akdak

المقالات

قسم الرجال والحديث

ديك الجن الحمّصي

387

عمر فرّوخ

هو ديك الجنّ عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد اللّه بن رغبان بن زيد بن تميم، دخل جدّه الأعلى في الإسلام و شهد مؤتة (8 ه‍-629 م) . و يبدو أن أسلاف ديك الجنّ انتقلوا فيما بعد إلى سلمية و تأثّروا فيها بالدعوة الفاطمية، ثم انتقل قوم منهم إلى حمص.

ولد ديك الجنّ في حمص سنة 161 ه‍(777 م) ، و فيها نشأ خليعا ماجنا ثم لم يغادرها إلا في فترات يسيرة قصد فيها سلمية ليمدح جعفرا و أحمد ابني عليّ الهاشميّين. و كان ديك الجنّ يتشيّع تشيّعا حسنا، غير أنه كان شديد التشعّب و العصبية على العرب، يقول: «ما للعرب علينا فضل، جمعتنا و إياهم ولادة إبراهيم، و أسلمنا كما أسلموا، و لم نجد اللّه فضّلهم علينا» بعد أن جمعنا الإسلام (غ 12:142) .

و لمّا مر أبو نواس بحمص في طريقه إلى مصر زار ديك الجن.

كان لديك الجنّ جارية اسمها ورد، و كان شديد الحب لها، فاتّهم بها غلاما له، و قيل بل اتّهم بها أخاه (العمدة 2:142،241) فقتلها، ثم ندم و قال فيها أشعارا كثيرة.

و كانت وفاة ديك الجنّ سنة 235 ه‍(849 م) .

خصائصه الفنّيّة:

ديك الجنّ شاعر مجيد، و هو رأس المذهب الشامي، و كان في أيامه شاعر الشام إلاّ أنه لم يذكر مع أبي تمّام إلاّ مجازا (العمدة 1:83) . و شعر ديك الجنّ متفاوت ظاهر التكلّف أحيانا، و في شعره ترصيع (تقسيم الألفاظ على المعاني في البيت الواحد) بارع جدا (العمدة 2:27،28) . و فنونه المدح و الرثاء و الهجاء و الخمريات و الغزل مؤنّثا و مذكّرا. و معظم رثائه في آل البيت، و له في الحسين بن عليّ[عليهما السلام] مراث منها مرثية: «يا عين، لا للقضاء و لا للكتب» مشهورة عند الخاص و العامّ يناح بها. و هو في الرثاء أشهر من أبي تمّام، إذ يغلب الرثاء على طبعه (العمدة 2:141) . أما غزله المؤنّث فقد استفرغه في جاريته ورد.

المختار من شعره:

-هوي ديك الجن جارية نصرانية من حمص فأسلمت على يديه و تزوّجها، و فيها يقول:

انظر إلى شمس القصور و بدرها... و إلى خزاماها و بهجة زهرها

لم تبك عينك أبيضا في أسود... جمع الجمال كوجهها في شعرها

ورديّة الوجنات، يختبر اسمها... من ريقها من لا يحيط بخبرها (1)

و تمايلت فضحكت في أردافها... عجبا، و لكني بكيت لخصرها (2)

تسقيك كأس مدامة من كفّها... ورديّة، و مدامة من ثغرها

-و توهّم ديك الجنّ على زوجته ورد خيانة فقتلها ثم ندم على ذلك فقال- و يقول الأصفهاني إن هذه الأبيات تروى للشاعر القديم السليك بن مجمّع. و لكن خصائص هذه الأبيات محدثة لا قديمة-:

يا طلعة طلع الحمام عليها... و جنى لها ثمر الردى بيديها

روّيت من دمها الثرى، و لطالما... روّى الهوى شفتيّ من شفتيها

قد بات سيفي في مجال وشاحها... و مدامعي تجري على خدّيها

فو حقّ نعليها، و ما وطئ الثرى... شيء أعزّ عليّ من نعليها

ما كان قتليها لأني لم أكن... أبكي إذا سقط الذباب عليها

لكن ضننت على العيون بحسنها... و أنفت من نظر الحسود اليها

-و لديك الجن خمرية هي أو منها:

بها غير معدول فداو خمارها... و صل بحبالات الغبوق ابتكارها (3)

و نل من عظيم الوزر كلّ عظيمة... إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها (4)

و قم أنت فاحثث كأسها غير صاغر... و لا تسق إلا خمرها و عقارها (5)

فقام تكاد الكأس تحرق كفّه... من الشمس أو من وجنتيه استعارها

ظللنا بأيدينا نتعتع روحها... فتأخذ من أقدامنا الراح ثارها (6)

مورّدة من كفّ ظبي كأنّما... تناولها من خدّه فأدارها

____________________

1) الخبر (بكسر الخاء) : العلم بالشيء و اختباره.

2) سررت من أردافها (لكبر اردافها) و بكيت (أشفقت على) خصرها (لنحوله) اذ تعجبت كيف يستطيع أن يحمل جسمها الممتلئ.

3) الغبوق: شرب الخمر مساء. الابتكار: الصبوح (شرب الخمر صباحا) .

4) الحفيظان: ملكان من الملائكة يكتبان أعمال الانسان. -خافا النار عليه.

5) خمرها و عقارها (العقار الخمر) ، كذا في الأصل؛ لعل الأصوب: صرفها و عقارها.

6) كنا نتناول الخمر بأيدينا و نعبث بها، فكانت تنتقم من أرجلنا (تجعلنا مضطربي الخطى في السير) .