراً لأنعمه، بل رهبة من عذابه او رغبة في ثوابه حيث تُقبل عبادته ويخرج بها عن عهدة التكليف الشرعي لأن الفاصل هنا غير أجنبي ـ على حد تعبير النحاة ـ وإن لم تك هذه العبادة من الأخلاق في الأفق الأعلى.. ولكن لنا أن نقول بلا تحفظ إن الدوافع الأخروية كلها أخلاقية مئة بالمئة لأن الخوف منه تعالى بذاته أيضاً عبادة، أما الطمع في فضله فعزة وكرامة. وسنتكلم عن ذلك مفصلاً في فقرة خاصة بعنوان (عبادة الله خوفاً أو طمعاً) من فصل النية. فإلى هناك.

 

الخير درجات

الواجبات والإلزامات بالخير منها الأهم كالإلزام بالجهاد وانقاذ الغريق، ومنها المهم كالحج بالنسبة إلى الجهاد، قال سبحانه: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى) (10 ـ الحديد). وفي نهج البلاغة: (درجات متفاضلات، ومنازل متفاوتات) ولا يحتاج هذا إلى دليل وبيان لأن الجزاء على قدر العطاء كماً وكيفاً بحكم البديهة.

وكذلك الشأن في المحرمات، منها كبائر كالعدوان على الأنفس والأموال، قال الأمام أمير المؤمنين(ع): بئس الزاد العدوان على العباد. ومنها صغائر، ومن جملة ما قلنا في التفسير الكاشف عند شرح الآية 31 من النساء ج 2 ص 306: ((ان الذنوب جميعاً في نفسها كبائر، وإنما تقسم إلى كبائر وصغائر بمقارنة بعضها بعضها إلى بعض ـ مثلا ـ النظر إلى أجنبية بريبة ذنب كبير في نفسه، صغير بالنسبة إلى القبُلة، والقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، وكذا الأكل على مائدة الخمر كبير في نفسه صغير بالقياس إلى شرب الخمر، ولكن الصغيرة مع الإصرار عليها تتحول إلى كبيرة كما أن الكبيرة تُمحى من الأساس مع التوبة والاستغفار لحديث (لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار). وقال سبحانه: (واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) (82 ـ طه).

 

مضاعفة العذاب

وهنا نشير إلى إشكال مع الإجابة عنه، قال سبحانه: (ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يُظلمون) (160 ـ الأنعام). فقد حصر سبحانه في هذه الآية جزاء السيئة بمثلها، وهذا حق وعدل، ولكنه قال تعالى في آية ثانية: (ومن يفعل ذلك ـ إشارة إلى ما نهى عنه ـ يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة) (69 ـ الفرقان). وهذا بظاهرة يصطدم ويتعارض مع الجزاء بالمثل لأن معنى المضاعفة الزيادة، فما هو طريق الجمع بين الآيتين؟.

الجواب:

أولاً إن المضاعفة هنا كناية عن هول العذاب وشدته. ثانياً إن المذنب على نوعين: الأول ظالم نفسه وكفى كمن ترك فرضا من عبادة ـ مثلاً ـ وهذا ونحوه هو المقصود بآية (بلا يجزى إلا مثلها).

الثاني يتعدى وزره ويسري إلى الآخرين كمن (سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة). وهذا ومن على شاكلته المقصود بمضاعفة العذاب.. هذا، إلى أن من كفر بالله أو أشرك به أو اعتدى على حرية الآخرين وكرامتهم وأشيائهم ـ يقلّ في حقه أيّ عذاب مهما تضاعف وتكاثف.

bskn14477

bskn14477