akdak

المقالات

قسم علم النفس

المسؤولية

144

---------

عام وخاصّ

ثم إن الإلزام بالخير منه عام لاّ يختص بفرد دون فرد ولا بفئة دون فئة أو بزمان دون زمان كالايمان بالله والعمل بالحق والعدل والوفاء بالعهد والأمانة، ومنه خاص كواجبات العلماء والحكام والأغنياء، فأول الواجبات على العالم أن يعمل بعلمه، والواجب الأساسي على الحاكم أن يأمن الضعيف من ظلمه، ويخشى القوي من عدله، أما الغني فيجب عليه كفاية أن يسد جوعة المضطر حتى ولو كان الغني قد أدى ما عليه من أخماس وزكوات، قال الإمام أمير المؤمنين(ع): ((ما جاع فقير إلا بما متع به غني، والله سائلهم عن ذلك)).

بل يجب كفاية على كل قادر أن يدفع الأذى عن العاجز أياً كان نوع العجز. أما قول الفقهاء: يجب انقاذ الحريق والغريق فهو لمجرد التمثيل، وكفى بقوله تعالى حجة ودليلاً: (ارأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين) (3 ـ الماعون). والمراد باليتيم هنا الضعيف صغيراً كان أم كبيراً، وبالمسكين المعوز.

 

التوازن بين الواجبات

الإنسان روح وجسد، ولكل منهما مطالب وواجبات، وعملية التوازن بين مطالب الاثنين وواجباته تحتاج إلى روية وحكمة، وذلك بأن لا نطلق الحرية والعنان لكل منهما في مطالبه، بل يجب أن نقيد مطالب الجسد بعدم الإضرار والإجحاف بمطالب الروح والباقيات الصالحات، ونقيد مطالب الروح أيضاً بالحرص والمحافظة على مطالب الجسد والطيبات من الرزق، وبكلمة أن لا نؤثر أحدهما على حساب الآخر، وبذلك يتحقق الانسجام والترابط في جامع يضم مطالب الروح والجسد معاً.

 

ونضرب مثلاً بقصة الإمام أمير المؤمنين(ع) مع عاصم بن زيد الحارثي الذي لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، فقال له الإمام(ع): يا عدوَّ نفسه لقد استهان بك الخبيث ـ الشيطان ـ أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى أن الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذ منها؟ أنت أهون عليه من ذلك)).

 

وقوله (أهون) يتضمن الإنكار على من حرم على نفسه زينة الله والطيبات من الرزق، وماذا يصنع الله بزهد الإنسان ورهبنة الرهبان (ولكن يناله التقوى منكم) (37 ـ الحج).

ومن التقوى أن نعطي كل ذي حق حقه، قال الرسول الأعظم(ص): ((ان لربك عليكم حقاً، وأن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فاعط لكل ذي حق حقه)). وقال: ((ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه.. من طلب الدنيا مكاثراً مفاخراً لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافاً وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر)).

أبداً لا فارق وفاصل في دين الإسلام بين العمل للدنيا والعمل للآخرة ما دام كل منهما من أجل حياة أفضل، وإنما الفصل والحد بين الحلال والحرام، بين الظلم والعدل، بين المحاباة والمساواة، بين أن تعيش بكد اليمين، وأن تعيش على حساب الآخرين: (تلك حدود الله، فلا تعتدوها، ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون) (229 ـ البقرة).

ومثلاً آخر من سنة الرسول الأعظم(ص): رأى الصحابة في ذات يوم شاباً قوياً يسرع إلى عمله، فقال بعضهم: لو كان هذا في سبيل الله، فرد النبي عليهم وقال: لا تقولوا هذا، فان كان خرج يسعى على اولاد صغار فهو في سبيل الله، وان كان خرج يسعى على أبوين شيخين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياء ومفاخر فهو في سبيل الشيطان.

هذا السعي للنفس والآباء والأولاد كله لله والآخرة وان كان من المصلحة الخاصة ما دامت حلالا.. أرأيت إلى هذا الالتصاق والوفاق بين دنيا الحلال والآخرة وهل من شيء أقوى في الدلالة وأوضح على ان دين الإسلام هو دين الحياة لا دين المغيبات فقط. (فبأي حديث بعده يؤمنون؟).

بهذا الحديث وبامثاله من كتاب الله وسنة نبيه، وبهذا المنهج السليم في فهم الإسلام ـ يجب أن نخاطب نحن حملة الدين ودعاته، الشاب المثقف الذي يطالب بتغيير الدين وتطويره!.. إن قلوبنا وأدمغتنا نحن المرشدين والمبلغين هي التي يجب أن تتغير وتتطور وليس الدين الذي جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين.

ولا أدع الكلام حتى أذكر مثلاً واحداً على فهم أهل البيت(ع) لدين جدهم رسول الله(ص)، قال رجل للإمام الصادق(ع): إني أحب الدنيا، قال الإمام: تصنع بها ماذا؟ قال: اتزوج منها واحج وانفق على عيالي وانيل اخواني. قال الإمام: ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة.

وهكذا ارتفع فهم المعصوم لدين الله وجده رسول الله على كل فهم.. فأي شيء يحقق أملاً من آمال الإنسانية، ويخطو بها إلى ما فيه صلاح للناس بجهة من الجهات فهو رضا الله ومن خير الآخرة وثوابها، وعلى هذا الفهم المعصوم يجب أن يعرض كل تفسير وتأويل لكتاب الله وكل قول أو فعل او تقرير يُنسب إلى رسول الله(ص)، فما صدقه وشهد له فهو من الإسلام وإلا فهو بدعة وزخرف.

 

أورع الناس من وقف عند الشبهة

أورع الناس من وقف عند الشبهة

كل الحقوق والواجبات تصاغ في أطر عامة وقواعد كلية أخلاقية كانت أم شرعية أم سياسية أم غير ذلك، أما الجزئيات فتُستخرج أحكامها من القوانين حيث لا حصر لها ولا عد، ولا يسوغ أن تترك لضمائر الأفراد فتستخدم في أحامها ما هب ودب، وعن الإمام الصادق(ع) أنه قال: علينا أن نلقي اليكم الأصول، وعليكم أن تفرّعوا.

ومن أمثلة هذا التفريع ما روي عن الإمام الباقر أن رسول الله(ص) نهى عن القيل والقال، وفساد المال وكثرة السؤال، فقيل له: أين هذا من كتاب الله؟ فاستخرج النهي عن القيل والقال من الآية 114 من النساء: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس) وأرجع النهي عن فساد المال إلى الآية 5 من النساء: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) أما النهي عن كثرة السؤال فدليله الآية 10 من المائدة: (لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم).

وأيضاً عن الإمام الصادق(ع): (أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترك الحرام). وعليه يمكن القول بأن أشقى الناس في آخرته من اقتحم الشبهات ناسياً الدين والإيمان وأشد من هذا شقاوة وعداوة لله ورسوله من اخترع المبررات لارتكاب المحرمات تبعاً لأهوائه واهواء أبنائه، وهذا وأمثاله هم السبب الاول لهدم الدين باسم الدين بدليل قول المعصوم: (هم أشد على الإسلام من جيش يزيد بن معاوية).

مهدنا بما تقدم لكي نشير إلى أن أهون شيء على الإنسان أن يحرك لسانه في فمه كيف شاء متى شاء، فيصف الجبن بالوداعة والتواضع، والاستسلام للذل والهوان بالقضاء والقدر، والتقتير بالتدبير، وإثارة الحروب بالحفاظ على السلم، والكذب بالحجة الدامغة، وكثير من الأطفال يحفظون قصة ذاك الذئب مع الحمل المسكين الذي عكّر الماء عليه مع أن الذئب كان في أعلى الماء والحمل في أدناه، ثم دعوى الذئب بأن أبا الحمل قد سبه وشتمه.. ومعلوم أن كل حمل في الدنيا لا يعرف أباه، ولكن هذا الذئب عرف أبا هذا الحمل الذي يريد أن يفترسه، عرفه باسمه وشخصه!.

وهكذا ضعيف الدين والإيمان يزور الواقع، ويخضع الحق لأهوائه وتبعاً لمطامعه كما فعل الذئب، واليك هذا الشاهد الخالد:

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان، وهو يترجم للقاضي أبي يوسف: ان هارون الرشيد أحب جارية عيسى بن جعفر، فسأله هبتها أو بيعها فأبى وقال: حلفت بالطلاق والعتاق وصدقة جميع ما أملك إن بعتها أو وهبتها، فطلب الرشيد من أبي يوسف أن يوجد له حلاً شرعياً لهذه المعضلة. فقال أبو يوسف لعيسى هبه نصفها وبعه نصفها، ولا حنث عليك في ذلك لأنك ما بعتها كلها ولا وهبتها كلها.

ففعل عيسى حيث لا بد مما ليس منه بد، وحملت الجارية إلى الرشيد وهو في مجلسه. فقال الرشيد لأبي يوسف: بقيت واحدة. قال: ما هي؟ قال: إنها جارية ولا بد أن تستبرىء بحيضة، وإذا لم أبت ليلتي معها خرجت نفسي. قال أبو يوسف: اعتقها فتصبح حرة، واعقد عليها بعد العتق، فإن الحرة لا تستبرىء. فاعتقها الرشيد، وعقد له عليها أبو يوسف، وقبض مئتي ألف!.

ولا فرق اطلاقاً بين من يحتال ويحرف دين الله وشرعه تبعاً لهوى خليفة أو قوي، وبين من يحرفه تبعاً لهواه أو هوى أبنائه. ومن جملة ما قرأت أن العالم النفساني الكبير ادوارد ليتين قال: ((إن بعض الآباء يذعنون لرغبة ابنائهم حتى يتصور المرء أن الأبناء هم الكبار، وأن الأب هو الصغير الذي لا يملك إلا أن يسم ويطيع)).

وهذه صورة طبق الأصل لما سمعناه من الناس عن البعض، ويا للأسف!. فأين الاحتياط الذي قرأناه في كتب الفقه وأصوله، والابتعاد عن التهم والشبهات؟ ألا يكفي ما يحيط بنا من الأعداء، وما نحن فيه وما هو قادم علينا؟.

وبعد، فان الله سبحانه يعذر من ينسى جزءاً من أجزاء العبادة أو يخطىء في فهم نص من النصوص إذا كان صادقاً في قصده جاداً في بحثه، قال سبحانه: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) (5 ـ الأحزاب) إنما الإثم والجرم على من حرف وزيف، واستبد بأمره دون أمر الله جل وعز.